هل يوجّه ترامب ضربة لإيران؟

الخيارات والسيناريوهات في ضوء تحليل الاعلام والمراكز الغربية:

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات

تقدير موقف

تقديم: بعد تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران من أن “الوقت ينفد” للتوصل إلى اتفاق نووي، سُجّل وصول مكثف لطائرات التزوّد بالوقود إلى قاعدة العديد القطرية، إضافة إلى تحركات لوحدات البحث والإنقاذ (SAR) – وهي الوحدات اللازمة للعثور على الطيارين الذين قد تسقط طائراتهم، باتجاه الشرق. كما لوحظ ارتفاع حاد في نشاط طائرات الاستطلاع الأميركية القادرة على تتبع الرادارات الإيرانية، واعتراض الاتصالات، ورسم خرائط انتشار القوات، فضلًا عن طائرات الاتصالات الجوية التي يمكن أن تدعم عمليات البحث والإنقاذ. وتخلص التحليلات إلى أن هذه المؤشرات تمثل “علامة شبه مؤكدة على أن القصف بات وشيكًا”
في هذا السياق المتوتر، بدأ محللون وخبراء غربيون بتقييم ما إذا كان ترامب يتجه فعليًا نحو عمل عسكري ضد إيران، وإن كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذا العمل، وحدوده، ومآلاته المحتملة:

أولًا: المؤشرات العسكرية والخيارات المطروحة:
تشير التحليلات الغربية، ولا سيما ما نشرته The Economist، إلى تصاعد واضح في المؤشرات العسكرية الميدانية. فقد جرى تحريك حاملة الطائرات الأميركية USS Abraham Lincoln باتجاه بحر عُمان، ما يضع جناحها الجوي ومدمراتها ضمن مدى الضربات المحتملة ضد إيران. كما نُشرت أسراب من مقاتلات F-15E انطلاقًا من قواعد في إنجلترا، إضافة إلى تعزيز المنطقة بمنظومات الدفاع الجوي باتريوت وثاد، وطائرات التزوّد بالوقود، وطائرات الاستطلاع والاتصال الجوي.

وتعزز هذه التحركات زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) إلى إسرائيل، في مؤشر على تنسيق عملياتي محتمل في حال اتخاذ قرار بالتصعيد.
وفق هذه القراءة، فإن ترامب لم يحسم قراره النهائي بعد، إلا أن مسؤولين خليجيين أبلغوا The Economist أن ضربة أميركية واسعة النطاق باتت احتمالًا جديًا، وقد تستهدف هذه المرة القيادة السياسية الإيرانية، لا مجرد البنية النووية أو العسكرية التقليدية.

وفي تحليل منفصل أفاد مراسل الشؤون العالمية في صحيفة The Guardian البريطانية في 26 يناير، بأن إيران تستعد لهجوم صاروخي أميركي–إسرائيلي جديد، عقب نشر أصول عسكرية رئيسية من مجموعة حاملة الطائرات Abraham Lincoln في المنطقة.
ويرى التقرير أن واشنطن، بالتنسيق مع القوة الجوية الإسرائيلية، تمتلك قوة نارية كافية لتنفيذ هجوم يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني. ويشير إلى أن هذا النوع من العمليات لن يركز أساسًا على البرنامج النووي الإيراني – الذي تعرض لأضرار كبيرة خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 – بل سينصبّ على استهداف القيادة السياسية الإيرانية.

ثانيًا: طبيعة الرد الإيراني المحتمل:
تُجمع التحليلات على أن إيران لن تتعامل مع أي هجوم أميركي بوصفه اشتباكًا محدودًا. فخلافًا لردودها السابقة ذات الطابع الرمزي أو المنضبط، ترى طهران أن أي ضربة جديدة ستُعدّ حربًا شاملة تهدد بقاء النظام.

وتشير التقديرات الغربية إلى أن إيران قد تلجأ إلى:
• ضربات صاروخية واسعة النطاق
• هجمات استباقية قبل تعطيل منصات الإطلاق
• تصعيد إقليمي عبر وكلائها
وهو ما يرفع احتمالات الانزلاق إلى صراع طويل الأمد يتجاوز الحسابات التكتيكية الأولية.

ثالثًا: السيناريوهات الأميركية المحتملة:
بحسب التحليل الغربي، تتراوح الخيارات الأميركية بين ثلاثة مسارات رئيسية:
1. ضربة محدودة لإعادة فرض الخطوط الحمراء:
تهدف إلى استعادة الردع وإظهار الحزم، مع تقليص مخاطر التصعيد. غير أن هذا الخيار لا يُتوقع أن يؤثر جوهريًا على سلوك النظام الإيراني الداخلي أو يحد من القمع.
2. حملة أوسع ضد الحرس الثوري والباسيج:
تستهدف أدوات القمع الرئيسية، إلا أن هذه القوى لا تعتمد على بنى تحتية ثابتة يسهل تدميرها جوًا، ما يحد من فعالية هذا الخيار.
3. ضربات “قطع الرأس” ضد القيادة العليا، ولا يستثنى منها استهداف المرشد الأعلى خامنئي شخصيا.
ورغم أن هذا السيناريو قد يُحدث ارتباكًا مؤقتًا، تشير تقديرات إقليمية إلى أن إيران عززت بالفعل آليات الخلافة واستمرارية القيادة، بما يقلل من احتمالات الانهيار السريع.
كما لا يستبعد بعض المحللين خيار العملية الهجينة، التي تجمع بين استهداف محدود للقيادة والتوصل لاحقًا إلى تفاهم مع “نظام مُصغّر” واحد، على غرار النموذج الفنزويلي.

رابعًا: القيود الإقليمية والدولية:
سلطت The Wall Street Journal الضوء على قيود سياسية متزايدة، أبرزها رفض كل من السعودية والإمارات استخدام أراضيهما أو مجالهما الجوي في أي هجوم أميركي على إيران. ورغم أن هذه القيود تعقّد التخطيط العملياتي، فإنها لا تمنع العمل العسكري إذا قررت واشنطن المضي قدمًا، إذ لا تزال الخيارات متاحة عبر:
• القاذفات بعيدة المدى
• الصواريخ المجنحة من الغواصات
• الطائرات المنطلقة من حاملات الطائرات في بحر العرب
غير أن الخبراء يحذرون من أن أي حملة تهدف إلى إضعاف النظام أو إسقاطه ستتطلب أسابيع أو أشهر، مع كلفة بشرية وسياسية مرتفعة.

خامسًا: حدود الحسم العسكري:
يؤكد تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن إيران، رغم ما لحق بها من أضرار، لا تزال دولة متماسكة أمنيًا، ذات قدرة عالية على العنف الداخلي، واستعداد أيديولوجي لتأطير أي تدخل خارجي بوصفه “حرب وجود مقدسة”.
ويشدّد التقرير على أن إيران:
• يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة
• تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة العراق
• لا تُقارن بحالات تدخل سابقة مثل ليبيا أو البوسنة أو كوسوفو
ما يجعل أي تدخل عسكري طويل الأمد محفوفًا بمخاطر كبرى، مع فرص محدودة لتحقيق «نصر حاسم».

الخلاصات والتقدير العام:
**يمتلك ترامب خيارات عسكرية متعددة، لكن لا خيار يوفر نتيجة سريعة أو حاسمة.
**الضربات المحدودة قد تعزز الردع مؤقتًا، لكنها غير كافية لوقف القمع أو تغيير سلوك النظام.
**الضربات الواسعة أو استهداف القيادة تنطوي على مخاطر تصعيد إقليمي وصراع طويل الأمد.
**حجم إيران وتماسك مؤسساتها واستعدادها للتصعيد يجعل كلفة العمل العسكري مرتفعة ومكاسبه غير مضمونة.
**سياسيًا، قد يجد ترامب نفسه أمام مأزق استنزاف طويل بدل تحقيق نصر حاسم يمكن توظيفه داخليًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.