هيمنة أقصى اليمين الإسرائيلي على شريحة المصوتين الجدد: القراءة والسيناريوهات
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات – لندن
الملخص التنفيذي:
تشير معطيات نشرت في سبتمبر 2026 إلى أن عدد أصحاب حق الاقتراع للكنيست الإسرائيلي بلغ 6.8 مليون ناخب، بزيادة 9.4% عن انتخابات 2022، أي نحو 600 ألف ناخب جديد. ويشكل المصوتون الجدد من الفئة العمرية 18-22 نحو 8.7% من إجمالي الناخبين، أي ما يقارب 595 ألفاً، منهم 118 ألفاً من العرب الفلسطينيين. وتكشف استطلاعات الرأي عن تفوق لافت لحزب “عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن غفير في هذه الشريحة، حيث يحصل على 16% من إجمالي المصوتين الجدد، وربما يتجاوز 20% بين اليهود منهم. في المقابل، يُظهر الشباب العربي الفلسطيني (18-35) ارتفاعاً في نية المشاركة الانتخابية إلى 59%، مدفوعاً أساساً بالرغبة في إسقاط حكومة نتنياهو-بن غفير، وليس بالانتماء الأيديولوجي. وتخلص الورقة إلى أن هذه الشريحة قد تحسم الانتخابات لصالح الائتلاف الحاكم أو المعارضة، لكن الأثر الأعمق يتمثل في ترسخ ذهنية يمينية متطرفة داخل الجيش والمنظومة الأمنية والقضائية، ما يجعل تكلفة التغيير السياسي مستقبلاً أعلى بكثير.
المعطيات:
تعد الزيادة في عدد المصوتين لهذه الدورة هي الأكبر في تاريخ إسرائيل، وتعادل ترجمتها الانتخابية نحو ستة مقاعد في الكنيست من أصل 120.
وفيما يتعلق بتوجهات التصويت بين المصوتين الجدد، تبرز معطيات لافتة. فحزب “عوتسما يهوديت” بقيادة بن غفير يحظى وفق الاستطلاعات على 16% من هذه الشريحة، لكن نسبته بين اليهود منهم (477 ألفاً) قد تتجاوز 20%، أي أن واحداً من كل خمسة في جيل الشباب المبكر يؤيد هذا الحزب الكهاني. وينتمي معظم هؤلاء إلى فئات الجنود وطلبة الجامعات وطلاب المدارس الدينية والتحضيرية العسكرية التابعة لتيار الصهيونية الدينية، ومن المتوقع أن يتبوأ جزء منهم مواقع قيادية في الدولة بعد جيل. ويعزز هذا التقدير أن مدينة القدس ومستوطناتها تحتل المرتبة الأولى من المصوتين في هذا الجيل، إذ يبلغ عددهم فيها نحو ستين ألفاً مقابل عشرين ألفاً في تل أبيب، فيما تعتبر القدس المدينة الأكثر يمينية وتأييداً لأحزاب أقصى اليمين، والأكثر عنفاً عنصرياً تجاه العرب الفلسطينيين، وتشهد على ذلك نسبة الاعتداءات على سائقي حافلات النقل ومعظمهم فلسطينيون، فضلاً عن جمهور فريق “بيتار يروشاليم” المعروف بـ”لا-فاميليا” الأكثر عنفاً وتحريضاً عنصرياً. وفي المقابل، فإن نسبة التكاثر الطبيعي في هذه المدينة من الأعلى إسرائيلياً نظراً لطابع السكان المتدين.
أما تحالف سموتريتش-فيجلين، فقد وقّع رئيس الصهيونية الدينية سموتريتش اتفاقاً على كتلة مشتركة مع موشي فيجلين رئيس حزب “زيهوت” (الهوية) اليميني الكهاني، بضغط من نتنياهو وضمن مساعيه لمنع هدر أي صوت من أصوات كتلته. وتتميز شريحة الشباب المؤيدة لسموتريتش بأن أعدادها محدودة ولا تضاهي شريحة مؤيدي بن غفير، فيما ينتمي معظمهم إلى تيار الصهيونية الدينية من خلال مدارسها الدينية التي تدمج تعليم التوراة مع الروح العسكرية والتحضير للخدمة في الجيش. وعقائدياً، هم من طلائع الاستيطان الرعوي القائم على العلاقة بين التوراة والأرض، ومنهم التنظيم الإرهابي المعروف بـ”فتيان التلال”، إضافة إلى من يخدمون في الجيش. ويؤدي التحالف مع فيجلين إلى تعزيز جاذبية التحالف للشباب من جيل 18-22، خصوصاً نتيجة لمواقف فيجلين المميزة لأقصى اليمين الفوضوي والأقل تديناً، إذ يشمل هذا الجمهور الشباب العلمانيين والتقليديين والمتدينين على حد سواء، وبعضهم لا يجد مكانه في الأحزاب الدينية القائمة، لكنهم ينجذبون إلى الدمج بين التعصب اليهودي والخطاب الاقتصادي القائم على السوق الحرة ومنع تدخل الدولة، إضافة إلى حملة فيجلين منذ سنوات لقوننة نبتة القنب المخدرة التي تشكل تعبيراً عن عقيدته الاقتصادية ومصدر جذب لحزبه بين الشباب العلماني اليهودي.
وفيما يخص الشباب العربي الفلسطيني، لم تتوقف الاستطلاعات الإسرائيلية عند شريحة المصوتين الجدد فحسب، بل اعتمد معهد أفكار شريحة مختلفة وهي الشباب العرب من جيل 18 إلى 35. ووفق استطلاعات المعهد من شهر مايو 2026، يُلحظ ارتفاع في عدد المعنيين والمعنيات بالمشاركة في انتخابات الكنيست الـ26، إذ تصل النسبة إلى 59%، وقد تكبر مع اقتراب موعد الانتخابات والقلق الذي يساور هذا الجيل على مستقبله في سياق العنصرية المتوحشة والدفع نحو الهجرة وسد آفاق التطور والأمن والأمان. ومن أبرز نتائج الاستطلاع أن المواطنين العرب الشباب يستجيبون بقوة أكبر بكثير للمخاوف العملية والمباشرة مقارنة بالشعارات الأيديولوجية العامة. ويشهد هذا الجيل ظاهرة العزوف عن العمل السياسي الحزبي التقليدي، وهي ظاهرة عالمية تميز ما يطلق عليه جيل Z، يوازيها الاعتماد على أدوات التواصل ولغة التواصل القائمة على أحدث التقنيات والذكاء الاصطناعي، مقابل خطاب التحشيد المتعارف عليه في الأحزاب غير الشعبوية. ووفق الاستطلاع، فإن المحفز الأهم لدى هذا الجيل للمشاركة في الانتخابات هو الرغبة في استبدال حكومة نتنياهو-بن غفير، إذ أشار 61% منهم إلى ذلك، فيما كانت الإجابة الأكثر شيوعاً حول توقعاتهم من الأحزاب التي سيصوتون لها هي “تقديم خطة عملية لمعالجة مشاكل الشباب اليومية”، وقد أشار نحو 30% منهم إلى هذا العامل. ويشير حوالي ثلاثة من كل أربعة شباب عرب إلى أن تصاعد العنف والجريمة في المجتمع العربي، إلى جانب قضايا التوظيف وتكاليف المعيشة، هي القضايا التي ستحدد ما إذا كانوا سيذهبون إلى صناديق الاقتراع أم لا. كما يطالبون بحلول ملموسة، وهناك ارتفاع في تأييد التأثير من داخل مواقع صنع القرار، فضلاً عن رغبة في تمثيل شبابي ونسائي في الترشيحات. وجرى هذا الاستطلاع بنحو نصف عام قبل الموعد الرسمي للانتخابات، ما يتطلب استطلاعات أخرى لتوجهات هذا الجيل وكذلك لتوجهات المصوتين الجدد. كما يتطلب الأمر استطلاعات تجريها معاهد استطلاع عربية فلسطينية، من المتوقع أن تكون أكثر دقة وأمانة على الحقيقة بصدد تفسير التوجهات، إذ إن معظم مراكز الاستطلاع الإسرائيلية بما فيها الليبرالية تريد مسبقاً من العرب التوجه الاندماجي البراغماتي، وقد تلامس استنتاجاتهم الحقيقة لكنها تجيّرها من خلال تفسيرها، ما يتطلب جهة استطلاع أخرى.
التحليل:
يتسع نطاق الاستطلاعات وتتسارع مع اقتراب موعد الانتخابات للكنيست الإسرائيلي في حال لم يتم إرجاؤها بذرائع أمنية. وهذا الازدياد الملحوظ يشير إلى عدد من الأمور الجدية، منها السعي إلى استخدام الاستطلاع نفسه كأداة تأثير أو لإحباط طرف ما أو لاستنفار طرف آخر. وكثير منها استطلاعات مغرضة في جوهرها وممولة من طرف سياسي محدد لصالح حملته الانتخابية، أو تسعى إلى خلق حالة من عدم اليقين وعدم الوضوح من أجل الدفع نحو صراعات داخلية في إحدى الكتلتين. كما يتم استخدامها لأغراض عنصرية إقصائية تحذر من اعتماد المعارضة على كتلة الأصوات العربية الفلسطينية في الداخل. بينما ما تعتمده الأحزاب الكبرى حصرياً هو الاستطلاعات المتعمقة التي تنظر ليس فقط في الصورة العامة، وإنما في تفاصيل المناحي الهوياتية والجيلية والجغرافية والجهوية للمصوتين.
في هذا الصدد، تبدو الصورة قاتمة أكثر مما تشير إليه الاستطلاعات، خصوصاً إذا تمحورنا في منحى التصويت بين أصحاب الاقتراع للمرة الأولى. ففي هذه الشريحة العمرية يبرز تفوق لحزب “عوتسما يهوديت” بقيادة بن غفير.
وفي الحسابات الانتخابية، ووفقاً للتقديرات الاستطلاعية، يحصل حزب بن غفير على ما معدله نائب إلى نائبين في الكنيست، ويتعلق الأمر بنسبة التصويت العامة. أما تحالف سموتريتش-فيجلين، فيتميز بأنه يجذب شريحة شبابية أوسع، تجمع بين العلمانيين والتقليديين والمتدينين، وتستقطبهم مواقف فيجلين المميزة لأقصى اليمين الفوضوي، وخطابه الاقتصادي الليبرالي، ودعوته لقوننة القنب.
وفيما يتعلق بالشباب العربي الفلسطيني، يختلف سلوك هذا الجيل عن الأحزاب التقليدية بأنه يريد حلولاً مباشرة من منتخبي الجمهور، كما أنه يميل، خصوصاً في الفئة 18-22، إلى الحراكات الشعبية الشبابية غير الحزبية، مع روح أكثر تحدياً للشرطة الإسرائيلية وقمعها، فيما يسود الانطباع بأن هذا الجيل ينحو أكثر نحو البراغماتية السياسية. فعلياً، يسود الرأي في هذا الجيل بأن محفزهم لإسقاط حكومة نتنياهو-سموتريتش-بن غفير هو من ناحية موقف أخلاقي، وفي المقابل تعبير عن توجه براغماتي لكون هذه الحكومة تشكل خطراً وجودياً على مستقبلهم وأحلامهم وطموحاتهم.
السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول: فوز المعارضة وإسقاط الائتلاف الحاكم. يتحقق هذا السيناريو إذا نجحت المعارضة في توحيد صفوفها وضمان مشاركة عالية للشباب العربي، وإذا لم تُرجأ الانتخابات بذرائع أمنية. ويترتب عليه تغيير في السياسات الداخلية والخارجية، وتحسن نسبي في أوضاع الجماهير العربية الفلسطينية، لكنه لا يوقف ترسخ الذهنية اليمينية المتطرفة في مؤسسات الدولة، ولا يعالج الجذور العميقة للنزعة الفاشية والإبادية التي ترسخت خلال سنوات حكم الائتلاف الحالي.
السيناريو الثاني: استمرار الائتلاف الحاكم. يتحقق هذا السيناريو إذا فشلت المعارضة في حشد التأييد الكافي، أو إذا أُرجئت الانتخابات بذرائع أمنية مفتعلة. ويترتب عليه تعميق السياسات الإقصائية والعنصرية، وزيادة مخاطر التطهير العرقي في الضفة الغربية، وتوسيع دائرة الاستهدافات السياسية لتصفية قيادات عربية فلسطينية وحتى من المعارضة، إذا شعر الائتلاف باحتمال سقوطه.
السيناريو الثالث: الجمود السياسي وإرجاء الانتخابات. يتحقق هذا السيناريو إذا تصاعدت التوترات الأمنية أو الإقليمية، أو إذا تعذر تشكيل ائتلاف حاكم بعد الانتخابات. ويترتب عليه تعميق أزمة الشرعية، وتوسيع دائرة الاحتجاج، وربما انفجار داخلي، مع استمرار تآكل الثقة في العملية السياسية برمتها.
الخلاصة والتوصيات:
– التغيير السياسي في الانتخابات الإسرائيلية وارد وله حظوظ في إسقاط ائتلاف أقصى اليمين الحاكم، إلا أن جذور النزعات الفاشية والإبادية تترسخ، فالذهنية التي تميز الشباب المؤيد حصرياً لحزب بن غفير هي ذهنية مليشياتية دموية ترى من مهمتها التخلص من الوجود الفلسطيني أينما كان. والأوساط اليمينية الشابة هي أكثر تطرفاً حتى من البيئة التي نشأ فيها يغئال عمير الذي اغتال رئيس الحكومة الإسرائيلية يتسحاق رابين قبل نحو ثلاثة عقود، وهي التي تنذر باستهدافات سياسية لتصفية قيادات عربية فلسطينية وحتى من المعارضة في حال شعر الائتلاف الحاكم الحالي باحتمالية سقوطه.
– انتخابياً، فإن هذه الشريحة الإسرائيلية قد تحسم الانتخابات لصالح الائتلاف الحالي، وفي كل حال فإنها سوف تتبوأ مواقع في الجيش والمنظومة الأمنية والقضائية ومعظم منظومات الدولة لاحقاً. وتشكل المنظومة الحاكمة الأمنية والمدنية والسياسية، والاحتلال المتواصل، وحرب الإبادة على غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، والعنصرية الفاشية في الداخل، بمثابة البيئة التي تنشأ فيها هذه الشريحة. وإذا لم يتم إسقاط حكومة نتنياهو وائتلافه مع أقصى اليمين الفاشي في الانتخابات القريبة، في حال لم يتم إرجاؤها بذرائع أمنية مفتعلة، ستكون المهمة أصعب بما لا يقاس مستقبلاً، والأثمان وجودية بالنسبة للجماهير العربية الفلسطينية.
– على المقلب الاخر، فإن الوعي السائد بين شريحة الشباب العربي الفلسطيني بصدد أهمية تغيير الائتلاف الحاكم الحالي وإسقاطه يشكل شريحة موازية لأقصى اليمين من أبناء وبنات جيلها اليهود، وقد يكون للشباب العرب دور حاسم في إسقاط الائتلاف الحاكم. ويبقى التحدي في أن وعي هذه الشريحة يقوم على أسس براغماتية تريد حلولاً مباشرة وملموسة كأولوية.
– انطلاقاً من ذلك، هناك ضرورة ملحة لفت انظار المجتمع الدولي إلى المخاطر المحدقة بالفلسطينيين، وكذلك المطالبة بمراقبة فعلية للانتخابات، فيما لا تزال احتمالات شطب مرشحين عرب واردة وخطيرة. كما يتعين دعم البحث والاستطلاع المستقل من قبل معاهد عربية فلسطينية، لتقديم قراءة أدق لتوجهات الشباب العربي، وتعزيز التواصل معه بلغة تتناسب مع أدواته وتقنياته، والتركيز على الحلول العملية بدل الشعارات الأيديولوجية.
– يبقى الاستعداد لسيناريو استمرار الائتلاف الحاكم ضرورة، بخطط طوارئ لحماية المدنيين الفلسطينيين وتوثيق الانتهاكات، في انتظار ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع.