هل سيُكتَب النجاح للحلف الإسرائيلي في شرق المتوسط؟
ورقة سياسات:
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات
تقديم: تشهد المقاربة الإسرائيلية تجاه شرق البحر المتوسط ومحيطه الإقليمي تحولات لافتة في السنوات الأخيرة، تعكس انتقالًا من التركيز الأمني الضيق إلى محاولة بناء شبكة تحالفات إقليمية ذات أبعاد عسكرية واقتصادية وجيوسياسية طويلة المدى. ويتجلى ذلك في جملة من التحركات المتزامنة، من بينها السعي للاعتراف بـ”أرض الصومال” وإقامة قاعدة عسكرية كبرى على البحر الأحمر مقابل اليمن، والانخراط في تفاهمات مع النظام السوري برعاية أمريكية، وتعميق التحالف العسكري الاستراتيجي مع كل من اليونان وقبرص.
تأتي هذه التحركات في سياق حرب متعددة الجبهات خاضتها إسرائيل بقدرات عسكرية كبيرة، مقابل انسداد شبه كامل في الأفق السياسي لحكومتها. وقد سعت تل أبيب، خلال الحرب وما بعدها، إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية جديدة في كل من لبنان وسوريا وقطاع غزة، بما يتجاوز إطار الحرب نفسها، ويؤسس لوقائع إقليمية جديدة.
أولًا: من استدامة الحرب إلى توظيف “الإنجازات” إقليميًا:
مع الانتقال إلى مرحلة ما بعد الاستدامة الحالية لخطة إنهاء الحرب على غزة، يتضح أن المسعى الإسرائيلي لا يقتصر على تثبيت ترتيبات أمنية موضعية، بل يتجه نحو استغلال ما تعتبره “إنجازات عسكرية” لخدمة مخططات إقليمية التفافية، تتجاوز ثنائية التطبيع واستحقاقه السياسي المتمثل بقيام الدولة الفلسطينية.
في هذا السياق، اعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن ضم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكل من تركيا وقطر إلى الإطار التنفيذي لما يسمى “مجلس السلام” يشكل اختراقًا أمريكيًا متعمدًا لما تعدّه إسرائيل خطوطًا حمراء. وقد تُرجم هذا الموقف بإعلان نتنياهو التحدي العلني لهذه الخطوة، وبقرار المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) رفض أي دور لتركيا أو قطر في قطاع غزة، بذريعة أن ذلك يوفّر بيئة تسمح لحركة حماس بإعادة بناء قدراتها، ويعيد إنتاج ما تسميه إسرائيل “خطر السابع من أكتوبر جديد”.
في المقابل، تنظر إدارة ترامب إلى تركيا بوصفها دولة إقليمية كبرى وعضوًا في حلف شمال الأطلسي، وترى فيها، إلى جانب مصر، طرفًا محوريًا في بلورة صيغة عملية لنزع السلاح وتعطيل استخدامه في غزة، بوسائل ناجعة قد لا تتطلب اللجوء إلى القوة العسكرية أو الصدام المباشر.
ثانيًا: نزع السلاح بين الخطاب والواقع:
تبدو التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى الحرب في حال عدم تفكيك سلاح الفصائل في غزة محدودة الرصيد على المستوى العملي، ولا تتجاوز في جوهرها الوظيفة الداخلية الانتخابية، وكيفية ظهور نتنياهو وأقطاب ائتلافه أمام جمهورهم. فالتجربة العملية تشير إلى أن ترجمة نزع السلاح بالقوة العسكرية أخفقت على مدار عامين من الحرب المكثفة، بما في ذلك العمليات الواسعة التي أُطلق عليها اسم “عربات جدعون 2”.
ويثير هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا: هل نتنياهو معني فعليًا بنزع سلاح حركة حماس، أم أن بقاء الوضع القائم يتيح لحكومته الاستمرار في إدارة حالة أمنية تصعيدية مفتوحة في غزة، على غرار ما تفعله إسرائيل في لبنان تحت شعار نزع السلاح، من دون أفق سياسي أو تسوية نهائية؟
ثالثًا: التنافس الإسرائيلي–التركي في شرق المتوسط:
ليست إسرائيل وتركيا دولتين في حالة عداء مباشر، غير أن سقوط نظام الأسد أعاد تصعيد التوتر بينهما في الملف السوري، وفي الصراع على النفوذ ومستقبل سوريا، سواء بوصفها دولة موحدة أم كيانًا قابلًا للتفكيك.
تنظر إسرائيل إلى شرق البحر المتوسط بوصفه منطقة استراتيجية بامتياز، تشمل الممرات المائية الحيوية وحقول الغاز البحرية. وفي هذا الإطار، اعتبرت مراكز الأمن القومي الإسرائيلية أن تركيا كانت من أسرع الدول الإقليمية في تثبيت نفوذها في ليبيا بعد سقوط القذافي، بما يتيح لها السيطرة على موارد نفطية عالية الجودة. كما ترى هذه المراكز أن سيطرة تركيا على شمال قبرص، ونفوذها في شمال غرب سوريا، ضاعفا حضورها في شرق المتوسط، كما أن توجه اسرائيل نحو “أرض الصومال” أسهمت في تعزيز نفوذها في البحر الأحمر كذلك.
رابعًا: التحالف الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي:
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “معاريف” بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2026، نقلًا عن تحقيقات قناة GZT التركية، تسعى إسرائيل واليونان وقبرص إلى تعميق تحالفهم العسكري إلى مستوى متقدم، يقوم على الاعتماد على التفوق التكنولوجي العسكري الإسرائيلي، والسعي إلى تشكيل قوة تحرك سريع مشتركة في جنوب قبرص، قوامها نحو 2500 جندي، بينهم ألف جندي إسرائيلي وألف يوناني.
وبحسب التقرير، بدأت هذه القوة، التي كُشف عنها في أواخر عام 2025، تدريبات على إسقاط الطائرات المسيّرة، وحماية احتياطيات الغاز في شرق المتوسط، وإنشاء ممرات مائية استراتيجية تُعرف باسم “ممرات الطاقة”، تمر عبر قبرص لنقل الغاز إلى أوروبا، مع تجنب السواحل التركية الأطول على البحر المتوسط، في مسعى واضح لاستبعاد أنقرة من مشاريع التجارة والطاقة الإقليمية.
ما يثير قلق تركيا، وفق المصادر ذاتها، هو التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، واعتبار أن تشغيل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية “باراك إم إكس” في قبرص يشكل متغيرًا جوهريًا، حتى في غياب حرب إقليمية، إذ يتيح لإسرائيل مراقبة تركيا عن كثب وجمع معلومات استخباراتية حساسة. ويسود اعتقاد بأن الهدف النهائي يتمثل في إنشاء “قبة حديدية إقليمية” عبر دمج منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية مع شبكة الدفاع الجوي “درع أخيل” التي تسعى اليونان إلى بنائها، بما يحقق تفوقًا جويًا مشتركًا في المنطقة.
خامسًا: غزة كأداة وظيفية في الصراع الإقليمي:
يستند الرفض الإسرائيلي لمشاركة تركيا في الهيئة التنفيذية لغزة إلى اعتبارين أساسيين. الأول، اعتقاد إسرائيل أن أنقرة لن تضحي بحركة حماس ولا ببناها السياسية والأمنية. والثاني، أن أي وجود عسكري تركي في غزة قد يشكل نقطة انطلاق للتنافس على أحواض الغاز الفلسطينية في المياه الاقتصادية قبالة القطاع.
إلى جانب ذلك، يبدو أن هذا الرفض يحمل بعدًا وظيفيًا، إذ تتحول مسألة الدور التركي إلى أداة بيد نتنياهو لتعويق الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات، حتى وإن أقر بها نظريًا، عبر إبقاء ملف نزع السلاح غير محسوم. ويجري ذلك في ظل ظروف معيشية كارثية في غزة، تشمل تفشي الأوبئة، وارتفاع معدلات الولادة المبكرة، ونقص التغذية الحاد للحوامل والرضّع، والانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي، وتعطل التعليم، واتساع رقعة الإعاقات الجسدية من دون إمكانات علاجية.
إن تأجيل التطبيق الفعلي للمرحلة الثانية، وعدم فتح معبر رفح بالاتجاهين، وتعطيل إعادة إعمار غزة، يشكل مجتمِعًا نمطًا من الإبادة البطيئة من دون ضجيج، يدفع السكان إلى الهجرة بوصفها أملًا وحيدًا للحياة، وهو ما يعود بعض أطراف الائتلاف الحاكم في إسرائيل إلى الترويج له علنًا تحت عناوين الطرد الجماعي والاستيطان والسيطرة الكاملة على شرق المتوسط عبر غزة.
سادسًا: المقايضة بين الجبهات وحدودها:
تفيد تقديرات إسرائيلية متعددة بأن النهج الذي ميّز تعاطي تل أبيب مع المقترحات الأمريكية حتى الآن قام على مبدأ المقايضة، أي تقديم تنازلات محدودة في غزة مقابل تعزيز السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وفي حالة تركيا، برزت أصوات إسرائيلية طالبت إدارة ترامب بربط أي دور تركي في غزة بتنازلات تركية لصالح إسرائيل في سوريا. غير أن هذه المساعي اصطدمت بجدار الأولويات الأمريكية، التي حددت سقف المواقف الإسرائيلية بحزم في بعض الأحيان.
الخلاصات
•تسعى إسرائيل إلى توظيف ما تعتبره نجاحات عسكرية إقليمية لترسيخ تحالفات بعيدة المدى في كل من القرن الأفريقي و«أرض الصومال»، وفي شرق المتوسط عبر بناء حلف عسكري ذي أبعاد دولية مع اليونان وقبرص. ويحمل هذا التوجه أبعادًا عسكرية واقتصادية، تهدف إلى الهيمنة على البحر الأحمر كممر تجاري وعسكري عالمي، وعلى ممرات الطاقة عبر قبرص، ضمن مشروع الممر البري–البحري من الهند إلى أوروبا مرورًا بالخليج وإسرائيل. ويُعد تحييد كل من مصر وتركيا، بوصفهما أكبر قوتين إقليميتين، شرطًا حاسمًا لنجاح هذه الرؤية من المنظور الإسرائيلي.
•يشكل التحالف مع اليونان وقبرص ركيزة للاستحواذ على حقول الغاز في شرق المتوسط، بما في ذلك الحقول الفلسطينية قبالة قطاع غزة، ويعكس طموح التيار الحاكم في إسرائيل للعب دور وسيط إقليمي في مجالي الطاقة والتجارة الدولية، موازٍ لدور دول الخليج، ومدعوم بتحالفات عسكرية.
•رغم النوايا الإسرائيلية، لا تبدو اليونان وقبرص معنيتين بالدخول في مواجهة عسكرية مع تركيا، لما تحمله من كلفة استراتيجية عالية على الأطراف الثلاثة، ولأن معظم دول المنطقة العربية وشرق المتوسط ترى في الاستقرار والتعاون أولوية تفوق منطق الصدام.
•يبدو أن التعاطي الإسرائيلي الوظيفي مع الدور التركي في غزة، وفرضية المقايضة بين الجبهات، قد بلغا حدودهما، في ظل موقف أمريكي يسعى إلى فرض أولوياته بعيدًا عن حسابات حكومة نتنياهو، ما يجعل استبعاد الدور التركي في غزة أمرًا مستبعد النجاح.
•إن تنسيقًا إقليميًا يضم مصر والسعودية وتركيا من شأنه إفراغ المخططات الإسرائيلية من مضمونها، في حين أن علاقات حسن الجوار بين مصر وكل من اليونان وقبرص تشكل عامل كبح إضافي يمنع تحويل التحالف الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي إلى تهديد فعلي لاستقرار المنطقة.