وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران: قراءة في التداعيات الاستراتيجية

حمزة علي | مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم: في 7 أبريل 2026، أعلنت الولايات المتحدة وإيران وقفاً لإطلاق النار، قبيل مهلة كان قد حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد تهديدات بـ”قصف إيران وإعادتها إلى العصور الحجرية”. جاء الاتفاق بوساطة باكستان، واعتبره كل من واشنطن وطهران انتصاراً، فيما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الاتفاق لا يشمل العمليات الإسرائيلية في لبنان.

يتفق عدد من الخبراء والمحللين الغربيين على أنه لا يوجد منتصر واضح في هذه الحرب، لكن هناك خاسرين واضحين. تشير قراءات تحليلية في صحف ومجلات غربية رئيسية إلى أن أكثر الأطراف إعلاناً للنجاح هي الأكثر تضرراً. بالنسبة للولايات المتحدة، أدت الحرب إلى تآكل مصداقيتها الإقليمية وإضعاف تحالفاتها وفرض التفاوض مع خصم لم تستطع كسره. أما إيران، فعلى الرغم من الأضرار الكبيرة، خرجت بنتيجة أقرب إلى تثبيت الشرعية وتحسين موقعها التفاوضي. لكن الأسئلة الأكثر حدة تتجمع حول نتنياهو، الذي خاض الحرب دون تحقيق أهدافه، وبتكلفة باهظة، في وقت تُستبعد فيه إسرائيل من طاولة التفاوض.

التحليل:

أولاً: المصداقية الأمريكية والمكانة الاستراتيجية:

تناولت صحيفة نيويورك تايمز في 9 أبريل أثر الحرب على مصداقية الولايات المتحدة، وطرحت سؤالاً جوهرياً عما إذا كانت هذه اللحظة تمثل “لحظة السويس” الأمريكية، أي بداية تراجع قوة دولية كبرى. قال وزير الدولة البرتغالي الأسبق للشؤون الأوروبية إن “أسطورة أمريكا بوصفها قوة مطلقة تُعد عنصراً أساسياً في الهيمنة العالمية، لكن هذا الاعتقاد بدأ يتلاشى”. رأى باحث بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن “الأساس الاستراتيجي للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة تلقى ضربة كبيرة”. فقد اعتبر تشارلز كوبتشان أن الحرب واتفاق وقف إطلاق النار أضعفا النفوذ الأمريكي وأثرا على نظرة الحلفاء لموثوقية واشنطن. أما فرانسيس فوكوياما فقد لخص المشهد بقوله: “لم يسبق أن كانت الولايات المتحدة موضع شك بهذا القدر، سواء لدى حلفائها أو خصومها”.

من جهتها، رأت صحيفة فاينانشال تايمز أن المبررات التي تُسوّق لنجاح واشنطن تبدو واهية. فترامب سيحاول الادعاء بأن سياسة حافة الهاوية أدت إلى إعادة فتح المضيق. غير أن الواقع هو أن المضيق كان يعمل بسلاسة قبل اندلاع الحرب. بعبارة أخرى، أشعلت الإدارة الأمريكية أزمة، ثم احتفلت بحلها. أما صحيفة الغارديان فاعتبرت أن الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة ستكون طويلة الأمد، وأن الحرب كشفت إخفاقات بنيوية: إنفاق عشرات المليارات، استنزاف منظومات الدفاع، وتدهور العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، فضلاً عن تأثيرات داخلية.

في ضوء هذه القراءات المتقاطعة، يمكن تشخيص أزمة المصداقية الأمريكية على مستويين: الأول، فشل الردع، فالتهديدات المتكررة لم تُترجم إلى نتائج ميدانية حاسمة، ما يُضعف قدرة واشنطن على استخدام التهديد كأداة سياسية مستقبلاً. الثاني، تآكل الثقة مع الحلفاء، لان الطريقة التي أُديرت بها الأزمة (تصعيد مفاجئ – ضغط على الحلفاء – تراجع دون تشاور) تُعيد إنتاج نمط من “الأحادية الأمريكية” الذي كان يُعتقد أنه انتهى بعد حقبة بوش الابن.

الأخطر إقليمياً هو أن دول الخليج، التي وثقت بالمظلة الأمريكية وتحملت الكلفة الأكبر لهذه الحرب تسلحاً واستثماراً في الولايات المتحدة، باتت تواجه سؤالاً حرجاً: إذا لم تستطع واشنطن كسر إيران عسكرياً بعد حشد أكبر قوة في المنطقة، فهل يمكنها حمايتنا فعلياً عند الحاجة؟ والاستهداف الإيراني للبنية التحتية النفطية والاقتصادية لدول الخليج لم يُقابَل بردع أمريكي حقيقي، ما أظهر فجوة واسعة بين الالتزامات الأمنية المعلنة والقدرة، أو الرغبة الفعلية على توفير الحماية. هذا التآكل في المصداقية لا يقتصر على المنطقة، بل يمتد إلى الحلفاء التقليديين في أوروبا وآسيا، الذين باتوا يعيدون حساباتهم الاستراتيجية في ضوء ما شهدوه.

ثانياً: إيران: متضررة لكنها صامدة:

يرى محللون أن إيران خرجت من الحرب متضررة لكنها صامدة. أشارت صحيفة التايمز إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار يمنح إيران دوراً غير مسبوق بوصفها جهة تتحكم فعلياً بمرور النفط عبر أهم ممر مائي عالمي. هذا الدور، الذي كان يُعتبر تهديداً يجب القضاء عليه، بات الآن واقعاً معترفاً به ضمنياً. فالصراع لم يُفضِ إلى انتصار أمريكي حاسم، بل ترك واشنطن أمام خصم متماسك ومسار تفاوضي أكثر تعقيداً. ستدخل طهران المفاوضات في إسلام آباد بعد أن أثبتت قدرتها على الصمود، وهو ما يمنحها رأسمال سياسياً ومعنوياً كبيراً.

أكدت فاينانشال تايمز أن الشروط التفاوضية التي كانت ستُرفض قبل الحرب أصبحت الآن مطروحة للنقاش، رغم أن واشنطن طالبت باستسلام غير مشروط. وخلص أحد الأكاديميين إلى أن “إيران لم تنهَر، بل أثبتت قدرتها على تعطيل أسواق الطاقة وامتصاص الضربات وفرض التفاوض بشروطها”. هذا التحول من “الاستسلام غير المشروط” إلى “التفاوض بشروط” يمثل انتصاراً استراتيجياً لطهران، مهما كانت الخسائر المادية.

لكن هذه القراءات، رغم دقتها، قد تُبالغ في تقدير “الانتصار الإيراني”. فالصمود العسكري شيء، والقدرة على ترجمته إلى مكاسب سياسية دائمة شيء آخر. ثلاثة قيود ستواجه طهران على طاولة المفاوضات:

أولاً، الأضرار الجسيمة في البنية التحتية النووية والصاروخية تعني أن إعادة البناء تحتاج سنوات وموارد هائلة تفتقر إليها إيران في ظل العقوبات المستمرة والانهيار الاقتصادي المؤقت.

ثانياً، العزلة الإقليمية الجزئية، خاصة لبعض دول الخليج التي استُهدفت بنيتها التحتية، ستُعقد محاولات إيران لكسر الحصار الاقتصادي وستدفع هذه الدول نحو خيارات أمنية أكثر خطورة، بما فيها احتمالات إدماج إسرائيل في ترتيباتها الدفاعية.

ثالثاً، الانقسامات الداخلية المحتملة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي قد تُضعف قدرة النظام على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة في مرحلة انتقالية حساسة.

الخلاصة: إيران لم تُهزم، لكنها لم “تنتصر” بالمعنى الكامل، بل دخلت مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر. الدولة التي دخلت الحرب وهي مطالَبة بالاستسلام غير المشروط، تخرج منها وهي تفرض شروطها على طاولة التفاوض، لكن قدرتها على الحفاظ على هذا الموقع التفاوضي القوي ستعتمد على كيفية إدارتها للتحديات الداخلية والإقليمية في الأشهر المقبلة.

ثالثاً: نتنياهو وإسرائيل: الخاسر الأكبر:

كانت التقييمات المتعلقة بإسرائيل ونتنياهو من الأكثر قسوة. أشارت بي بي سي إلى أن أهداف الحرب المعلنة، إنهاء تهديد النظام الإيراني، لم تتحقق. استمرت القوات الإيرانية في القتال، وبقي النظام قائماً، رغم مقتل المرشد الأعلى. كما ظل البرنامج النووي دون حسم، واستمرت إيران في إطلاق الصواريخ. الهدف المعلن—تدمير القدرات النووية والصاروخية—لم يتحقق، والهدف الضمني- إسقاط النظام- فشل فشلاً ذريعاً.

رأت مجلة ذي إيكونوميست أن طريقة التوصل إلى وقف إطلاق النار، بوساطة باكستانية بين واشنطن وطهران مع استبعاد إسرائيل، كشفت طبيعة العلاقة: قوة عظمى ودولة تابعة. إسرائيل لن تشارك في مفاوضات إسلام آباد، ما يجعل أمنها مرهوناً بقرارات ترامب، وقد يتحول نتنياهو من شريك إلى “كبش فداء”. هذا الاستبعاد ليس تفصيلاً إجرائياً، بل إعلان واضح عن تراجع الدور الإسرائيلي. خلصت الغارديان إلى أن نتنياهو يبدو الخاسر الأكبر. فشل في إسقاط النظام الإيراني أو تحييد قدراته، ما ألحق ضرراً بمكانة إسرائيل الدولية، المتضررة أصلاً بفعل حرب غزة، وأضعف الدعم لها في الولايات المتحدة. داخلياً، يواجه نتنياهو تداعيات سياسية كبيرة في عام انتخابي، بعد أن أخفق في تحقيق وعوده بـ”النصر الكامل”.

ما تكشفه هذه القراءات في المصادر المختلفة هو تحول جوهري في معادلة القوة الإقليمية. نتنياهو راهن على الحرب لتحقيق ثلاثة أهداف متشابكة: استراتيجياً، إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل تدمير قدراته النووية والصاروخية؛ سياسياً، ضمان بقائه في السلطة من خلال “انتصار تاريخي”؛ إقليمياً، إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تحت قيادة إسرائيلية-أمريكية. الثلاثة فشلت.

الأخطر من الفشل العملياتي هو الفشل الاستراتيجي: استبعاد إسرائيل من طاولة التفاوض يعني، عملياً، أن أمنها بات مرهوناً بصفقة بين واشنطن وطهران لا تملك إسرائيل فيها صوتاً حقيقياً. هذا تحول نوعي في العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، من شراكة استراتيجية إلى علاقة تابع يُستشار ولا يُشارك في القرار. قد يُفسر هذا التحول جزئياً قرار نتنياهو شن عملية عسكرية كبرى في لبنان فور إعلان الهدنة مع إيران، محاولة يائسة لاستعادة المبادرة وإثبات أن إسرائيل لا تزال فاعلاً مستقلاً، لا مجرد تابع ينفذ أوامر واشنطن.

الخلاصات:

بناءً على ما تقدم من قراءة للتقييمات الغربية وربطها بالسياق الإقليمي، يخلص مركز تقدم للسياسات إلى:

أولاً: أن الحرب أدت إلى تآكل مصداقية الولايات المتحدة الإقليمية، وإضعاف تحالفاتها، وفرض التفاوض مع خصم لم تستطع كسره. الحديث عن “لحظة السويس الأمريكية” ليس مبالغة، بل تشخيص لتحول استراتيجي قد تكون تداعياته أعمق مما تبدو. دول الخليج، على وجه الخصوص، تواجه اليوم صدمة وعي تدفعها نحو إعادة النظر في ثنائية الاعتماد الكامل على واشنطن أو الانكشاف أمام طهران، والبحث عن خيار ثالث: استقلال أمني وعسكري حقيقي بأبعاد عربية وإسلامية.

ثانياً: أما إيران، فعلى الرغم من الأضرار الجسيمة، خرجت بتثبيت شرعية وتعزيز نفوذ وتحسين موقع تفاوضي. الدولة التي دخلت الحرب مطالَبة بالاستسلام، تخرج منها وهي تفرض شروطها. هذا التحول، بحد ذاته، انتصار استراتيجي لا يمكن إنكاره. لكن المصلحة الحقيقية لدول الخليج والمنطقة لا تكمن في إضعاف إيران أو تدميرها، بل في تحولها إلى دولة طبيعية متصالحة مع جوارها. إيران قوية ومستقرة، لكن منخرطة في علاقات طبيعية قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل، هي أكثر فائدة للمنطقة من إيران منهارة تترك فراغاً أمنياً قد تملؤه فوضى عابرة للحدود.

ثالثاً: لكن الأسئلة الأكثر حدة تتجمع حول نتنياهو، الذي خاض الحرب دون تحقيق أهدافه، وبتكلفة باهظة، في وقت تُستبعد فيه إسرائيل من طاولة التفاوض. الرهان على الحرب تحول إلى كابوس سياسي قد يكلفه السلطة، وقد يكلف إسرائيل جزءاً من مكانتها الاستراتيجية. التصعيد في لبنان بعد ساعات من الهدنة مع إيران ليس مجرد عملية عسكرية، بل ورقة يأس أخيرة لإثبات الاستقلالية واستعادة المبادرة.

رابعاً: الأهم من ذلك، أن هذه الحرب تكشف تحولاً أعمق في النظام الدولي: لم تعد القوة العسكرية الأمريكية والطموح الاستراتيجي الإسرائيلي كافيين لفرض النتائج. الافتراضات القديمة، بأن القوة تُخضع الخصوم، وأن الحلفاء يتبعون، باتت موضع مراجعة جذرية. ما كان يُعتبر بديهية في النظام الدولي القائم منذ عقود، بات اليوم موضع شك وإعادة تقييم.

خامساً: قد يكون وقف إطلاق النار قد أوقف القتال، لكنه فتح باباً لمساءلة أكثر صعوبة: مساءلة عن طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين، وعن حدود الهيمنة العسكرية، وعن مستقبل التحالفات التقليدية في عالم لم يعد يستجيب للمنطق القديم. هذه الأسئلة لن تُحسم في إسلام آباد، بل ستظل مفتوحة لسنوات قادمة، وستعيد تشكيل خريطة المنطقة والعالم بطرق لا نزال في بداية فهمها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.