هل يستعد حزب الله للانقلاب على الدولة في لبنان؟

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف

تقديم:
دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية دقيقة عقب توقيع “اتفاق الإطار” مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، والذي يربط استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله. وقد قوبل الاتفاق برفض حاد من الحزب وإيران، وترافق مع تحركات احتجاجية في بيروت، وتهديدات من قيادات في الحزب بإمكانية انزلاق البلاد إلى حرب أهلية في حال مضت الدولة في تنفيذ الاتفاق. وفي ظل استمرار المواجهة الأميركية–الإيرانية في الخليج، واستحضار تجربة السابع من مايو/أيار 2008، تبرز تساؤلات حول ما إذا كان حزب الله يتجه نحو مواجهة داخلية جديدة، أم أن ما يجري يندرج في إطار رفع السقف السياسي لتحسين شروط التفاوض وعرقلة تنفيذ الاتفاق.

في المعطيات:
– في 26 يونيو/حزيران 2026، وقّعت الحكومة اللبنانية وإسرائيل في واشنطن، برعاية الولايات المتحدة، اتفاق إطار ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من منطقتين جنوب نهر الليطاني، على أن يرتبط استكمال الانسحاب الكامل بنزع سلاح حزب الله في مختلف الأراضي اللبنانية.

– في 27 يونيو/حزيران، أعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم رفض الاتفاق، واعتبره “مذلة وعاراً” و”منعدم الوجود”، مطالباً بتطبيق التفاهمات الإيرانية–الأميركية التي تنص على انسحاب إسرائيل من لبنان دون ربط ذلك بنزع سلاح الحزب.
– قال النائب حسن فضل الله إن السلطة اللبنانية “لا تستطيع فرض الاتفاق إلا إذا ذهبت بدعم أميركي إلى حرب أهلية”.

– فور الإعلان عن الاتفاق، خرج أنصار حزب الله في احتجاجات شملت إغلاق الطريق القديم المؤدي إلى مطار بيروت، وإحراق إطارات، وتنظيم تظاهرات أمام السراي الحكومي، فيما استمر التوتر حتى صباح 28 يونيو/حزيران مع انتشار كثيف للجيش اللبناني حول السراي الحكومي ومجلس النواب.

– غابت أعلام حركة أمل عن التحركات الشعبية، رغم أن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان قد وصف في وقت سابق بعض صيغ الاتفاق بأنها “هجينة ومفخخة”، قبل أن يدعو لاحقاً إلى الحفاظ على السلم الأهلي وتجنب الفتنة.

– بالتزامن مع التطورات اللبنانية، شهدت منطقة الخليج تصعيداً عسكرياً بين الولايات المتحدة وإيران، شمل تبادل هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ في محيط مضيق هرمز.

– في 28 يونيو/حزيران 2026، أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتصالاً بالرئيس اللبناني جوزيف عون، هنأه خلاله بتوقيع الاتفاق، وأكد دعم واشنطن لسيادة لبنان وتنفيذ الاتفاق، فيما شدد عون على التزام الدولة بتحمل مسؤولياتها كاملة، ودعا الولايات المتحدة إلى الضغط على إسرائيل لاستكمال الانسحاب.

– تستحضر الأزمة الحالية أحداث 7 مايو/أيار 2008، عندما رد حزب الله عسكرياً على قرارات حكومية تتعلق بشبكته الأمنية، وسيطر على أجزاء واسعة من بيروت قبل التوصل إلى اتفاق الدوحة.

التحليل:
لا يبدو رفض حزب الله لاتفاق الإطار موقفاً لبنانياً معزولاً، بل ينسجم مع الموقف الإيراني الذي أُعلن قبل صدور موقف الحزب، بما يعكس استمرار الترابط بين القرار اللبناني للحزب والحسابات الإقليمية لطهران. فالاعتراض لا يقتصر على مضمون الاتفاق، وإنما يتصل أيضاً برفض أي مسار قد يقود إلى نزع سلاح الحزب، باعتباره أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المشرق.

ويأتي هذا الموقف في ظل عودة تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج، الأمر الذي يمنح التطورات اللبنانية بعداً إقليمياً إضافياً. فكلما ازداد الضغط العسكري أو السياسي على طهران، ازدادت احتمالات توظيف الساحات المرتبطة بها، وفي مقدمتها لبنان، لتعزيز أوراقها التفاوضية أو لتوسيع ساحات الضغط على واشنطن وحلفائها.

في هذا السياق، يمكن فهم التصعيد الذي يقوده حزب الله بوصفه محاولة لرفع كلفة تنفيذ الاتفاق على الدولة اللبنانية وإظهار امتلاكه القدرة على تعطيل أي ترتيبات لا تراعي شروطه، أكثر من كونه قراراً نهائياً بالانتقال إلى مواجهة عسكرية داخلية. فالتحركات التي شهدتها بيروت حتى الآن بقيت ضمن إطار الضغط السياسي والجماهيري، رغم ارتفاع سقف الخطاب السياسي.

في المقابل، تكشف مواقف حركة أمل عن تمايز ملحوظ في إدارة الأزمة. فالحركة تشارك حزب الله رفض الاتفاق من الناحية السياسية، لكنها تبدو أقل استعداداً للمغامرة باستقرار البيئة الشيعية أو الزج بالبلاد في صدام داخلي. ويعكس غيابها عن الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب دعوات نبيه بري المتكررة إلى تجنب الفتنة، إدراكاً للكلفة الباهظة التي قد تترتب على أي مواجهة داخلية جديدة.

كما أن استحضار تجربة السابع من مايو/أيار 2008 لا يعني بالضرورة إمكان تكرارها بالظروف نفسها. فقد تبدلت البيئة الداخلية والإقليمية بصورة جوهرية. فحزب الله يواجه اليوم تراجعاً في قدراته العسكرية والسياسية نتيجة الحرب الأخيرة والخسائر التي تعرض لها، بينما تبدو الدولة اللبنانية أكثر تماسكاً، وتحظى بدعم أميركي ودولي أوضح لاستعادة احتكارها للسلاح وتنفيذ التزاماتها السيادية.

لذلك، فإن أي محاولة للانتقال إلى انقلاب عسكري واسع ضد الدولة ستكون أعلى كلفة وأقل قابلية للنجاح مما كانت عليه قبل نحو عقدين. ولا يقتصر الأمر على احتمالات الرد الداخلي، بل يشمل أيضاً مستوى الدعم الدولي المتوقع للمؤسسات اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، فضلاً عن المخاطر التي قد يتعرض لها الحزب داخل بيئته الحاضنة إذا تسبب في جر البلاد إلى حرب أهلية جديدة.

ومع ذلك، فإن استبعاد خيار الانقلاب لا يعني انتفاء احتمالات التصعيد. فإصرار الحزب على رفض أي مسار لنزع سلاحه، واقتران ذلك باستمرار التوتر الأميركي–الإيراني، قد يدفعه إلى توسيع أدوات الضغط السياسي والأمني، أو إلى افتعال أزمات محدودة تحول دون تنفيذ الاتفاق أو تؤخر مساره، بما يبقي لبنان ساحة مفتوحة للتجاذب الإقليمي.

الخلاصات:
* يعكس رفض حزب الله لاتفاق الإطار توافقاً مع الموقف الإيراني، بما يؤكد استمرار ارتباط قرارات الحزب الاستراتيجية بالحسابات الإقليمية لطهران.
* يتجاوز الاعتراض مضمون الاتفاق نفسه، ليتمحور حول رفض أي صيغة تربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، باعتبار السلاح ركناً أساسياً في معادلة نفوذ الحزب وإيران داخل لبنان.
* يبدو التصعيد السياسي والجماهيري الحالي أقرب إلى محاولة لرفع كلفة تنفيذ الاتفاق وتعزيز الموقع التفاوضي للحزب، منه إلى قرار بالانتقال الفوري إلى انقلاب عسكري على الدولة.
* تشير مواقف حركة أمل إلى وجود تمايز في إدارة الأزمة داخل الثنائية الشيعية؛ فالحركة ترفض الاتفاق سياسياً، لكنها لا تبدو مستعدة للانخراط في مواجهة داخلية قد تهدد الاستقرار اللبناني.
* تختلف الظروف الحالية بصورة جوهرية عن ظروف مايو/أيار 2008؛ إذ يواجه حزب الله بيئة داخلية وإقليمية أكثر تعقيداً، فيما تحظى الدولة اللبنانية بدعم سياسي ودولي غير مسبوق لاستعادة سيادتها.
* يبقى احتمال التصعيد قائماً، لكنه مرجح أن يأخذ أشكالاً سياسية وأمنية محدودة أكثر من كونه مواجهة عسكرية شاملة، نظراً إلى الكلفة الباهظة التي ستترتب على أي محاولة انقلابية جديدة.
* سيظل مستقبل الأزمة مرتبطاً بثلاثة متغيرات رئيسية: مسار المواجهة الأميركية–الإيرانية، وقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الاتفاق، وحجم الدعم الدولي للمؤسسات اللبنانية في مواجهة أي محاولات لتعطيل استعادة الدولة احتكارها للسلاح والقرار السيادي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.