هل تستدعي الانتخابات الإسرائيلية رقابة دولية؟

ورقة سياسات:

أمير مخول- مركز تقدم للسياسات، لندن

افتتح الكنيست الإسرائيلي في العاشر من مايو 2026 دورته الصيفية التي تُشكّل قانونياً دورته الأخيرة، إذ يُحلّ فيها الكنيست ويُحدَّد موعد الانتخابات المحتملة في الخريف المقبل. وتعلو أصوات عديدة وجدية في السياسة الإسرائيلية تُحذّر من احتمالية لجوء نتنياهو، المتحكم بائتلاف متماسك، إلى إرجاء موعد الانتخابات إلى أجل غير مسمى بذريعة الوضع الأمني، تمثّلاً لتصريحاته المتكررة منذ العام 2024، ومنها قوله إنه “من الخطأ في الديمقراطيات الحليفة القوية للولايات المتحدة تغيير قياداتها في أي وقت، وكم بالحري في زمن الحرب. المسألة ليست مصيري الشخصي، بل بقاء الدولة اليهودية.”

في القراءة:

بدأت الدورة وعلى جدول أعمال الكنيست سلسلة من قوانين استكمال الانقلاب القضائي الذي اعتمدته الحكومة الحالية منذ تشكّلها في ديسمبر 2022، والتي تكشف جهاراً الغاية من هذا الانقلاب القضائي باعتباره أداةً في خدمة سياسة وعقيدة، لا هدفاً بحد ذاته.

وفي حال لم ينجح نتنياهو في التهرب من الاستحقاق الانتخابي، فإنه وفقاً للصحفي أمير إيتنغر سيسعى إلى إجرائها في أكتوبر القادم، وذلك كي يُتيح تشريع مجموعة قوانين يتقدم بها الائتلاف الحاكم، ومعظمها ذات صلة بالانتخابات والهيمنة على حيثياتها، بما فيها تمويل الأحزاب وشطب الأحزاب العربية وخفض عتبة الإثبات والمعقولية التي تُتيح ذلك بذريعة دعم التنظيمات الإرهابية أو الارتباط بأشخاص متورطين فيها. كما أن مشروع قانون تفكيك مكتب المستشار القانوني للحكومة وإلغاء اعتماده رقابةً ذات مرجعية قانونية، وإن بدا إجرائياً في ظاهره، يُتيح جوهرياً لائتلاف نتنياهو الاستحواذ على صلاحيات فوق القانون والتحكم المطلق بمسار الانتخابات ويوم الاقتراع، مسنوداً بالولاء السياسي المطلق لرئيس جهاز الأمن العام، مما سيُتيح شطب الأحزاب العربية ومرشحين بعينهم. وفي المقابل، أرجأ نتنياهو الإجراءات التمهيدية للمصادقة على قانون إلغاء اتفاقيات أوسلو بذريعة عدم التشاور المسبق مع إدارة ترامب، وهو ما كان متوقعاً نظراً للثمن السياسي الدولي الباهظ الذي كانت ستدفعه إسرائيل في ضوء مفهوم الأمن القومي.

وفي اليوم الثاني لدورة الكنيست في الثاني عشر من مايو، تصدّر جدول الأعمال قانونان؛ الأول يحظى بإجماع قومي صهيوني ويُعنى بإقامة نظام محاكمة خاص بعناصر النخبة من غزة. أما على النقيض من هذا الإجماع، فيُعمّق اقتراح قانون آخر الصدعَ الإسرائيلي الأصيل أصلاً حول مسألة إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية، إذ تُهدد الأحزاب الحريدية بحل الكنيست وتبكير موعد الانتخابات إلى سبتمبر القادم بدلاً من أكتوبر. ورغم أن الفجوة الزمنية بين الموعدين ضيّقة، إلا أن التبكير يحدّ من إمكانية التشريع في قضايا أخرى قبل انقضاء المهلة القانونية لذلك. ولا يزال نتنياهو يمتلك القدرة على المناورة في هذا الشأن؛ فلو واصلت الأحزاب الحريدية ثباتها على موقفها فإنها ستحول دون استكمال تلك التشريعات. وقد باتت الأحزاب الحريدية الأشكنازية تُدرك أن المسعى الحاكم هو إرجاء طرح قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، لكنها بدورها تناور كما يفعل حزب شاس من أجل جني مكاسب لها.

وتتميز الدورة الحالية للكنيست بكونها دورة ما بعد الانقلاب القضائي المكثّف الذي انطلق مع تشكّل الحكومة الحالية. ومعنى “ما بعد الانقلاب القضائي” أن الكنيست بأغلبية 68 عضواً من أصل 120 سيُشرّع قوانين جديدة موجّهة أساساً لصالح الإبقاء على الحكم بصورة قسرية وحتى غير قانونية، لكن باستخدام أدوات برلمانية.

– خيارات نتنياهو:
في المقابل، تكثر التقديرات بأن نتنياهو قد يُقدم على إرجاء الانتخابات بذريعة الوضع الأمني، وحتى افتعال حرب كما يُحذّر إيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق. وفي حال أُجريت الانتخابات فستكون الأكثر استقطاباً منذ قيام دولة إسرائيل، فيما تدفع التصدعات القائمة نحو جعلها الأكثر عنفاً. وتتصاعد المخاوف في هذا الشأن نتيجة تصريحاته منذ الانتخابات السابقة، ولا سيما منذ إخفاق السابع من أكتوبر 2023 والحرب على غزة والجبهات المتعددة. ففي مؤتمره الصحفي بتاريخ الحادي والعشرين من مايو 2025، رفض نتنياهو الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها القانوني المحدد لفبراير 2026 في حال تواصلت الحرب. وفيما يسعى نتنياهو إلى إعلان موعد رسمي للانتخابات في أواخر أكتوبر القادم، فإن غايته الفعلية هي استكمال إنجاز جميع التشريعات التي تُتيح له التحكم في مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي برمّته. والجدير بالذكر أن تحديد موعد الانتخابات لا يحول دون احتمالية إلغائها كما أشرنا سابقاً. كما يُسبغ نتنياهو على بقائه في السلطة بُعداً عقائدياً يبنيه على إجماع قومي صهيوني، إذ قال أمام معهد “الحرية والمسؤولية” في جامعة رايخمان: “أنا الوحيد الذي سيمنع إقامة دولة فلسطينية في غزة ويهودا والسامرة بعد الحرب.” وهذا فعلياً أحد أهم أهداف الانقلاب القضائي.

– هل يتنحى نتنياهو وهل يكترث لمصير الليكود؟
يبقى احتمال اعتزال نتنياهو الحياة السياسية وارداً نتيجةً لوضعه الصحي، وهو ما بدأ يُشعل حرب الخلافة داخل حزب الليكود. غير أنه لن يكون بالضرورة مكترثاً لمصير الليكود من بعده، كما حدث حين خسر الانتخابات عام 1999 لصالح إيهود باراك وترك الليكود مُحطَّماً واعتزل الحياة السياسية لسنوات عدة. بيد أن فرصة الاعتزال المؤقت تبدو غير واردة نظراً لسنّه المتقدم وللمتغيرات العميقة المتوقعة في السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتبقى تساؤلات جوهرية عديدة مطروحة في هذا الشأن، إذ تُشير الأجواء إلى احتمالية إسقاط نتنياهو وحكومته لصالح حكومة من يمين الوسط أو حكومة وحدة قومية صهيونية، أو عدم تمكّن أي طرف من تشكيل ائتلاف حاكم، وعندئذٍ ستبقى الحكومة الحالية بصفتها حكومة تصريف أعمال إلى حين إجراء انتخابات جديدة، وقد تتكرر هذه السيناريوهات في حال لم يتحقق أي حسم نتيجة الانقسام الإسرائيلي العميق. وحكومة تصريف الأعمال قد تكون الأكثر خطورة في الظرف الراهن كونها ستكون محرَّرة من الرقابة البرلمانية التي لم تُثبت فاعليتها خلال السنوات الأربع الماضية. وثمة احتمالية أخرى قد تكون ذات صلة بملفات نتنياهو القضائية وتوجّهه نحو صفقة قضائية تُلغي هذه الملفات مقابل اعتزاله الحياة السياسية. وفي حال تحقق ذلك، سيكون فعلياً مؤشراً على سقوط كتلة اليمين برمّتها من الكنيست والحكومة، لا على مستوى الرأي العام الإسرائيلي، وقد يدفع ذلك إلى تشكيل حكومة وحدة قومية صهيونية بمشاركة الليكود ودون الحريديم وأقصى اليمين، وذلك إلى حين انتخابات قادمة.

– تيار الصهيونية الدينية:
أحد المؤشرات على اعتبار هذا التيار نفسَه خاضعاً لقانون “ربّاني” قبل قوانين الدولة، وأنه في خضم تطبيق خطة الحسم تجاه الفلسطينيين جميعهم، كان التقرير الذي أعدّه الإعلامي البارز أوهاد حمو للقناة 12 عن تنظيم “فتيان التلال” وطرد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية في الحادي عشر من مايو 2026. وقد أشار أحد القادة السابقين لهذا التنظيم الإرهابي إلى أنه خلافاً للحقبة السابقة للحكومة الحالية، حين كان أعضاء التنظيم يضعون الأقنعة على وجوههم كيلا تُكشف هوياتهم، باتوا في ظل الحكومة الراهنة يزيلون تلك الأقنعة ويتباهون بإظهار هوياتهم، بل يلتقطون بأنفسهم صوراً ومقاطع مصوّرة لهم وهم يُهجّرون العائلات والتجمعات الفلسطينية. ويأتي هذا النهج امتداداً لسابقة قديمة تعود حصراً إلى عام 1948، حين روّجت الحركة الصهيونية لمجزرة دير ياسين في التاسع من أبريل بهدف ترويع البلدات والمدن الفلسطينية الأخرى سعياً لتسهيل عمليات تهجيرها كما حدث في يافا وحيفا.

ولم تُزَل أقنعة الوجوه وحدها، بل أُزيلت أيضاً أقنعة المواقف، مع المجاهرة العلنية بعمليات القتل والترويع والحرق والتهجير؛ إذ يقول أحدهم علناً إن مرجعيته التوراة التي تمنح أرض إسرائيل لليهود، وإن ذلك يعلو على القانون الإسرائيلي، ثم يُضيف: “لا يوجد أبرياء؛ حقيقة وجودهم هنا تعني أنهم ليسوا أبرياء”، ويرى في قتلهم بمن فيهم الرضع أمراً مباحاً. ويعزو المتحدث هذا “الإنجاز” إلى سموتريتش وبن غفير بوصفهما يقودان تغييراً جذرياً لا رجعة عنه. وهذا النوع من الترهيب مؤشر لما قد تشهده الانتخابات أيضاً تجاه الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، وحتى تجاه قوى المعارضة الإسرائيلية.

واللافت أيضاً أن هذا التيار يشهد تصدّعاً داخلياً بين تيارين استيطانيين إحلاليَّين فرعيَّين؛ أحدهما يسعى إلى تطبيق خطة الحسم بأسرع وتيرة ممكنة وبكل أشكال العنف الإرهابي، والآخر يرى أن الأمر يخضع لسياسات الدولة ويتّهم تنظيم “فتيان التلال” الإرهابي بالخروج عن “اليهودية الحقيقية”. وقد يدفع هذا التصدع إلى انقسام سياسي يُطيح بسموتريتش.

– الأحزاب العربية:
الموقف السائد بين الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، هو أن التهديد الذي يتعرضون له نتاجُ خطر وجودي سياسياً وسكانياً وجغرافياً، ولا سيما في النقب. واصطفاف الأحزاب العربية المعنية في قائمة مشتركة يُشكّل أداة حماية إضافية لهذا الجمهور.

كما أن الاصطفافات داخل المعارضة والتشكلات الجديدة والنقاش حول ما إذا كان من الأجدى للمعارضة الصهيونية خوض الانتخابات بكتلتين أو ثلاث، قد يؤثر على نمط التفكير السياسي للفلسطينيين العرب في مسألة الجدوى الانتخابية، وهناك قوى سياسية محلية وخارجية تؤثر في هذا الشأن. غير أن الموقف السائد حالياً بين هذا الجمهور هو دعم قائمة عربية مشتركة تخوض الانتخابات لتحصد أكبر كتلة ممكنة عددياً، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمالية شطب بعض الأحزاب، وهو ما باتت الحالة الإسرائيلية تُتيحه ذهنياً وقانونياً بعد التغيير الاعتباطي للقوانين ذات الصلة. إلا أن النقاش الإسرائيلي العام، ولا سيما في أوساط المعارضة، من شأنه أن يؤثر على اتساع الموقف السياسي العربي الداخلي من فكرة القائمة المشتركة التي لا يُضمن تشكّلها.

وقبل أن تتمحور الأحزاب العربية حول سؤال القائمة المشتركة وتشكّلها، فإن نقطة الانطلاق ينبغي أن تكون الخطر الوجودي السياسي والسكاني، كما يتجلى في جغرافيتنا داخل “الخط الأخطر”، وهو ما بدأ في غزة وتحوّل إلى سياسة منهجية حاكمة في الضفة الغربية والقدس.

والأداة الأكثر فاعلية في التطهير العرقي السياسي والسكاني الجاري اليوم، ولا سيما في النقب، هي حكومة نتنياهو–سموتريتش–بن غفير، وما رسّخته من هوية جديدة لمنظومات الدولة، ولا سيما الشرطة وجهاز الأمن العام، بعد أن جرى تطويعها على أساس الولاء السياسي لا القانوني الرسمي. كما تغيب بدائل سياسية متبلورة ووازنة ذات أفق سياسي واضح تطرحه على المجتمع الإسرائيلي اليهودي. ويسود الاعتقاد والتقدير بأن أي حكومة أخرى سيكون من الأيسر التعاطي معها والتصدي لها في حال كانت خالية من أقصى اليمين المتحكم بمفاتيح القرار المتعلقة بالوجود الفلسطيني في الضفة والقدس وغزة.

في الخلاصة:

**مسألة المطالبة برقابة دولية على انتخابات الكنيست باتت ملحّة كما لم تكن يوماً. فالوضع الراهن الذي يعتبر فيه الائتلاف الحاكم نفسَه فوق القانون ومسنوداً بأحكام توراتية أو دينية فقهية، ترى في أولوية أرض إسرائيل الكبرى للشعب اليهودي على القانون الوضعي، وتسعى للإبقاء على حكمها بكل الوسائل للحفاظ على هذا العهد الصهيوني–الديني، يستدعي رقابة دولية شاملة سواء على القوانين والتشريعات الجارية أو على الانتخابات ذاتها، ولا سيما مساعي شطب الأحزاب العربية والتشويش في يوم الاقتراع.

**إشراك السفارات الأجنبية، بما فيها الأوروبية المرتبطة دولها باتفاقية الشراكة الملزمة مع إسرائيل، يُشكّل أداة ضغط ورقابة إذا أُحسن توظيفها. وكذلك مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD التي تتدخل في مثل هذه المسائل وفي الفجوات وفي مدى منالية الحقوق للمجموعات المختلفة في الدول الأعضاء، هذا بالإضافة إلى لجان الأمم المتحدة الحقوقية، ولا سيما لجنة تقصي الحقائق الدائمة التي أعلنها مجلس حقوق الإنسان في مايو 2021 والتي يتضمن نطاق تحقيقاتها الفلسطينيين مواطني إسرائيل.

**الانتخابات الإسرائيلية هي أبعد من أن تكون شأناً إسرائيلياً داخلياً بحتاً، لأن جدول أعمالها يتضمن طمس القضية الفلسطينية والتهجير والتطهير العرقي في كل الجغرافيا الفلسطينية، ومنع قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، إضافة إلى الضم والتهويد وفق مفاهيم خطة الحسم الصهيو–دينية منذ عام 2017. كما تؤثر مباشرة على مستقبل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وعلى إنفاذ القانون الدولي.

**التهديد الذي يتعرض له الفلسطينيون مواطنو إسرائيل، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، هو خطر وجودي سكانياً وجغرافياً، ولا سيما في النقب، وسياسياً. واصطفاف الأحزاب العربية المعنية في قائمة مشتركة يُشكّل أداة حماية إضافية لهذا الجمهور. كما أن الاصطفافات داخل المعارضة والتشكلات الجديدة، والنقاش حول ما إذا كان من الأجدى للمعارضة الصهيونية خوض الانتخابات بكتلتين أو ثلاث، قد يؤثر على نمط التفكير السياسي للفلسطينيين العرب في مسألة الجدوى الانتخابية، وثمة قوى سياسية محلية وخارجية مؤثرة في هذا الشأن. غير أن الموقف السائد حالياً بين هذا الجمهور هو دعم قائمة عربية مشتركة تخوض الانتخابات لتحصد أكبر كتلة ممكنة عددياً، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمالية شطب بعض الأحزاب، وهو ما باتت الحالة الإسرائيلية تُتيحه ذهنياً وقانونياً بعد التغيير الاعتباطي للقوانين ذات الصلة.

**يبقى مصير نتنياهو السياسي عاملاً مؤثراً بقوة وربما حاسماً؛ ففي حال قرر التنحي فمن المرجح تفكّك معسكر أقصى اليمين وتراجع قوته. أما في حال حسم نتنياهو لصالح بقائه السياسي وربط مصير إسرائيل بمصيره الشخصي، فعندئذٍ ستكون جميع الاحتمالات قائمة؛ من التلاعب بالانتخابات وبعملية الاقتراع، وصولاً إلى تأجيل الانتخابات بذريعة الوضع الأمني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.