هل أقنع نتنياهو ترامب فعلاً بإرجاء ضرب إيران؟:

قراءة في تضارب الروايات وأولويات القرار الأميركي

أمير مخول، مركز تقدم للسياسات

تقدير موقف:
تقديم: أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 16 كانون الثاني/يناير، أنه لم يتأثر بأي طرف في قراره بعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران، مؤكداً بالقول “لم يُقنعني أحد، لقد أقنعت نفسي بنفسي”. جاء هذا التصريح بعد أيام من تسريبات صادرة عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، سعت إلى ترسيخ انطباع مفاده أن نتنياهو هو من أوعز إلى ترامب بتأجيل الحرب، وأن الرئيس الأميركي اقتنع بوجهة النظر الإسرائيلية.
هذا التناقض بين الرواية الأميركية المعلنة والرواية الإسرائيلية المسرّبة يفتح باب التساؤل حول حقيقة ما جرى: هل نحن أمام قرار أميركي نابع من حسابات ذاتية وأولويات استراتيجية أوسع، أم أمام محاولة إسرائيلية لتوظيف الموقف الأميركي في سياق داخلي وانتخابي؟ وهل فعلاً يمتلك نتنياهو القدرة على توجيه قرار الحرب والسلم في واشنطن، أم أن ما يجري لا يتجاوز معركة انطباعات مدروسة؟

التحليل:
أولاً: الموقف الأميركي بين التهدئة المشروطة والمناورة التفاوضية:

تشير تقديرات صدرت عن إدارة ترامب إلى أن أفق التفاوض مع إيران لا يزال قائماً، وأن الرئيس الأميركي يعزو إلى نفسه قدرة شخصية على التأثير في سلوك النظام الإيراني، بما في ذلك ما وصفه بـ”وقف الإعدامات” والتزام طهران بذلك. في المقابل، تتقاطع التقديرات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية مع ما يرشح عن القيادة الإيرانية، لجهة أن موجة الاحتجاجات في الداخل الإيراني تتجه نحو التراجع أو الكبح، ما يقلل من فرضية الانهيار السريع للنظام.
يعزز هذا السياق فرضية أن واشنطن لا ترى في اللحظة الراهنة ضرورة لاندفاع عسكري واسع، بقدر ما تسعى إلى تحسين موقعها التفاوضي مع إيران، سواء في الملف النووي، أو في منظومة العقوبات، أو في محاولة فك الارتباط الإيراني شبه المطلق بمحوري الصين وروسيا.

ثانياً: الرسائل الإسرائيلية وحدود القوة الذاتية:

بموازاة ذلك، قام رئيس جهاز الموساد دافيد برنيع بزيارة خاطفة إلى واشنطن، شملت لقاءات مع ستيف ويتكوف ومسؤولين آخرين في إدارة ترامب. تحمل هذه الزيارة رسالة مركزية مفادها أن إسقاط النظام الإيراني ليس سيناريو سريعاً ولا ممكناً من دون حرب طويلة ومفتوحة، وهي معركة تعجز إسرائيل عن خوضها أو حسمها منفردة، وتحتاج فيها إلى تدخل الدولة العظمى الأميركية.
في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل أن المواقف العربية والإقليمية، الرافضة بشدة لأي حرب أميركية على إيران، تشكل عاملاً ضاغطاً على القرار الأميركي، لما تحمله مثل هذه الحرب من تداعيات إقليمية واسعة وغير قابلة للاحتواء.

ثالثاً: القلق الإسرائيلي من حرب أميركية لا يمكن التحكم بمآلاتها:

على نحو مفارق، تسربت إلى الإعلام الأميركي تقديرات تفيد بأن إسرائيل قلقة من اندلاع حرب أميركية على إيران، خشية رد إيراني مباشر أو غير مباشر يستهدف العمق الإسرائيلي. ورغم نفي ترامب لهذه المخاوف، وتشديده على أن الأولويات الأميركية هي الحاسمة، إلا أن هذا القلق يعكس إدراكاً إسرائيلياً لحدود الجاهزية الدفاعية، خصوصاً في مواجهة سيناريو صاروخي إيراني واسع النطاق.

رابعاً: الرهان الإعلامي على “البديل” الإيراني وصناعة الوهم

إعلامياً، راهنت إسرائيل على رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني المخلوع والمقيم في الولايات المتحدة، بوصفه “الحاكم القادم” لطهران. جرى الترويج لمواقفه الداعية إلى تفكيك المشروع النووي الإيراني- الذي بدأ أساساً في عهد الشاه وبدعم تقني إسرائيلي- وإلى إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل. وسعت وسائل الإعلام إلى ترسيخ انطباع بأن نهاية النظام الإيراني باتت فورية، وأن ترامب يتحرك وفق أولويات نتنياهو.
ترافق ذلك مع خطاب مكثف عن “الفرصة الذهبية” لإسقاط النظام، باعتباره الشرط الحاسم لمنع المشروعين النووي والصاروخي، ومع تحسن ملحوظ في قيمة الشيكل الإسرائيلي. كما روّج الإعلام الإسرائيلي لانطباع مفاده أن سيناريو “اختطاف” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد يتكرر مع المرشد الإيراني، في تجاهل واضح لتعقيدات السياق الإيراني وحدود القوة الأميركية ذاتها.

خامساً: نتنياهو والانتخابات… سياسة الانطباع قبل الواقع:

ينشغل نتنياهو في معركته الانتخابية الداخلية، ويسعى إلى كسبها بأي ثمن، بما في ذلك إغلاق ملفاته الجنائية أمام القضاء الإسرائيلي. وتمثل حرب أميركية على إيران ذروة تطلعاته الراهنة، إذ يراها ورقة انتصار إقليمي وانتخابي حاسمة. في هذا السياق، يتقن نتنياهو إدارة الانطباعات، مقدماً نفسه أمام الرأي العام الإسرائيلي بوصفه القائد المنتصر في جميع الجبهات.
في الملف الإيراني تحديداً، يحظى نتنياهو بإجماع سياسي إسرائيلي نادر، يسمح له بالهروب من إخفاقات حرب غزة، ومن تداعيات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومن المطالبات بتشكيل لجنة تحقيق، فضلاً عن محاكمته.

سادساً: من التصعيد إلى الإذعان… وتسويق التراجع كنصر:

يشبه المشهد الحالي ما جرى عند الانتقال من خطاب “النصر القريب” والتصعيد في غزة، و”عربات جدعون 2″، إلى القبول بخطة ترامب لوقف الحرب. آنذاك، قدّم نتنياهو التراجع على أنه “الانتصار الكبير”، نافياً عملياً كل تصريحاته السابقة، ومسوقاً الإذعان للأولويات الأميركية بوصفه إنجازاً شخصياً ودليلاً على قوته.
غير أن هذا الخطاب يتناقض مع تقديرات تشير إلى أن الدفاعات الجوية والبرية الإسرائيلية غير جاهزة للتعامل مع رد إيراني واسع، وهو ما يتعارض مع مزاعم نتنياهو بأن سلاح الجو الإسرائيلي قد قوّض القدرات الإيرانية خلال المواجهات السابقة.

الخلاصات
** يحتاج نتنياهو، في سياق معركته الانتخابية، إلى خلق انطباع بأن قرار الإدارة الأميركية بإرجاء أو إلغاء الحرب على إيران جاء نتيجة لضغوطه وتأثيره المباشر، في حين تشير مؤشرات متعددة إلى أن الإرجاء نابع من تقديرات الإدارة الأميركية وأولوياتها الاستراتيجية، وليس من إلحاح إسرائيلي حاسم.
** تشكل زيارة رئيس الموساد إلى واشنطن مؤشراً على وجود إجماع قومي إسرائيلي يدفع باتجاه حرب أميركية طويلة الأمد على إيران بهدف إسقاط نظامها، وهو ما ينطوي على اعتراف ضمني بعدم قدرة إسرائيل على تنفيذ هذا السيناريو منفردة، خلافاً للخطاب التصعيدي العلني لنتنياهو.
** تلعب الاصطفافات الإقليمية، ومواقف الدول العربية الرافضة للحرب الأميركية على إيران، دوراً مؤثراً في صياغة الأولويات الأميركية، يفوق في وزنه محاولات نتنياهو دفع واشنطن نحو المواجهة العسكرية.
** بخلاف الانطباع الذي روّجت له حكومة نتنياهو عقب العدوان الأميركي على فنزويلا، فإن سلوك نتنياهو في الملف الإيراني يعكس إدراكاً لحدود القوة وعدم ضمان تكرار هذا النموذج، سواء في إيران أو في غيرها.
** إن تراجع ترامب المعلن عن خيار الحرب الفورية على إيران لا يمكن اعتباره موقفاً ثابتاً أو موثوقاً، في ظل طبيعة نهجه المتقلبة، واحتمال تغلّب تيار التصعيد والهيمنة داخل إدارته، ما يعني أن ملف الحرب، كما ملف التفاوض القسري، لا يزالان مفتوحين.
** رغم التراجع الملحوظ في وتيرة الاحتجاجات داخل إيران، يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية ستنجح في اتخاذ خطوات أو خلق وقائع ميدانية تُجبر الولايات المتحدة على الانخراط في حرب لا ترغب بها، أو لا ترى توقيتها مناسباً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.