هل بدأت حرب إسرائيل الكبرى ضد لبنان؟

ورقة سياسات:

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

الملخص التنفيذي:
• تأخذ الحرب طابعاً برياً واسعاً قد يتجاوز المناطق الحدودية إلى أعماق محسوبة.
• ترتبط قيود الحملة بأكلافها العسكرية بالنسبة لإسرائيل، لا سيما ارتفاع خسائرها البشرية جراء الالتحام البري.
• يبقى توسّع الحملة رهن السقف الذي تضعه واشنطن، بما لا يضر بجهودها لإنجاح التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.
• للحرب علاقة مباشرة بالحرب في إيران، مع احتمال توسّعها في لبنان إذا ما توقفت العمليات في إيران.

تقديم:
تشير التطورات الأخيرة إلى انتقال جبهة لبنان، في العرف العسكري الإسرائيلي، من “جبهة ثانوية” إلى مستوى أعلى قد يتحوّل إلى “جبهة رئيسية”، سواء بالتوازي مع الحرب على إيران أو في حال توقفها. ويعكس هذا التحول إعادة تموضع في أولويات المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، بما يتجاوز إدارة الاحتكاك المحدود إلى التفكير في إعادة صياغة قواعد الاشتباك.
وتطرح هذه التحولات أسئلة مركزية حول الدوافع المستجدة في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي والأميركي، ومدى اتساع الحرب في لبنان، بالنظر إلى القيود الدولية، وفي ضوء عرض الدولة اللبنانية خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل. كما تفتح الباب أمام تقييم العلاقة بين المسار الميداني والاعتبارات السياسية الداخلية والإقليمية التي تحكم هذا التصعيد.

الدوافع الإسرائيلية:
تشهد الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية تصعيداً عسكرياً متسارعاً منذ بداية مارس/آذار 2026، في سياق الحرب الأوسع التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وذلك بعد فترة هدوء نسبي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، احتفظت خلالها إسرائيل بخمس نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية جنوب الليطاني، مع استمرار الغارات الجوية شبه اليومية لمنع إعادة بناء قدرات حزب الله.
ولا يقتصر هذا التصعيد على اعتبارات أمنية ميدانية، بل يتقاطع مع حسابات داخلية إسرائيلية ضاغطة، حيث يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إدارة توازنات ائتلافه الحكومي اليميني، الذي يدفع باتجاه توسيع العمليات العسكرية وتحقيق إنجازات ملموسة على الجبهة الشمالية، في ظل انتقادات متصاعدة لأداء الحكومة في إدارة الحرب متعددة الجبهات. وفي هذا السياق، يشكّل التصعيد في لبنان أداة لإعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلية واحتواء الضغوط السياسية والشعبية، بما يعزز موقع نتنياهو ويؤجل الاستحقاقات السياسية المرتبطة بمستقبله.

ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا التصعيد بوصفه جزءاً من محاولة إسرائيل إعادة ضبط بيئة الردع الإقليمي بعد اهتزازها منذ حرب غزة، ونقل مركز الثقل من الدفاع إلى المبادرة الهجومية على الجبهة الشمالية.
وفي هذا السياق التصاعدي، سُجّلت التطورات التالية:
• في 22 مارس/آذار 2026، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير توسيع العمليات البرية المستهدفة في لبنان ضد حزب الله، مشيراً إلى أن الهجوم لا يزال في مراحله الأولى، مع استمرار الضربات على أهداف مثل جسر القاسمية فوق نهر الليطاني.
• في 21 مارس، نفذ الجيش الإسرائيلي غارات على أهداف لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد إصدار أوامر إخلاء لسبعة أحياء، وسط تقارير عن استمرار النزوح الجماعي الذي تجاوز المليون نازح لبناني.
• في 20 مارس، أفادت تقارير بضربات إسرائيلية مكثفة على بنى تحتية لحزب الله في بيروت وجنوب لبنان، مع إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف أكثر من 500 هدف منذ بداية التصعيد.
• في 18 مارس، أعلن الجيش الإسرائيلي دفع قوات إضافية إلى الحدود وتعبئة الاحتياط، مع التركيز على إنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني.
• في 16 مارس، بدأت عمليات برية محدودة ومستهدفة في جنوب لبنان، شملت تقدماً في مناطق مثل الخيام وقنطرة والسوانا، بمشاركة وحدات من الفرقة 91 وغيرها، مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الهدف هو “إزالة التهديدات وحماية سكان الجليل والشمال”، ووصف العملية بأنها مشابهة لما حدث في رفح وغزة.
• في 14 مارس، كشفت تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية عن خطط إسرائيلية لعملية برية واسعة النطاق تهدف إلى السيطرة على كامل المنطقة جنوب نهر الليطاني، وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، مع نقل قوات برية وتدمير مواقع ومستودعات أسلحة في القرى.
• في 3 مارس، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لأكثر من 50 قرية، مع تقدم قوات برية محدود داخل الأراضي اللبنانية، رداً على إطلاق حزب الله صواريخ بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

تشير هذه التطورات المتراكمة إلى انتقال تدريجي من نمط العمليات المحدودة إلى نمط حملة عسكرية منظمة، بما يعكس وجود قرار سياسي–عسكري بالتصعيد المنهجي، وليس مجرد ردود فعل تكتيكية ظرفية.
وتؤكد تقارير صحفية ودبلوماسية أن القيادة الإسرائيلية أقرت خطة لعملية برية كبرى هدفها السيطرة على كامل المنطقة جنوب نهر الليطاني، بوصفها أكبر عملية منذ عام 2006، مع حشد ثلاث فرق مدرعة ومشاة على الحدود وتعزيز الاحتياط استعداداً للتوغل.
وتقوم دوافع إسرائيل على مستويين متكاملين:
الدوافع قصيرة الأجل:
1. إبعاد تهديد الصواريخ عن الجليل عبر نقل خطوط إطلاق النار شمال الليطاني، وتقليل استنزاف الجبهة الداخلية في الشمال وطمأنة المستوطنين المهجرين.
2. استثمار اللحظة الإقليمية، إذ ترى إسرائيل أن انخراط حزب الله في الحرب إلى جانب إيران يوفر “شرعية سياسية” أوسع لتوجيه ضربة كبيرة له، في ظل خطاب غربي حمّل الحزب مسؤولية التصعيد واعتبر تدخله مع إيران “خطراً على الأمن الإقليمي”.
3. تحسين شروط أي وقف إطلاق نار عبر نقل المعركة إلى العمق اللبناني وتكبيد حزب الله والبيئة الحاضنة كلفة بشرية ومادية عالية، أملاً في فرض ترتيبات أمنية أقرب إلى نزع سلاح الحزب جنوب الليطاني أو تحييده فعلياً.

الدوافع بعيدة الأجل:
1. إعادة هندسة جنوب لبنان، كما يشير نمط القصف الكثيف والتهجير واسع النطاق، بما يعكس محاولة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والسياسية في الجنوب، وفصل حزب الله عن مجتمعه وخلق بيئة أكثر قابلية لترتيبات أمنية جديدة.
2. تعديل قواعد ما بعد حرب 2006، بحيث تسعى إسرائيل إلى تجاوز قيود القرار 1701 عملياً، عبر فرض منطقة أمنية جديدة تمتد حتى الليطاني، مع وجود عسكري مباشر أو سيطرة غير مباشرة عبر ترتيبات مع الجيش اللبناني وقوات دولية.
3. إضعاف الذراع الأهم لإيران في المشرق وتحجيم قدراته الصاروخية، بما يقلص قدرة طهران على الردع الإقليمي في أي مواجهة لاحقة.

العمليات البرية وحدودها:
تشير التوقعات إلى أن الحملة البرية قد تكون واسعة النطاق، لكنها ليست مفتوحة بالكامل زمانياً أو مكانياً. والهدف المعلن يتمثل في:
1. السيطرة على المنطقة جنوب الليطاني (حوالي ثلث جنوب لبنان).
2. إقامة منطقة عازلة دائمة.
3. تفكيك البنية العسكرية لحزب الله عبر احتلال مواقع استراتيجية وتدمير مستودعات الأسلحة.
وقد بدأت العملية بشكل محدود (تقدم في قرى حدودية)، لكن الخطط تشمل تعزيزات كبيرة وإمكانية التوسع إلى عمق أكبر. ويرجح مراقبون أن يبقى الليطاني سقفاً جغرافياً معلناً للعملية، مع تجنب احتلال بيروت أو مناطق بعيدة، مقابل استمرار الضربات الجوية على الضاحية والبقاع.
ويعكس هذا التصور العملياتي محاولة لتحقيق توازن دقيق بين توسيع نطاق السيطرة الميدانية وتجنب الانزلاق إلى احتلال شامل مرتفع الكلفة. وتكمن التحديات الرئيسية في مقاومة حزب الله المستمرة، والتكلفة البشرية والسياسية لاحتلال طويل الأمد.

الدور الأميركي والدولي:
ترتبط حدود العملية الإسرائيلية بموقف واشنطن ومدى دعمها لها. إذ تؤكد إدارة ترامب حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وتفكيك حزب الله بوصفه وكيلاً إيرانياً، ولم تظهر تحفظاً على استهداف الحزب، خصوصاً جنوب الليطاني والبقاع.
مع ذلك، تشير معلومات متداولة في بيروت إلى أن واشنطن لا تزال تضع قيوداً على استهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية، لا سيما مطار بيروت.
كما تتقاطع الولايات المتحدة مع إسرائيل في الضغط على لبنان لنزع سلاح حزب الله، وتدعم مسار التفاوض المباشر. أما فرنسا، فتقترح خطة تشمل نزع السلاح، والاعتراف بإسرائيل، ومفاوضات مباشرة، مع التحذير من أن تحقيق ذلك تحت القصف غير واقعي. ويُظهر هذا التباين النسبي بين المقاربات الغربية توازناً بين دعم العمليات العسكرية والسعي إلى احتواء تداعياتها السياسية.

علاقة حرب إيران بحرب لبنان:
ترتبط الحرب في لبنان ارتباطاً وثيقاً بالحرب على إيران، حيث دخل حزب الله المواجهة رداً على اغتيال خامنئي، ما جعل لبنان جبهة ثانية في الصراع.
وتشير التحليلات إلى:
1. أن انفجار الجبهة اللبنانية ليس حدثاً مستقلاً، بل امتداد مباشر للحرب مع إيران.
2. أن أي وقف لإطلاق النار في إيران سينعكس مباشرة على مستوى التصعيد في لبنان.
3. أن إسرائيل قد تسعى لاستكمال أهدافها في لبنان في حال توقف الحرب مع إيران.
4. أن لبنان قد يكون ساحة رئيسية لترجمة أي تفاهم إقليمي حول أذرع إيران.
ويعني ذلك أن الجبهة اللبنانية لا تُقرأ فقط ضمن سياقها المحلي، بل ضمن معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها اعتبارات الردع، والتفاوض، وإعادة ترتيب موازين القوى.

خلاصة واستنتاجات:
**تباشر إسرائيل، في سياق الحرب على إيران، إعادة تفعيل جبهة لبنان كمسار موازٍ أو بديل، بما يعكس انتقالها من إدارة اشتباك محدود إلى محاولة فرض معادلة ميدانية جديدة مع حزب الله، في إطار إعادة ترتيب أولوياتها الجيوعسكرية.
**تتخذ الحملة طابعاً برياً متدرجاً، مرشحاً للتوسع إلى أعماق محسوبة جنوب الليطاني، في إطار سعي إسرائيلي لتغيير قواعد الاشتباك القائمة منذ عام 2006، دون الانخراط في احتلال شامل مفتوح.
**لا تقتصر أهداف الحملة على البعد العسكري المباشر، بل تشمل إضعاف حزب الله بوصفه الذراع الإقليمية الأهم لإيران، والسعي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسكانية في الجنوب بما يحدّ من قدرته على إعادة التموضع مستقبلاً.
**يتقاطع هذا التصعيد مع اعتبارات داخلية إسرائيلية ضاغطة، حيث يوظّف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسار الحرب لتعزيز تماسك ائتلافه الحكومي وامتصاص الضغوط السياسية والشعبية، من خلال السعي إلى تحقيق إنجازات ميدانية تعيد ترميم صورة الردع وتؤجل استحقاقات المساءلة الداخلية.
**في المقابل، تواجه العملية البرية قيوداً بنيوية تتعلق بالكلفة البشرية واحتمالات الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، في ظل قدرة حزب الله على القتال غير المتكافئ واستنزاف القوات المتقدمة.
**يبقى نطاق التوسع وحدوده مرهوناً بالسقف الأميركي، حيث تدعم واشنطن العمليات ضد الحزب، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى ضبطها بما لا يؤدي إلى انهيار الدولة اللبنانية أو تقويض مسار التفاوض المباشر.
**ترتبط ديناميات الحرب في لبنان ارتباطاً عضوياً بمآلات الحرب على إيران، إذ قد يؤدي استمرارها إلى إبقاء الجبهة اللبنانية ضمن إطار الضغط المتبادل، فيما قد يدفع توقفها إسرائيل إلى تكثيف عملياتها في لبنان لاستكمال أهدافها قبل أي تسوية إقليمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.