فشل العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر – دروس استراتيجية وحقائق مرة

ورقة سياسات:

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات

خلاصة تنفيذية:

تُحلل هذه الورقة فشل العقيدة الأمنية الإسرائيلية في أعقاب عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، مع التركيز على التحول الاستراتيجي الكارثي من “إدارة الصراع” إلى “نظرية الإبادة والتحول الشامل”. حيث تشير إلى أن إسرائيل، بدلاً من تحقيق نصر حاسم، وقعت في فخ حروب استنزاف متعددة الجبهات (غزة، لبنان، إيران)، مما أدى إلى تآكل ردعها، وعزلها دولياً، وتحويلها من شريك إقليمي محتمل إلى مصدر تهديد في نظر العديد من الدول العربية. تؤكد الورقة أن الادعاءات بـ”الإنجازات التاريخية” تخفي واقعاً استراتيجياً مأساوياً يتمثل في غياب رؤية سياسية ختامية، واعتماد مفرط على القوة الغاشمة على حساب الشرعية والدبلوماسية. الخلاصة المركزية: لقد انتهى عصر الإفلات من العقاب المُدار، وعلى صناع القرار الغربيين والإقليميين قراءة التحولات بعيداً عن الخطاب الدعائي.

المقدمة:

خصص الأدب التحليلي الغربي اهتماماً كبيراً لتداعيات الهجوم الذي قادته حركة حماس في السابع من أكتوبر على العقيدة الأمنية الإسرائيلية. ومن بين المساهمات الأكثر عمقاً في هذا النقاش، مقالة للبروفيسور مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، والتي نُشرت في مجلة “فورين بوليسي”. في هذه الورقة، يقرأ مركز تقدم للسياسات بشكل نقدي في حجج لينش وإطاراته التحليلية، ليقدم رؤية معمقة لفشل الاستراتيجية الإسرائيلية.

مع سريان وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران في 11 أبريل، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقطع فيديو يعلن فيه “إنجازات تاريخية” لاستراتيجيته الحربية. ومع ذلك، يقرأ المراقبون المحليون والدوليون المشهد بشكل مختلف تماماً. فالضربة الإسرائيلية المميتة التي استهدفت وسط بيروت في 8 أبريل، والتي وصفها الجمهور اللبناني المصدوم بـ”الأربعاء الدامي”- جاءت بتحدٍ صريح لاتفاق الهدنة ذاته. وعلى امتداد الطيف السياسي الإسرائيلي، تعمقت مشاعر الإحباط والتعب من الحرب، تغذيها حرب لا تبدو أنها تحقق نصراً حقيقياً ولا أماناً حقيقياً، ويعتقد الكثيرون أنها تخدم بقاء نتنياهو السياسي أكثر مما تخدم المصالح الاستراتيجية للبلاد.

التحليل:

1. من إدارة الصراع إلى التحول الشامل – القطف بدلاً من جز العشب-:

قبل السابع من أكتوبر، انطلقت إسرائيل في فرضية استراتيجية أساسية مقتضاها أنه يمكن إدارة الصراعات من خلال حملات عسكرية دورية وعالية الكثافة – وهو ما يسميه الاستراتيجيون “جز العشب” – والتي من شأنها إضعاف خصوم مثل حماس وحزب الله بشكل دوري مع تعزيز الردع. كانت هذه العمليات، في جوهرها، عمليات ذاتية الأهداف: مصممة لإلحاق أقصى ضرر ضمن إطار زمني محدد مع تجنب التصعيد الواسع.

هاجم السابع من أكتوبر هذا الافتراض. فالتقدير بأن حماس وحزب الله سيمتنعان عن الاستفزازات الوجودية للحفاظ على سلطتهما انهارت بين ليلة وضحاها. ما حل محلها كان عقيدة “الإبادة بدلاً من الإدارة”. لم تكتف إسرائيل بإضعاف أعدائها، بل سعت إلى تدميرهم، ممتدة من غزة إلى لبنان وإيران. ولم تقتصر هذه الطموحات على الهيمنة العسكرية، بل شملت إعادة ترتيب البنية الإقليمية ذاتها. فالقضاء على إيران وحلفائها سيفتح الباب أمام شرق أوسط جديد، يقوم على الهيمنة الإسرائيلية غير المتنازع عليها، ويعمل على توسيع اتفاقيات إبراهيم لتصبح هيكلاً أمنياً دائماً يشمل معظم الدول العربية بشروط إسرائيلية. وفي هذه الرؤية، سيتم إزالة قضية فلسطين بشكل دائم من جدول الأعمال.

2. رؤية بين الأنقاض: أين ذهبت القوة؟

لم تعد تلك الثقة قائمة. فقد أثبتت إسرائيل عدم قدرتها على فرض إرادتها على لبنان، حيث فاقت مرونة حزب الله بكثير ما توقعه مخططوها. وفشل الحملة الجوية الشاملة ضد إيران – حتى بالمشاركة الأمريكية – في إسقاط النظام أو تقويض قدرته على المقاومة بشكل ذي معنى. كما أن الضربات الإيرانية، المدعومة بترسانة حزب الله التي كانت أقوى بكثير مما اعترفت به التقديرات الإسرائيلية، دفعت أنظمة الدفاع الصاروخي إلى أقصى حدودها وألحقت خسائر كبيرة في الأرواح والأضرار الاقتصادية.

اليوم، تجد إسرائيل نفسها مضطرة للعودة إلى “إدارة الصراع” – أي جز العشب مرة أخرى – ولكن بمستويات تدمير أعلى بما لا يقاس، وبدون مسار ذي مصداقية للحل الدائم الذي وعدت به عقيدتها الجديدة. التكاليف الآن أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل، بطرق يبدو أن صناع القرار الإسرائيليين بطيئون في الاعتراف بها.

3. أزمة الشرعية والعزلة الدولية:

إن طريقة إدارة الحرب في غزة حولت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي والأمريكي ضد إسرائيل. وخلصت العديد من الدول العربية إلى أن التدخلية العسكرية الإسرائيلية تمثل تهديداً استراتيجياً وليست شراكة يمكن تنميتها. والافتراض بأن إظهار القوة الغاشمة سيجعل إسرائيل شريكاً إقليمياً أكثر جاذبية قد أساء قراءة كيفية إدراك هذه القوة – لا تجلب الامن الدائم، بل كمزعزعة للاستقرار وغير متوقعة.

كما فشلت إسرائيل باستمرار في التعامل مع مسألة الشرعية. فلم تقدم رؤية إيجابية، ولا هدفاً مشتركاً، ولا تنازلات ذات معنى قد تمنح القادة العرب الغطاء الداخلي اللازم لتبرير تعاون أعمق. وبدلاً من ذلك، فإن تسارع وتيرة الضم في الضفة الغربية جعل هذا الاحتمال أكثر صعوبة مع كل شهر يمر.

– الخلاصات والدروس المستفادة :

الخلاصة الأولى : الدرس المستفاد من المسار الاستراتيجي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر ليس، في جوهره، درساً حول القدرات العسكرية. إذ لا تزال إسرائيل تمتلك قوة هائلة. الدرس هو حول العواقب الكارثية للخلط بين، التفوق التكتيكي والحكمة الاستراتيجية.

الخلاصة الثانية (مخاطر الأيديولوجيا الجامدة): ما حدث في السنوات التي تلت أكتوبر 2023 هو دراسة حالة حول مخاطر السياسة المبنية على افتراضات أيديولوجية جامدة، ووهم الإفلات من العقاب الدائم، والاعتقاد بأن القوة الكافية يمكن أن تحل محل الشرعية والدبلوماسية والرؤية السياسية المتماسكة. تم اختبار كل من هذه الافتراضات ميدانياً ووجدت ناقصة، وبتكلفة هائلة على جميع الأطراف، وبشكل أكثر حدة على السكان المدنيين في جميع أنحاء المنطقة.

الخلاصة الثالثة (دور المراقبين الدوليين): بالنسبة لصانعي السياسات والمحللين الاستراتيجيين الذين يراقبون هذه الأحداث، فإن الضرورة واضحة: يجب إخضاع الروايات السطحية حول القوة والردع والإنجازات العسكرية للتدقيق الصارم. وراء لغة نتنياهو عن “الانتصارات التاريخية” تكمن أرضية استراتيجية من التشابك المتزايد، والتحالفات المستنزفة، والأهداف التي لا تزال بعيدة كما كانت دائماً. نادراً ما كانت الفجوة بين النجاح المعلن والواقع التشغيلي أوسع، والأجيال القادمة ستدفع ثمن السماح لهذه الفجوة بأن تبقى دون فحص، في واشنطن، وفي العواصم الأوروبية، وفي العواصم الإقليمية على حد سواء.

الخلاصة الرابعة (أهمية قراءة الحقائق لا الخطاب): إن فهم ما يحدث بالفعل من الناحية الاستراتيجية – بدلاً من ما يدعي القادة أنه يحدث، لم يكن أكثر أهمية من أي وقت مضى. إن هندسة الأمن في الشرق الأوسط، ومسار المفاوضات النووية الإيرانية، ومستقبل القضية الفلسطينية، واستقرار دول من لبنان إلى الخليج، كلها معلقة في الميزان. أولئك الذين يبحرون بمنطق خطاب الأطراف المتحاربة بدلاً من الديناميكيات الأساسية للصراع يخاطرون بأن يصبحوا شركاء غير مقصودين في إدامته.

الخلاصة الخامسة (نهاية عصر الإفلات): لقد انتهى عصر الإفلات من العقاب المُدار. ما سيأتي بعد ذلك يعتمد، إلى حد كبير، على ما إذا كان أولئك الذين يملكون القدرة على تشكيل الأحداث على استعداد للرؤية بوضوح.

الخلاصة السادسة (التأثير على العلاقات العربية): في العلاقات الإقليمية، فإن النظرة إلى التدخلية العسكرية الإسرائيلية دفعت العديد من الدول العربية إلى اعتبار إسرائيل “تهديداً” بدلاً من شريك. وهذا يتطلب إعادة تقييم جذرية لفرضيات التطبيع، حيث لم تعد القوة الإسرائيلية عامل جذب، بل أصبحت مصدراً للنفور وعدم الاستقرار.

ختام الورقة: إن العقيدة التي قامت على فرضية “تغيير الواقع بالقوة المطلقة” قد فشلت ليس لأن إسرائيل ضعيفة، ولكن لأنها أساءت فهم طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين. القوة دون شرعية، ودون هدف سياسي، ودون فهم للقيود الأخلاقية والتشغيلية، تتحول إلى عبء استراتيجي. على صناع القرار في المنطقة والعالم أن يدركوا أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الخصوم، بل على أسس التسويات السياسية المقبولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.