هل تتدخل تركيا في أزمة اليمن؟
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
تقديم:
بعد سلسلة المواقف التركية الداعمة للسعودية والمدينة لهجمات الحوثيين على أراضي المملكة، وبفعل مصالح أنقرة في البحر الأحمر والممرات الدولية، وعضويتها في اتفاق مكة الدفاعي، تتضارب التقارير بشأن القرار الذي قد تتخذه تركيا تجاه أزمة اليمن، بما في ذلك احتمال التدخل العسكري دعماً للسعودية. وتورد هذه الورقة عوامل الإقدام والحذر في مصالح تركيا الداخلية والإقليمية والدولية.
أولاً: المعطيات:
– في 17 سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية التركي حقان فيدان أن حلف مكة اقترب من استكمال هيكله المؤسسي واتجه نحو خطوات ملموسة، ووصف استهداف السعودية من الجنوب والشمال ومن العراق بأنه غير مقبول، وأكد أن أنقرة عبّرت علناً عن دعمها للرياض وأبلغت الأطراف المعنية الرسائل اللازمة.
– في 16 سبتمبر 2026، أدانت الرئاسة التركية ووزارة الخارجية بشدة محاولة الحوثيين استهداف مكة بمسيرة، وأكدتا التضامن مع إجراءات الرياض ودعم سيادة المملكة ووحدة أراضيها، ودعتا إلى وقف فوري للهجمات التي هددت الاستقرار الإقليمي.
– في 8 سبتمبر 2026، أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً أدانت فيه بأشد العبارات هجمات الحوثيين على منشآت مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وجددت دعمها لسيادة السعودية، وحذّرت من أن هذه الهجمات أضرت بالجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل سياسي دائم في اليمن.
– في 7 أغسطس 2026، وقّع الرئيس رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اتفاقية مكة للدفاع المشترك في قصر الصفا بمكة المكرمة، ونصت على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع، وهدفت إلى تعزيز الردع والتعاون الدفاعي والاستخباري والصناعي.
– تقول مصادر تركية مراقبة إن موقف أنقرة من أحداث اليمن يتلخص في: دعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، والدعوة المستمرة إلى حل سياسي، والحفاظ على وحدة البلاد ورفض التقسيم أو سيطرة أي فصيل منفرد.
– نقلت مصادر صحفية تحذير قادة عسكريين أتراك متقاعدين من أن جرّ أنقرة إلى مواجهة مع الحوثيين يمثل خطأ استراتيجياً يهدد خطوط إمدادها البحرية نحو الصومال والقرن الأفريقي.
– توضح مراجع دبلوماسية أن تركيا لم تصادق بعد على اتفاقية مكة في البرلمان، والمتوقع في أكتوبر 2026، ولم تتلقَّ طلباً رسمياً سعودياً للتدخل العسكري داخل اليمن.
ثانياً: التحليل:
بعد توقيع اتفاق مكة، أدانت تركيا الهجمات الحوثية بشدة، لكنها تتجنب العمل العسكري المباشر، لأن سياستها الرسمية قامت على الحوار لا الحرب البرية. ويرى محللون أتراك أن أنقرة قدمت دعماً يتجاوز الإدانة دون دخول ما وصفوه بالمستنقع اليمني، إذ تعتبر اليمن ساحة ثانوية لا تهدد مصالحها المباشرة على بعد آلاف الكيلومترات. ويضيف هؤلاء أن أنقرة فضّلت اختبار التزام الحلف عبر البيانات والرسائل الدبلوماسية أولاً قبل أي تفعيل عملي لبند الدفاع المشترك الذي يحتاج إلى طلب صريح من الدولة المتضررة وتحديد نوع المساعدة.
وتشير مراجع دبلوماسية إلى أن تركيا تدعم السعودية ضمن اتفاق مكة كالتزام جماعي بالردع المشترك، لكنها اقتصرت حتى الآن على التضامن السياسي والإدانة العلنية. ولا تستبعد هذه المراجع احتمال تقديم مساعدة دفاعية لاحقاً، مثل نشر طائرات ومشغلين وفنيين بعد التصديق، دون إرسال قوات برية. وترجح تقديم العون دبلوماسياً واستخباراتياً ودفاعياً محدوداً يركز على تعزيز قدرات الدفاع الجوي السعودية لا على القتال الهجومي.
وتعتبر جهات بحث أن مصالح تركيا تكمن في تعميق الشراكة مع الرياض وتنويع تحالفاتها الدفاعية بعيداً عن الاعتماد الأحادي على واشنطن، وحماية الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب التي تؤثر على تجارتها وطموحاتها في الطاقة بأفريقيا، وتوسيع دورها كوسيط إقليمي يعزز مكانتها. وفي المقابل، ترى هذه الجهات أن المحاذير التركية تشمل: تجنب مواجهة مباشرة مع الحوثيين الذين لم تصنفهم إرهابيين، مما أبقى قنوات اتصال محتملة عبر الجالية اليمنية في تركيا؛ وتفادي استنزاف مواردها العسكرية الموزعة أصلاً على سوريا وليبيا والعراق والصومال؛ وتجنب تصعيد بري يفتح جبهة جديدة مكلفة اقتصادياً وسياسياً دون مكاسب واضحة؛ والمراهنة على الانتظار حتى تتضح ما إذا كانت الهجمات الحوثية تصعيداً إيرانياً مرتبطاً بحرب أوسع.
ووفق مراقبين، تأخذ تركيا بعين الاعتبار حساباتها مع إيران على أساس تنافس تتم إدارته بعناية. وهي ترفض انهيار طهران خوفاً من تدفق اللاجئين والاضطراب على حدود طولها نحو 500 كيلومتر، وتعاونت معها في ملفات الأكراد ومكافحة التهريب رغم الخلاف حول اليمن. ويضيف المراقبون أن تركيا تراقب موازنة علاقاتها في الشرق الأوسط بين السعودية ومصر والإمارات وسوريا الجديدة، وتسعى لدور مستقل يتجنب الاصطفاف الكامل. كما حافظت مع روسيا والصين على علاقات طاقة وتجارة وغاز، وشاركت في أطر مثل منظمة شنغهاي دون قطع مع الغرب.
وتلفت تحليلات إلى أن أردوغان استفاد من علاقته الجيدة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لتخفيف العقوبات والحصول على مبيعات عسكرية أميركية، بينما زادت التوترات مع إسرائيل بسبب غزة وسوريا والغارات قرب الحدود التركية، مما يدفعها إلى تجنب جبهة يمنية إضافية تعقّد حساباتها. ويلفت متخصصون في الشؤون التركية إلى عوامل داخلية، منها تضخم سنوي تجاوز 30 بالمئة ومعدلات فائدة مرتفعة وضغوط على الليرة، مما جعل أي حرب جديدة مكلفة سياسياً واقتصادياً. ويضيف هؤلاء أنه سياسياً، بينما يتقدم مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني عبر نزع السلاح وإصلاحات قانونية، فإن تركيا شديدة الحذر من انخراط يستنزف الميزانية ويشتت الانتباه عن الملفات الداخلية الأقرب والإقليمية في سوريا والعراق. وتخلص التحليلات إلى أن أنقرة تراهن على الانتظار والتوسط والدعم الدفاعي المحدود بدل المواجهة المباشرة التي قد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد.
خلاصة:
– تخشى تركيا الانخراط العسكري المباشر في اليمن بعد توقيع اتفاق مكة، وتعتبر الحرب البرية هناك خطأ يستنزف مواردها دون مكاسب واضحة. وتراهن أنقرة على الانتظار حتى تتضح ملامح الصراع، لأن الاتفاقية لم تُصادق عليها بعد في البرلمان التركي، ولم يصدر طلب سعودي رسمي بتفعيل بند الدفاع المشترك. واقتصر موقفها العملي على الإدانة الشديدة للهجمات الحوثية على السعودية، خاصة محاولة استهداف مكة، مع التأكيد على دعم سيادة الرياض ووحدة أراضيها.
– تفضل تركيا تقديم دعم دفاعي محدود محتمل، مثل طائرات ومشغلين وفنيين بعد التصديق المتوقع في أكتوبر، دون إرسال قوات برية إلى اليمن. وهي ترى في الوساطة أفقاً أوسع من المواجهة، مستفيدة من عدم تصنيفها الحوثيين منظمة إرهابية ومن وجود جالية يمنية وروابط يمكن استخدامها لنقل الرسائل. وتدعم الشرعية اليمنية ووحدة البلاد وترفض التقسيم، لكنها تتعامل مع اليمن كساحة ثانوية لا تهدد مصالحها المباشرة.
– توازن انقرة حساباتها مع إيران على أساس تنافس دون عداوة، رافضة انهيار طهران خوفاً من اللاجئين والاضطراب الحدودي. وتأخذ في الاعتبار علاقاتها مع روسيا والصين والولايات المتحدة وإسرائيل، فتتجنب فتح جبهة إضافية تعقّد توازنها الإقليمي والدولي. كما دفعت الظروف الداخلية، من تضخم يتجاوز 30 بالمئة وتقدم مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني، نحو الحذر من أي حرب جديدة مكلفة.