وقف إطلاق النار الشامل بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية
الأبعاد السياسية والأمنية والحوكمة المحلية
مصطفى المقداد، مركز تقدّم للسياسات – دمشق
تقديم: يمثّل اتفاق وقف إطلاق النار الشامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية تطوراً نوعياً في إدارة أحد أكثر ملفات الصراع السوري تعقيداً، لا بوصفه تسوية نهائية للصراع، بل كآلية احتواء تهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة واسعة، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية أكثر قابلية لإدارة الخلافات داخل إطار الدولة.
تأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي ودولي يتسم بارتفاع منسوب القلق من إعادة إنتاج الصراعات بالوكالة، وبروز مقاربة دولية متنامية تفضّل تجميد النزاعات الساخنة وتثبيت خطوط تماس مستقرة، مقابل دفع الأطراف المحلية نحو ترتيبات حكم مرحلية قابلة للتطوير. ويرى مراقبون أن الاتفاق يعكس إدراكاً متبادلاً باستنزاف خيارات الحسم، وبأن استمرار الصدام لا يؤدي إلا إلى مراكمة كلفة أمنية وسياسية على جميع الفاعلين، بما في ذلك الدولة والمجتمعات المحلية.
ينطلق هذا التقدير من مقاربة تحليلية غير معيارية، تتعامل مع الاتفاق بوصفه عملية مفتوحة قابلة للتعثر أو التطور، تبعاً لآليات التنفيذ، وضمانات ما بعد وقف إطلاق النار، ومدى ربط المسار الأمني بمسار سياسي–إداري تدريجي.
– السياق الذي أفضى إلى الاتفاق:
تشير قراءات خبراء النزاعات إلى أن شمال شرق سوريا ظلّ لسنوات منطقة تماس مؤجَّلة، تتداخل فيها اعتبارات محلية (الهوية، الإدارة، الموارد) مع حضور دولي مباشر وغير مباشر. وقد أسهم غياب إطار وطني جامع ينظم العلاقة بين الدولة والقوى المحلية في إطالة أمد التوتر، كما فشلت جولات تفاوض سابقة بسبب غموض المواقف حول قضايا السيادة، وصيغة الإدارة المحلية، ومستقبل التشكيلات العسكرية القائمة.
يأتي الاتفاق الحالي بعد تضاؤل أدوات الضغط المتبادلة، وتزايد القناعة لدى مختلف الأطراف بأن أي احتكاك محدود قابل للتحول إلى صدام واسع ذي ارتدادات وطنية، لا سيما في ظل هشاشة الجبهات الداخلية في مناطق أخرى، وغياب قدرة فعلية لدى أي طرف على تحمّل كلفة تصعيد مفتوح.
– الدلالات السياسية للاتفاق:
يحمل اتفاق وقف إطلاق النار جملة من الدلالات السياسية العميقة التي تتجاوز بعده الأمني المباشر. فمن منظور تحليلي، يعكس الاتفاق انتقالاً تدريجياً من منطق إدارة الصراع المفتوح إلى منطق إدارة التباينات داخل الدولة، وهو تحول لا يعبّر فقط عن تبدل في أدوات التعامل، بل عن إعادة تعريف ضمنية لطبيعة الخلاف نفسه.
أولاً، يشير الاتفاق إلى اعتراف متبادل – وإن كان غير معلن – بأن مقاربة الحسم العسكري أو الإقصاء السياسي لم تعد خياراً واقعياً، وأن الحفاظ على وحدة الدولة السورية بات يمرّ عبر استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي ضمن صيغ مؤسسية مرنة، لا عبر إنكاره أو تأجيله. وفي هذا السياق، يرى باحثون في شؤون الحوكمة أن الاتفاق يفتح الباب أمام نقاش عملي حول العلاقة بين المركز والأطراف، بعيداً عن السجالات الأيديولوجية الحادة التي عطّلت هذا النقاش في مراحل سابقة.
ثانياً، يحمل الاتفاق دلالة تتعلق بإعادة تثبيت الدولة بوصفها الإطار المرجعي النهائي لإدارة الخلافات. فبدلاً من استمرار منطق المناطق الخارجة عن التسويات، يعيد الاتفاق طرح فكرة الاحتواء داخل الدولة، لا بوصفها عودة قسرية إلى المركزية، بل كمسار تفاوضي يعيد دمج المناطق تدريجياً ضمن مؤسسات وطنية جامعة. ويشير خبراء قانونيون إلى أن هذه المقاربة تتيح إمكانية تطوير صيغ إدارية وسياسية جديدة دون المساس بمبدأ السيادة.
ثالثاً، على المستوى الدولي، يعكس الترحيب الأميركي السريع بالاتفاق –ووصفه بالتاريخي– توجهاً غربياً أوسع نحو تقليص بؤر التوتر، ومنع الفراغات الأمنية التي قد تستغلها قوى متطرفة أو منافسة. ويذهب محللون غربيون إلى أن هذا الترحيب لا يعكس انحيازاً سياسياً لطرف بعينه، بقدر ما يعكس أولوية الاستقرار ومنع الانفجار، في ظل انشغال دولي بملفات عالمية أخرى، ورغبة في تخفيض كلفة الانخراط المباشر في النزاع السوري.
رابعاً، يكتسب الاتفاق بعداً سياسياً إضافياً من كونه يختبر إمكانية فصل المسار الأمني عن المسار السياسي دون القطيعة بينهما. فنجاح وقف إطلاق النار في الصمود لا يُقاس فقط بغياب الاشتباكات، بل بقدرته على خلق مناخ يسمح بفتح ملفات أكثر حساسية، مثل اللامركزية الإدارية، ومستقبل القوى العسكرية، والتمثيل السياسي المحلي، ضمن مسار تدريجي مضبوط الإيقاع.
وعليه، فإن الدلالة السياسية الأبرز للاتفاق تكمن في كونه إطاراً انتقالياً يعيد تعريف قواعد الاشتباك السياسي داخل الدولة السورية، ويؤسس –نظرياً وعملياً– لإمكانية الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الخلافات ضمن مؤسسات الدولة، لا خارجها.
– اللامركزية الإدارية في المناطق ذات الغالبية الكردية:
يُجمع خبراء الحوكمة على أن أحد مفاتيح استدامة الاتفاق يكمن في بلورة لامركزية إدارية موسّعة، تتيح للمجالس المحلية المنتخبة صلاحيات حقيقية في إدارة الخدمات والتنمية والتعليم المحلي، ضمن الدستور والقوانين الوطنية.
هذه الصيغة، إذا ما أُحسن تصميمها، لا تعني تفكيك الدولة، بل إعادة توزيع وظيفي للصلاحيات يخفف الاحتقان، ويعالج مظالم تراكمت بفعل المركزية المفرطة، مع الحفاظ على السيادة والحدود والموارد الاستراتيجية بيد الدولة. كما تشير تقديرات عسكرية–سياسية إلى أن وضع قوات قسد تحت إمرة وزارة الدفاع السورية، في مناطق انتشارها، يشكّل أحد أعقد بنود الاتفاق. السيناريو الأكثر تداولاً بين الخبراء يقوم على:
• دمج تدريجي ومنظم ضمن هياكل الجيش، مع الحفاظ على خصوصية الانتشار الجغرافي.
• إعادة تعريف المهام الأمنية ضمن عقيدة دفاع وطني موحدة.
• معالجة ملف الرتب، والتسليح، وسلاسل القيادة، ضمن مسار زمني واضح.
نجاح هذا المسار مرتبط بمدى توفر ضمانات متبادلة، وبفصل الملف الأمني عن التجاذبات السياسية قصيرة الأمد.
– البعد الوطني ومنع اتساع رقعة العنف:
تكمن الأهمية الوطنية للاتفاق في كونه سداً وقائياً أمام انتقال العنف إلى مناطق عالية الحساسية، مثل الساحل السوري ومحافظة السويداء. ويرى محللون أن نجاح نموذج الاحتواء في الشمال الشرقي قد يقدّم سابقة عملية لإدارة أزمات محلية أخرى، بعيداً عن العسكرة.
كما تكشف التجارب المتوازية أن التعامل مع كل منطقة بوصفها حالة منفصلة يفاقم الفوارق ويهدد وحدة الدولة. من هنا، يكتسب الاتفاق بعداً وطنياً يتجاوز جغرافيته، بوصفه مدخلاً لإعادة صياغة علاقة الدولة بمناطقها على أساس المواطنة المتساوية، والاحتكام إلى السياسة بدل العنف.
الخلاصات:
** بهذا الاتفاق عززت دمشق موقعها بوصفها المرجعية السيادية النهائية، وأرسلت إشارة استعداد لإدارة الخلافات عبر الأدوات السياسية والمؤسساتية بدل اللجوء إلى القوة، بما ينسجم مع هدف الحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية وتقليص بؤر التوتر.
**الاتفاق خطوة احتوائية ضرورية، لا تسوية نهائية، ونجاحه مرهون بتحويله إلى مسار سياسي–إداري متدرج.
**اللامركزية الإدارية الموسّعة تمثل ركيزة أساسية لاستدامة الاستقرار في المناطق ذات الغالبية الكردية. ويستجيب لهواجس أمنية وسياسية لديهم، وتُظهر –بحسب متابعين– استعداداً للانتقال من دور عسكري–أمني مستقل إلى دور مندمج مشروط بضمانات تتعلق بالقوات والإدارة والثقافة المجتمعية.
**للاتفاق بعد وطني يتجاوز الشمال الشرقي، ويمكن أن يشكّل نموذجاً لمعالجة أزمات الساحل والسويداء.
**المعيار الحقيقي لنجاح الاتفاق ليس إضعاف أي طرف، بل قدرته على منع العنف، وإعادة دمج المناطق ضمن دولة سورية موحدة وقادرة على إدارة تنوعها.