النزاع الروسي الإيراني في سوريا: لا كسر عظم في المدى المنظور

حروب بلا رصاص: الحمائية بداية المعركة بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين
يونيو 19, 2018
الانتخابات التركية: شكوك متزايدة حول الحسم لأردوغان وتحالفه
يونيو 21, 2018

النزاع الروسي الإيراني في سوريا: لا كسر عظم في المدى المنظور

المصدر: من الانترنت

مركز التقدم العربى للسياسات*

فتح  الخلاف الروسي الايراني حول التواجد العسكري على الحدود السورية اللبنانية مؤخرا ، باب التكهنات حول حجم التباين  بين البلدين في سوريا، سيما وأن الحادث الأخير أتى بعد أقل من شهر من تصريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين طالب فيه جميع القوات الأجنبية بالخروج من سوريا، ليفسر التصريح لاحقا مبعوثه إلى سوريا الكسندر لافرنتيف بأن المقصود ، هو جميع القوات ،باستثناء قوات بلاده والإسرائيليين؛ وهو ما استدعى ردة فعل غاضبة من طهران نددت بالطلب الروسي وأكدت أن قواتها باقية في سوريا وان وجودها جاء بطلب من الحكومة الشرعية . مراقبون أشاروا ان الخلاف التكتيكي  بين البلدين ليس جديدا ، فقد صمتت موسكو  عن الضربات الإسرائيلية المتكررة لقواعد إيران وميليشياتها  في سوريا، ولم يعد سرا ممارسة موسكو ضغوطا على الأسد لحل القوات الرديفة التي تدين معظمها بالولاء لطهران بشكل مباشر، بالإضافة للخلاف الذي طرأ حول مدينة درعا وريفها بعد مطالبة ايران وحلفائها بالانسحاب من الجنوب والابتعاد عن الحدود الاسرائيلية لأكثر من ٣٠ كم نتيجة تفاهم روسي اسرائيلي، وهو الأمر الذي رفضت طهران تنفيذه.

خلفية:

شهدت العلاقات بين  الإمبراطوريتين الروسية والفارسية توترا  دائما في مراحل تاريخية مختلفة ، ودخلتا في سلسلة من الحروب بين القرنين السابع والتاسع عشر، واحتلت  روسيا أجزاء واسعة من إيران خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن تنسحب منها لاحقا، وبعد قيام الثورة الايرانية في العام ١٩٧٩ ، اتسمت العلاقات بين البلدين بالبرود بعد انتقاد القيادة الايرانية الجديدة جارتها ”الملحدة“، لكن استمرار الصراع مع الشيطان الأكبر والمقصود هنا الولايات المتحدة ، فتح الباب لتطبيع محدود للعلاقات على الرغم من أن إيران دعمت لاحقا الحركات المناهضة الاجتياح السوفيتي في أفغانستان، كما أن موسكو كانت أحد أهم موردي الأسلحة لنظام صدام حسين خلال الحرب العراقية الايرانية، ومع مطلع التسعينات  وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تحسنت العلاقات بين البلدين وقامت موسكو بإنشاء مفاعل نووي مدني  في بوشهر بالإضافة لتحسن التعاون التجاري والعسكري، سيما مع الرغبة المتنامية لدى طهران في رفد مخزونها العسكري ودفاعاتها الجوية أمام التهديدات الأمريكية والاسرائيلية المتنامية، لكن هذا التقارب بقي أبعد من أن يشكل حالة تحالف استراتيجي بين البلدين، بل كانت العلاقة  اقرب الى التوافق والافتراق في ذات الوقت ، تفرضه عوامل وضرورات الواقع المحدد وتقاطع المصالح في مواجهة المحور الغربي وحلف شمال الأطلسي ،ولكنها تتحول حينا اخر الى ورقة مساوة روسية في مفاوضاتها مع الغرب، فقد دعمت موسكو في العام ٢٠٠٦ قرارا في مجلس الأمن لفرض مزيد من العقوبات على ايران بسبب برنامجها النووي، وفي الوقت الراهن حصل تباين وتوتر في العلاقات بين البلدين في اليمن على خلفية اغتيال الحوثيين للرئيس السابق علي عبدالله صالح الأمر الذي ردت عليه موسكو بإقامة خطوط اتصال أمتن مع كل من السعودية والامارات ودعمت سياساتهما في اليمن ضد حلفاء طهران، كما أن روسيا بقيت حريصة على أن لا تشكل تحالفا عميقا مع ايران يجعلها في عداء مع المكون السني في المنطقة وهو ما قد ينعكس سلبا على امنها القومي ، كما أن روسيا لاتزال تنظر بعين الريبة للدور الايراني في أفغانستان وعلاقاتها مع القاعدة وطالبان ، الامر الذي يعرقل مساعي موسكو للتوصل الى حل سياسي عاجل للازمة ، فطهران تستخدم الورقة الأفغانية كغيرها من الملفات الإقليمية ، للضغط على واشنطن ولتأمين مصالحها القومية دون مراعاة لمصالح واعتبارات الحليف الروسي .

تحدي النفوذ الأمريكي في سوريا:

تمثل الجغرافيا السورية نقطة تقاطع جوهرية في سلم المصالح والتوافقات الروسية الايرانية ،كلاهما يملك حسابا مفتوحا لصراع المصالح والنفوذ مع الولايات المتحدة  ،فيما يشبه التخادم المتبادل في استغلال الورقة السورية كل بطريقته الخاصة ، فهما يتفقان لضمان مصالحهما الاستراتيجية على ضرورة الحفاظ على النظام في سوريا ، ولكنهما يختلفان في حساب المغانم والصفقات الاقتصادية وسطوة النفوذ على الجيش والسلطة في البلاد وعلى اليات ووسائل تحقيق الأهداف والتوافقات المشتركة ، ففي حين تشتغل روسيا على سلسلة من الهدن والمصالحات الداخلية المدعومة اقليميا ( تركيا ، إسرائيل ، الأردن ) ترى طهران بان الحل العسكري هو الوسيلة الوحيدة لهزيمة الإرهاب والمعارضة السورية . كما أن التدخل الروسي جاء بعد نحو خمس سنوات من حرب استنزاف تعرضت لها ايران في سوريا، وشكل عملية انتشال لإيران من مستنقع كاد يغرقها بعد أن تقلصت المساحة التي يسيطر عليها النظام لنحو ٢٠ بالمئة من الأرض .

واذا كانت موسكو ترمي من الصراع على الورقة السورية اجبار الولايات المتحدة على الاعتراف بها كلاعب دولي واقليمي رئيس في معادلة النظام الدولي فان طهران تستفيد من الورقة السورية في صراعها لتامين مكانتها ومشروعها النووي وكذا في تسويق شعاراتها الشعبوية حول الصراع مع إسرائيل ، كيف لا وقت باتت قواتها على الحدود مع دولة الكيان الإسرائيلي . في هذا الاطار تسمح  إيران لروسيا باستخدام قاعدتها الجوية في همدان ”شهيد نوزه“ رغم حساسية هذا البلد للتواجد الأجنبي على أراضيه، كما ان روسيا تحولت الى وسيط بيم ايران واسراسيل لمنع تطور المواجهات المحدودة الى حرب شاملة .

شكلت استراتيجية الانكفاء الأمريكية في سوريا في عهد أوباما الفرصة الذهبية لروسيا لسد الفراغ وإستعادة مكانتها الدولية، كقوة عظمى مجددا بعد انهيار النظام السوفييتي ، ومن البوابة السورية وعلى خلفية الارتباك الأمريكي ، عملت روسيا على تحقيق احلامها التاريخية في الوصول الى المياه الدافئة ، والتي تطورت لتشمل قواعد جوية ثابتة ،اضافة لقواعدها البحرية  في اللاذقية وطرطوس . اما الايراني فقد وجد في التردد الأمريكي فرصة جديدة لتعزيز مناطق النفوذ والمساومة من دمشق إضافة لعواصم أخرى هي بيروت وصنعاء وبغداد فالتمدد العسكري في المنطقة العربية بات احد اهم الاذرع  الدبلوماسية للتفاوض على ملفات أخرى ، وصولا الى هلال شيعي يمتد من طهران الى بيروت .

الخلافات الروسية الإيرانية:

حالة الانسجام في الملف السوري لم تتطور لمرحلة تطابق شامل في الرؤى، فمنذ بداية التدخل الروسي في سوريا حرصت موسكو على اظهار أن دعمها مشروط ومحدد وليس مطلقا، هذا التوجه ظهر مع ادارة روسيا للعمليات العسكرية عبر مستشاريها، وحرصها على الانفراد بتوجيه دفة المعارك ، ووجهت رسائل قاسية حين كشفت ظهر حليفيها السوري والإيراني ، حينما اشتغلا بمفردهما ووفق حساباتهما الخاصة ، ظهر ذلك جليا  في خان طومان حين امتنعت المقاتلات الروسية عن تغطية تقدم للقوات الايرانية في تلك المنطقة، ما أدى لمقتل نحو ١٣ قياديا وعنصرا من الحرس الثوري الإيراني، كما جاء إعلان الرئيس الروسي أنه بصدد سحب قواته العسكرية من سوريا، في الوقت الذي كان فيه  نظام بشار الأسد يحقق  تقدما وسيطرة على مناطق جديدة في البلاد ، وهو الأمر الذي تم تفسيره على أن روسيا معنية بالدرجة الأولى بحماية مصالحها وقواعدها وإبعاد الخطر عنهما، وهي غير معنية بتقديم الدعم المطلق للنظام لاستعادة السيطرة على كافة الأراضي السورية، حيث يرجح خبراء أن التدخل الروسي كان بهدف اعادة تأهيل النظام وابعاد شبح السقوط عنه أو انهيار الدولة، ومنحه القوة في أية مفاوضات مستقبلية مع المعارضة أو حلفاء واشنطن، وهو ما لا يطابق الرغبة الايرانية ببسط سيطرة الأسد على كافة الأراضي السورية دون تنازلات او اصلاحات جدية في بنية النظام . بينما لا يزال مستقبل الأسد نفسه يشكل نقطة خلاف بين كل من موسكو وطهران، حيث ترى الأخيرة وجوب بقائه لأجل غير مسمى، تشدد روسيا أنها معنية ببقاء الدولة ومؤسساتها وإتمام العملية السياسية في سوريا والدفع باتجاه انتقال وإصلاح سياسي في البلاد، في حين تصر طهران على مفهومها لإنقاذ النظام بالمساواة بين الدولة وبشار الأسد شخصيا . ويظهر التباين واضحا في المصالح حينما يفتح الملف الاقتصادي ، تشير المصادر الى قيام موسكو بإجبار النظام على توقيع اتفاقيات في مجالات الطاقة والفوسفات والاسمنت منحت على أثرها الشركات الروسية حصرية الاستثمار في تلك القطاعات، وهو ما شكل ضربة لإيران التي كانت تعول على منحها استثمارات في هذه المجالات تحديدا وقد وقعت عقودا على ذلك بالأحرف الاولى ، وتقول  بعض المصادر ان  الحكومة السورية تراجعت  عن بعض الاتفاقيات الأولية التي كانت قد صاغتها مع شركات ايرانية للاستثمار في سوريا، وحولت تلك العقود لصالح شركات روسية.

ملف الجنوب:

مع بدء النظام حشد قواته على أطراف محافظة درعا، معلنا نيته استعادة السيطرة تلك المنطقة ، دق ناقوس الخطر في تل أبيب وعمان اللتان تخشيان عودة النظام مصحوبا بالإيرانيين وميليشياتهم التابعة إلى الحدود مع الجولان المحتل والحدود الاردنية، خرجت بعدها تسريبات تحدثت عن صفقة بين إسرائيل وروسيا تنص على ابعاد الإيرانيين نحو ثلاثين كيلومترا عن الحدود ، وعزت مصادر أن الدعوات الروسية بخروج الايرانيين من المنطقة جاءت بعد اتفاق  تم بين نتنياهو وبوتين، لكن لا يبدو في الأفق ما يشير الى ان الامور قد تصل الى مرحلة الصدام بسبب ملف مدينة درعا ، ولا يبدو في الأفق أيضا ما يشير الى قبول ايران فكرة الانسحاب أو التخلي عن مناطق تموضعها الى الحدود مع الجولان المحتل، سيما وأن الحرب السورية كلفت طهران  نحو ٣٠ مليار دولار وأكثر من ٢٠٠٠ قتيل بحسب المصادر الرسمية المعلنة ، وهو ما يعني أن أي حديث عن انسحاب إيراني في المدى القريب أو المتوسط هو خيار انتحار سياسي، سيما وأن إيران هي من تملك النفوذ على الأرض على عكس الروس الذين اقتصر تدخلهم على الجو ولا تواجد يذكر لقواتهم على الأرض، وحين حاولت موسكو مؤخرا نشر بعض القوات  في مناطق تواجد الايرانيين على الحدود السورية اللبنانية، جوبهت بردة فعل عنيفة من قبل حلفاء طهران حزب الله  أجبرتهم على الانسحاب.

الخلاصة

ترى المصادر المختلفة ان الولايات المتحدة تظل العامل الحاسم في تحديد  شكل ومستوى العلاقة الروسية الايرانية على الأرض السورية ، فكلا الطرفين يستخدمان الورقة السورية لتحسين شروطهما في العلاقة مع واشنطن ، وكل له قائمة طلبات تتصل بأبعاد إقليمية ودولية . وحتى اللحظة لم تقدم واشنطن على تلبية اشتراطات موسكو وطهران ، وهي تنتظر انتهاء الترتيبات الروسية المتفردة في مواجهة بقايا داعش والقاعدة وتثبيت وقف اطلاق النار وضبط النفوذ الايراني امتداداته ، وتكتفي بتدخل بين الفينة والأخرى ، لإعادة الخروج الروسي عن قواعد اللعبة الى المسار الصحيح ،عبر الضربات العسكرية المباشرة او غض الطرف عن الضربات الجوية الإسرائيلية للمواقع الايرانية وحزب الله على الأرض السورية . والثابت حتى اللحظة ان الولايات المتحدة أعطت إشارات واضحة بالاعتراف بالدور الروسي في سوريا وبقواعد بحرية ثابتة في المياه الدافئة على البحر المتوسط ، لكنها لن تقدم على دفع الثمن وتنازلات في ملفات دولية أخرى مثل الازمة الاكرانية وجزيرة القرم والنفوذ والهيمنة الروسية على دول الاتحاد السوفييتي السابق ، في الجانب الاخر ،من الواضح ان الإدارة الامريكية الجديدة  لا تقبل بأية مساومة مع الوجود الايراني العسكري في سوريا وعلى الحدود مع إسرائيل والأردن ، وهو موقف لا يحتمل التنازل او المناورة بملفات إقليمية أخرى ( في العراق ولبنان واليمن)، وبالنسبة لطهران ليس امامها فرص للمناورة ، فإما الخسارة الكاملة او الربح الكامل .وهي استراتيجية لا يمكن للروسي ان يحتملها   او يدافع عنها، لان الهدف النهائي من وراء الإمساك بالورقة السورية هو الاعتراف بدوره المقرر في السياسة الدولية والنظام العالمي الذي تنفرد واشنطن في قيادته منذ انهيار المنظومة السوفييتية. وحتى ذلك الحين ستبقى الخلافات والتباينات بين طهران وموسكو على نار هادئة دون الوصول الى مرحلة الصدام  .