حزب العمال البريطاني بعد الهزيمة الانتخابية، المستقبل والمالات

ملخص تنفيذي:

شكلت نتائج الانتخابات البريطانية الأخيرة الهزيمة الاثقل على حزب العمال منذ ما يقرب من 100 عام، حيث وضعت مستقبله على المحك. المحافظون فازوا بأغلبية مدوية بتحول معاقل حزب العمال التقليدية في الوسط والشمال التي صوتت طيلة قرن للحزب الى دعم حزب اليمين. في تساوق اثار الذهول مع الشعارات الوطنية التي أطلقها المحافظون للخروج من الاتحاد الأوروبي، ترافقت مع هجمة إعلامية شرسة ضد الزعيم العمالي جيريمي كوربين.
التحليل:

قبل الانتخابات تركزت الأنظار على ما يعرف بمناطق “الجدار الأحمر”، في وسط وشمال إنجلترا التي تصوت تقليدياً لحزب العمال، خاصة بعد تصويتها الساحق في الاستفتاء لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي في عام2016. ولهذا توقع العديد من المراقبين ان تحسم نتائج الانتخابات العامة في هذه المناطق. وهذا ما حصل فعلا حيث خسر حزب العمال ما مجموعه 60 مقعداً. لقد أنهى المحافظون 69 عاما من الفشل الانتخابي في الشمال والوسط حين فازوا بمقاعد كانت مضمونة دائما لحزب العمال. في محاولة الإجابة على تساؤل فيما إذا كانت الطبقة العاملة والوسطى قد تخلت عن حزب العمال لمرة واحدة ولغرض محدد فقط وهو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ولإنهاء ثلاث سنوات من التردد وعدم اليقين، أو أنه بداية لإعادة صياغة المشهد السياسي البريطاني الجديد، وتضاؤل نفوذ وسيطرة النخب السياسية التقليدية التي قادت القارة الأوروبية بعد الحرب الثانية كما حصل ويحصل في أوروبا اليوم.

الموقف من مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي كان حاسماً في التأثير على قرار الناخبين، لكن سيكون من السطحي إذا تم اعتباره العامل الوحيد. العديد من المراقبين اضافوا الى ذلك مشاعر اليأس التي حملها ناخبو حزب العمال تجاه قيادة كوربين المترددة والتي فشلت في استشعار المصالح الحقيقية للطبقة العاملة والوسطى، وجعلها عرضة لسطوة تأثير الدعاية الشعبوية القومية المركزة.

بداية الانفكاك:

بالعودة الى فترة ولاية المحافظين نهاية سبعينات القرن الماضي برئاسة مارغريت تاتشر، تم إضعاف وتهميش صناعات الصلب وبناء السفن والتعدين والفحم، وشنت الحكومة حملة مكارثية ضد النقابات العمالية، وخاضت صراعا مريرا لإضعاف نفوذها، واجبرت العمال على الدخول في مفاوضات لتخفيض الأجور وتقليص الخدمات الاجتماعية او إغلاق المناجم والصناعات التعدينية، تم تبرير ذلك بإعادة تنظيم هذا القطاع وجعل الشركات الصناعية أصغر حجما وأكثر إنتاجية. بهذه السياسات عملت تاتشر على إضعاف البنية الصناعية في شمال ووسط البلاد ووجهت بذلك الضربات المنهكة لجسم الطبقة العاملة الصناعية التقليدية وتمثيلها النقابي، حين استهدفت الوظائف ذات الأجور العالية والآمنة والماهرة التي كانت شكلت محور هوية هذه الطبقة.

ونتيجة لهذه السياسة، عانى الشمال من أسوأ فترات الركود العميق وارتفاع معدلات البطالة في السنوات الأولى؛ وكان الأقل استفادة من الازدهار الذي حدث في أواخر الثمانينات. ونتيجة لسياسات تاتشر كانت لندن محور هذه التنمية، حيث تدفق رأس المال الأجنبي إلى بريطانيا نحو القطاعات غير الانتاجية، العقارية والمصرفية. ونتيجة لسياسات الخصخصة في القطاعات الانتاج الرئيسية، انتعشت قطاعات الخدمات والعقارات. أدى ذلك الى إنشاء المدينة الجديدة التي تركز على الاستثمار الخارجي، وتم تجفيف مصادر الاستثمار الصناعي في الشمال، وتحول الجنوب الى مركز قوة اقتصادية عالمية جاذبة. أدت هذه السياسات التاتشرية إلى تفاوت كبير في التنمية بين الشمال والجنوب.
وبدل ان تشكل هذه الهجمة التي استهدفت الحواضن الاجتماعية لحزب العمال، حافزا لإعادة مراجعة جذرية لبرنامج الحزب وانهاء التسوية التاريخية التي اعتمدها بعد الحرب العالمية الثانية بين الطبقة العاملة وارباب العمل. حدث تطور مفصلي، حين صعد توني بلير نهاية التسعينات على رأس حزب العمال، طارحا بوضوح انه سيعمل على التخلص من عبء ” اللوثة الاشتراكية ” التي طبعت الحزب في سنوات قيادة مايكل فوت ونيل كينوك والتيار اليساري واقترح تغييرا جوهريا لهوية الحزب الاجتماعية، في مانيفستو يضع الحزب في موقع الوسط، منافسا حزب اليمين المحافظ على قواعده وبرنامجه الليبرالي الجديد. لم يكن ذلك تشويها لأفكار الحزب التاريخية وحسب، وانما الدخول في مسار استكمال مشروع مارغريت تاتشر في الانتقال من الدولة الصناعية الى الدولة التي تعتمد على الريع الخدمي المالي. وبهذا بات بلير محبوب رجال الاعمال والتجارة الخدمية واساطين الاعلام والمال. توج هذا التوجه بإلغاء بلير لإحدى مواد النظام الداخلي المسطرة منذ منتصف الاربعينات والتي تلزم الحزب بعمليات التأميم لصالح المجتمع. ومع تركز العملية الاقتصادية في الجنوب ولندن على وجه الخصوص، وانكشاف تمويلات تحمل شبهات فساد طالت عددا من قادة الحزب ووزرائه، بدأت مرحلة انحدار شعبية الحزب وصولا الى خروج جماعي للأعضاء، جلهم من المناطق المحسوبة تاريخيا على التيار العمالي في مناطق الصناعات التقليدية في الشمال والوسط. ولهذا يمكن الاستخلاص بأن سنوات بلير وسياساته “الليبرالية الجديدة” مهدت، لخسارات متوالية للحزب وصولا الى الهزيمة الساحقة الأخيرة.

الصحوة المتأخرة

في استفتاء عام 2016 تم ترويج فكرة أن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، والاستغناء عن المنتجات الاوروبية والعمالة الأجنبية المنافسة، سيكون المخرج من الازمات الاقتصادية في هذه المناطق. هنا ظهر حجم الانقسام في القاعدة الانتخابية التقليدية لحزب العمال. فاتجاهات التصويت في الاستفتاء للخروج من الاتحاد الاوربي في المناطق الحمراء، أربك قيادة الحزب وعطل حسم الموقف من قضية الخروج حفاظا على وحدة شكلية للحزب، والذي تحول الى سبب أساسي في فقدان الثقة بقيادة الحزب التي لم تقرا التحولات التي شهدتها قاعدتها الانتخابية التقليدية جيدا.

يمكن فهم اتجاه التصويت في الاستفتاء كاحتجاج ضد كل نخبة المركز، وتصويتا ضد قيادة الحزب المترددة. وجاء ليخاطب، متأخرا، مصالح الناخبين في الوسط والشمال تحديدا، مؤكدا على العودة الى برنامج الصناعة الإنتاجية، وتحسين الخدمات الصحية وبرنامج لاستعادة الدولة للشركات الكبرى في المواصلات بما سمي بالملكية الاجتماعية، وإلغاء الرسوم الجامعية وتصفية المدارس الخاصة رمز التمايز الطبقي، الامر الذي أعاد الى الاذهان فترة التيه الكبرى التي عاشها الحزب فترة قيادته اليسارية الراديكالية، مما زاد الناس تشككا في قدرة الحزب على قيادة الدولة وإنجاز برنامج تحول اقتصادي بدا طموحا لكنه لم يناسب العصر والثورة التقنية.

كما لم يسعف جيرمي كوربين التطور الهائل في العضوية التنظيمية واغلبيتها الشابة، فالحزب الذي بات الأكبر في أوروبا بات أقرب الى ناد شبابي متحمس، لكنه لا يمت بصلة للقاعدة الإنتاجية والعاملة التي تتطلع لبرنامج حقيقي للإنقاذ من تداعيات الازمة الاقتصادية والافقار المتزايد، ولم تجد امامها غير وهم الإنقاذ عبر الخروج من الاتحاد الأوروبي.

كان الخطاب المناهض للمهاجرين دعامة أساسية لحملة المحافظين المناهضة للاتحاد الأوروبي في عام 2016. في استطلاع للراي أجرته مؤسسة (يوجوف)، أفاد بأن المسالة الرئيسية التي حسمت موقف غالبية المصوتين للخروج من الاتحاد الأوروبي، كانت الهجرة. لقد أطلقت حملة التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي العنان لمشاعر وطنية بدا انه تم كبحها في سنوات العولمة، حيث تزايدت نسبة المشاعر المعادية للمهاجرين تدريجيا بالنظر الى زيادة هجرة العمالة الدائمة من دول اوروبا الشرقية، والتي حملت كل الاثار السلبية التي لحقت بسوق العمل البريطانية. التقى هذا التحريض مع الرأي السائد في مدن الوسط والشمال الذي كان ينادي بتحويل الوظائف المنخفضة الاجر “إلى عمال المناجم السابقين، وليس إلى العمال الأجانب”.لهذا يمكن القول إن دعاية المحافظين تمكنت من توجيه السخط بسهولة نحو حزب العمال الذي تبنى سياسة الحدود المفتوحة مع الاتحاد الأوربي، والتي ساهمت في تشكيل القناعات بأن حزب العمال لم يعد قادرا على تفهم مخاوفهم او الالتفات لمصالحهم المباشرة. ليس هذا وحسب وانما ساهمت سياساته في تشويه هوية بريطانيا التقليدية المتميزة ثقافية وعلميا بسبب مساندة التوسع في الهجرة الاقتصادية التي شملت الأجانب الأثرياء والمهاجرين ذوي المهارات العالية.

يلاحظ المتتبع لمسار حزب العمال أن الازمة الداخلية المتفاقمة سابقة لعهد كوربين الذي ورث حزبا مهشما سياسيا وتنظيميا، إذ فقد ما يزيد على مائتي ألف عضو في اقل من عشرة أعوام، مترافقا مع صعود حزب الاستقلال البريطاني (UKIP) ــ الحزب المناهض بشراسة للمشروع الأوروبي وللهجرة. نجح هذا الحزب الطارئ على الحياة السياسية البريطانية في جذب قواعد شعبية بما فيها العمالية منذ عام 2005 وصاعداً. أكد فوز هذا الحزب في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014 أن الجانب اليميني من الطيف السياسي أصبح مظلة جاذبة، حتى لأطراف من معسكر اليسار، فقد سلبوا من حزبي المحافظين والعمال 150 مقعداً. كان هذا انذارا بما سيأتي، لكن ذلك لم يدفع حزب العمال الى مراجعة سياساته وبرامجه.

كما يلاحظ أيضا أن التحول في عقيدة الحزب نحو الوسط وذروتها مع مطلع العام الفين وتأييد رئيس الحكومة توني بلير غزو العراق، بدأ الحزب مرحلة الهبوط التدريجي، وفقدان البوصلة السياسية والفكرية. ولم تسعف الحزب الفرصة التي عاد فيها الحزب الى رئاسة الحكومة في عهد غوردون براون من منتصف 2007- نهاية 2010 حيث عصفت الازمة المالية العالمية باقتصادات الدول وخصوصا تلك التي تعتمد على الخدمات المالية مثل بريطانيا، وهي الفترة الأسوأ لكل الأحزاب البريطانية. وعلى الرغم من صعود جيريمي كوربين على رأس حزب متداع وضعيف ووعوده بإصلاحات جذرية في سياسات الحزب الاجتماعية الاقتصادية، الا ان سيطرة موضوع الخروج من الاتحاد الاوروبي على جدول الاعمال القومي افشلت مشروعه الطموح. وبدلاً من مواجهة الموجة اليمينية الشعبوية التي قادها اليمين المحافظ ببرنامج بديل، أحجم حزب العمال عن التقدم بموقف واضح من حرية التنقل عبر الحدود، وهو ما لم ترغب به قاعدة الحزب الشمالية الذين صوتوا بالأغلبية ضده في الانتخابات.
وعلى النقيض من ذلك، وظف المحافظون بشكل واضح وموجز إنهاء حرية التنقل للعمالة في دعايتهم الانتخابية، كواحد من اساسات برنامجهم للخروج من الاتحاد الأوروبي. تصويتيا كان هذا ما أراده العديد من ناخبي حزب العمال فحققوا رغبتهم تلك وكسروا الحدود الحزبية التقليدية بالتصويت للمحافظين في صناديق الاقتراع.

لعب الإعلام أيضا دورا أساسيا في التأثير على الناخبين، فقد أظهرت دراسة تحليلية اجراها باحثون في جامعة لوبورو حول التغطية الصحفية للحزبين الرئيسيين، بأن تغطية الصحافة لحزب العمال في انتخابات عام 2019 كان عدائيا وسلبياً غالبية الوقت، مع انخفاض التغطية السلبية للمحافظين إلى النصف. وقد خلصت الدراسة الى ان التغطية في فترة الانتخابات لحزب المحافظين وزعيمه جونسون تحسنت بصورة ملحوظة من خلال التركيز على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كمسالة مهيمنة على غيرها من القضايا، وقد صب ذلك في مصلحة المحافظين. كما هيمنت قضية معاداة السامية على وسائل الاعلام وركزت اتهامها بصورة مباشرة على زعيم الحزب كوربين، مما زاد من الشكوك حول أهليته لقيادة البلاد. أظهرت الأبحاث التي أجرتها شركة (يوجوف) لاستطلاعات الرأي أن كوربن كان العامل الحاسم للناخبين الذين انشقوا عن حزب العمال. في المقابل تجاهل الاعلام تقريبا موضوع الاسلاموفوبيا المتفشية في حزب المحافظين ولم يخصص لها تغطية ذات مغزى.

الخلاصة:

بدأت معركة خلافة جيرمي كوربين في قيادة حزب العمال بعد الهزيمة التي مني بها في الانتخابات الأخيرة، ومستقبل الحزب وهويته باتت اليوم على المحك، لكن اللافت ان لا إشارات تدلل على انشقاقات او تصدعات كبرى قد تطفو على السطح في المدى المنظور. فلا زال الحزب يعد الأكبر على مستوى القارة الأوروبية، جاء 100 ألف منهم بعد خسارة الانتخابات 2019، إذ تعزى الزيادة اللافتة في العضوية الى ما يعرف بتيار ” المومنتوم” والذي يتوقع ان يبقى دوره مؤثرا في صياغة مستقبل الحزب، فقد تمكن خلال عامين من إضافة قرابة ربع مليون عضو جديد للحزب، تقل اعمار غالبيتهم عن الثلاثين عاما. بهذا التيار تمكن كوربين من الفوز بقياد الحزب لمرتين، كما انهم مارسوا سطوتهم وتأثيرهم داخل مؤتمري الحزب الأخيرين وبرامجه الانتخابية. غير ان مصير هذا التيار ذو الأغلبية يتعرض اليوم لحملة انتقادات واسعة من الأوساط التقليدية والتي توصف بالبليرية داخل الحزب، ويجري تحميلهم مسؤولية الهزيمة الأخيرة في الانتخابات. مصير الحزب يتوقف اليوم على الطريقة التي سيتم التعامل فيها مع الوافدين الجدد الى عضوية الحزب، وهم الذين حافظوا على عضويتهم الموازية للحزب في إطار تيار مومينتوم، ولم يخفوا يوما انهم كوربينيون مرتبطون بالزعيم وبرنامجه وتوجهاته الراديكالية. وإذا ما اتبعت الوسائل الديمقراطية في حسم مستقبل توجهات الحزب وهويته الفكرية والسياسية داخل المؤتمر القادم، فان الأغلبية اليسارية وعمادها الكوربينيون بدون كوربين، سيحافطون على توجهات الحزب التي رسمها الزعيم، اما إذا لجأ الحزب الى وسائل أخرى خارج مؤتمره العام، وأعاد تنظيم صفوف التيار الذي يوصف باليمين البليري، فان الحزب سيشهد انشقاقا كبيرا، مركزه تيار مومينتوم الشعبوي اليساري، على غرار الشعبويات اليسارية الجديدة في اليونان واسبانيا وإيطاليا وألمانيا.
عوامل أخرى خارجية مؤثرة ستحدد اتجاهات الحزب في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها نجاح او اخفاق زعيم المحافظين في تنفيذ وعوده الانتخابية والتي فاز على أساسها.

امام بوريس جونسون مفاوضات عسيرة قد تستمر لعامين او يزيد، لتصفية تركة علاقة امتدت لنحو نصف قرن مع الجوار الأوروبي. ويتوقع مراقبون أن يضطر في كل الأحوال الى كسر العديد من بنود وعوده الانتخابية، سواء باتفاق أو بدونه مع بروكسيل. ومن اهم ما يرتبط بذلك هو سؤال الوحدة الدستورية للمملكة المتحدة، حيث ان استفتاء جديدا على استقلال اسكتلندا يلوح بالأفق، الأمر الذي قد يفتح شهية القوميين في شمال ايرلندا وويلز للقيام بنفس الخطوة حيث ان البقاء في الاتحاد مع المملكة المتحدة لم يعد جذابا بعد الخروج من الاتحاد الاوروبي. ولعل نتائج هذا الصراع القادم لن يؤثر على مستقبل جونسون والمحافظين وحسب وانما سيطال ايضا كل الخارطة الحزبية البريطانية وفي مقدمتها حزب العمال.

الحاسم في مستقبل الحزب وصراعاته الداخلية في مرحلة ما بعد كوربين ، يتحدد في الطريقة التي سيعالج بها الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ، فعندما يسحب هذا الملف من جدول الاعمال القومي ، ستفتح على البلاد برمتها أسئلة صعبة حول اتجاهات بريطانيا المستقبلية السياسية والاقتصادية ، وسيكون حزب العمال مطالبا بإعادة صياغة تدريجية لبرامجه وهويته الاجتماعية. فالتقديرات تشير الى ان بريطانيا ستواجه ازمة اقتصادية صعبة في المدى المتوسط، مع ترجيح ازمة ركود اقتصادي كبير وحروب تجارية، والضرر الأكبر سيلحق بالطبقات العمالية والمتوسطة، لجهة ارتفاع معدلات البطالة والفقر وخسارات كبرى لقطاعات الاعمال الصغيرة والمتوسطة وتضاؤل فرص الاستثمارات الخارجية.
والاسئلة الكبرى التي ستواجه حزب العمال في قادم الأيام، هل يستمر في طرح برنامج جيرمي كوربين اليساري الراديكالي، ام يعيد بوصلة الحزب الى مواقع تيار الوسط وبالتالي مخاطبة مصالح وهموم الرأسمالية البريطانية التقليدية والفئات العليا من الطبقة المتوسطة ذات التأثير الكبير في السياسة والثقافة والاعلام، كيف سيعيد توحيد البلاد المنقسمة على ذاتها في موضوع الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأخيرا، ما هو موقع الحزب من تصاعد متزايد للشعبوية اليمنية واليسارية محليا وعالميا، والتي توجه سهامها نحو المؤسسات السياسية والدستورية، وتستهتر بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان والعولمة. تلك أسئلة حاول البرنامج الانتخابي لحزب كوربين الإجابة عليها، لكنها وقعت على اذان شعبية صماء، بعد ان سيطر موضوع البريكسيت على المشهد السياسي برمته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.