“هدنة باكستان”: قراءة في الوقف المؤقت للحرب ضد إيران
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات.
تقدير موقف:
تقديم: على نحو دراماتيكي وقبل ساعات من انتهاء مهلة الرئيس الأميركي المتوعدة، وافقت واشنطن وطهران على مبادرة باكستان لوقف إطلاق لمدة اسبوعين وفق قواعد وشروط والشروع بمفاوضات لإنهاء الحرب. وفيما تتبادل أطراف الصراع إعلان النصر، تتضارب لحظة بلحظة سرديات التقويم بشأن حساب الأرباح والخسائر وسط مباشرة إسرائيل حرب كبرى ضد لبنان.
في المعطيات:
-في 8 أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قبل ساعة ونصف فقط من انتهاء مهلته النهائية التي هدد فيها بـ”تدمير” إيران و”إعادة حضارة بأكملها إلى العصر الحجري” إذا لم تفتح مضيق هرمز. جاء هذا الاتفاق بعد جهود دبلوماسية مكثفة قادتها باكستان، التي لعبت دور الوسيط الرئيسي، مع دعم إقليمي من تركيا ومصر وغيرها.
يُعرف الاتفاق بـ”اتفاق إسلام آباد” المقترح، وهو يشمل وقفا فوريًا للأعمال العدائية، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن ومباشر، مع دعوة لمفاوضات في إسلام آباد يوم الجمعة 10 أبريل 2026 للوصول إلى اتفاق شامل.
-لعبت باكستان دورا محوريا كوسيط محايد نسبيا، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع كلا الطرفين. اقترح رئيس الوزراء شهباز شريف وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، ودعا إيران إلى فتح مضيق هرمز كبادرة حسن نية، بينما طلب من ترامب تمديد المهلة.
-شارك رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير في اتصالات مكثفة على مدار الليل مع المسؤولين الأمريكيين
-قدمت باكستان إطارا ثنائي المراحل: وقف فوري مع إعادة فتح المضيق، ثم مفاوضات لاتفاق شامل في إسلام آباد.
-أعلن شريف أن الهدنة تشمل “كل مكان” بما في ذلك لبنان، ورحب بالاتفاق كإنجاز دبلوماسي يخفف الضغط الاقتصادي على باكستان التي تعاني من نقص حاد في الطاقة بسبب إغلاق المضيق.
-أكد ترامب أن الولايات المتحدة حققت “جميع أهدافها العسكرية وتجاوزتها”، ووصف الاتفاق بأنه “انتصار كامل”. وافق على الاقتراح الباكستاني بشرط فتح إيران لمضيق هرمز فورا، معلنا تعليق القصف لأسبوعين. واعتبر الخطة الإيرانية ذات الـ 10 نقاط “أساسا عمليا” للتفاوض.
-يتمسك الجانب الأمريكي بأهدافه بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتقليص قدراتها الصاروخية والإقليمية (دعم الوكلاء) ، مع رفع جزئي محتمل للعقوبات مقابل تنازلات إيرانية.
-وصفت طهران الهدنة بـ”نصر كبير”، مؤكدة قبولها بشرط الالتزام بخطتها ذات الـ10 نقاط.
-أبرز ما جاء في الورقة الإيرانية ذات النقاط العشر:
. وقف دائم للحرب في إيران والعراق ولبنان واليمن.
•رفع كامل للعقوبات الدولية.
•إطلاق الأموال المجمدة.
•دفع تعويضات إعادة الإعمار.
•تنظيم مرور مضيق هرمز تحت إشراف إيراني (مع رسوم محتملة).
•ضمانات بعدم اعتداء أميركي مستقبلي.
•الحفاظ على الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
•رفض تفكيك برنامجها النووي بالكامل أو تقييد صواريخها الباليستية أو دعم وكلائها.
-تعتبر تحليلات أن واشنطن وافقت على الاتفاق تحت ضغط اقتصادي عالمي ناتج عن ارتفاع أسعار النفط وتعطيل التجارة الدولية، وخشية تصعيد يؤدي إلى خسائر أميركية أكبر أو تورط إقليمي واسع.
-تضيف التحليلات أن الاتفاق سمح لترامب بالخروج من مأزق قبل ساعة ونصف من انتهاء مهلته النهائية، مع الحفاظ على مظهر “الانتصار” بعد تحقيق أهداف عسكرية.
-ترى وجهات نظر أن إيران قبلت بالاتفاق بعد خسائر عسكرية كبيرة في منشآتها النووية والصاروخية وتأثير إغلاق المضيق على اقتصادها نفسه، مع رغبة في رفع العقوبات وإعادة الإعمار.
-تجمع الآراء على ان الوساطة الباكستانية والدعم الإقليمي لها (من خلال اجتماع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر في إسلام أباد) ساعدت في توفير مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه للطرفين.
-يعتبر مراقبون للشؤون الأميركية أن فوائد الحرب بالنسبة للولايات المتحدة تشمل:
•تدمير جزء كبير من البرنامج النووي والصاروخي الإيراني.
•إضعاف قدرات إيران البحرية.
•ردع الوكلاء الإقليميين.
-تشمل الخسائر الأميركية:
•تكاليف مالية باهظة.
•ارتفاع أسعار الطاقة الذي يضر بالاقتصاد العالمي والأميركي بشكل غير مباشر.
•توتر مع بعض الحلفاء لاسيما في أوروبا وداخل حلف الناتو.
•انتقادات داخلية من قبل المعارضين (الحزب الديمقراطي) كما من داخل الحزب الجمهوري.
-ترى مصادر متابعة للشؤون الإيرانية أن فوائد الحرب تتمثل في:
•إظهار الصمود رغم الضربات الشديدة.
•إثارة ضغط عالمي من خلال إغلاق المضيق.
•تعزيز الدعم الداخلي والإقليمي (لاسيما ما أثارته الحرب من جدل عربي-عربي)
•يقدم الاتفاق كـ”نصر” دبلوماسي، مع إمكانية رفع العقوبات وتعويضات.
أما الخسائر فتشمل:
•دمارا واسعا في البنى التحتية النووية والصاروخية.
•خسائر بشرية واسعة.
•انهيارا اقتصاديا مؤقتا.
•عزلة إقليمية جزئية إثر استهدافها لدول في المحيط ما قد يعطّل ترميم ما تصدّع في الأجل القصير.
•احتمال أن يفرض الاتفاق تنازلات نووية وصاروخية وملفات أخرى محتملة.
-يُنظر إلى الاتفاق على أنه “هدنة هشة” لا تنهي الصراع جذريا. ويستفيد الطرفان من وقف النزيف المباشر، لكن الخسائر الاقتصادية العالمية (ارتفاع أسعار النفط وتعطيل الشحن) تفوق الفوائد العسكرية في كثير من التحليلات.
-تقول مصادر أن الحرب أثبتت أنها “لا رابح فيها” على المدى الطويل، إذ تعزز التوترات الإقليمية وتدفع نحو سباق تسلح أو مفاوضات صعبة.
-تضيف أن مفاوضات إسلام آباد المقبلة (ابتداء من 10 أبريل 2026) قد تحدد ما إذا كان الاتفاق مقدمة لسلام دائم أم مجرد تأجيل لجولة جديدة من التصعيد.
خلاصة:
**رغم تبادل التصريحات في واشنطن وطهران حول الزعم بالنصر في الحرب الأخيرة، إلا أن الثابت أن الولايات المتحدة قد فشلت في الحرب في حسم ملفات الخلاف ما يعزّز موقف إيران في المفاوضات المقبلة.
**رغم تأكيد إيران “انتصارها”، إلا أنها أصيبت بتصدعات قيادية وبشرية وعسكرية واقتصادية وسياسية قد تجبرها على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
**من غير المعروف ما إذا كان قبول طهران بوقف إطلاق النار، وليس وقف الحرب كما كانت تصرّ، هو نتاج براغماتية تنتهجها القيادة في إيران أو حاجة لالتقاط الأنفاس قبل جولة جديدة محتملة.
**رغم تسويق ترامب للانتصار، إلا أن طاولة المفاوضات في إسلام أباد ستحكم على مدى قدرة واشنطن على انتزاع ما رفضته طهران قبل الحرب بشأن برامجها النووية والصاروخية وأنشطتها الإقليمية.
**أمام واشنطن ورشة لإعادة قراءة علاقاتها الغربية لا سيما مع الناتو والحلف الأطلسي.
**تفرض نتائج الحرب مقاربة واشنطن لهيبتها وصورتها الدولية في إدارتها للصراع الدولي لا سيما مع الصين.
** قيام إسرائيل مباشرة عملية عسكرية كبرى في لبنان بعد ساعات من الهدنة مع إيران، تكشف عدم شمول لبنان داخل اتفاق باكستان (بموافقة واشنطن).
**قد يطرح الاحتمال المرجح بعدم تدخل إيران لنجدة حزب الله في لبنان احتراما للهدنة مجددا ارتهان الأذرع لقرار طهران وليس العكس.
**لا توحي الهدنة الهشة بنهاية الحرب، ولا تضمن نجاح المفاوضات، وقد تكون أعادة تموضع عسكري وسياسي (متعددة الاطراف) لجولة جديدة.
**قد تؤسس هذا الحرب لقواعد جديد في العلاقات الإقليمية والدولية من دون أن ترقى إلى حدود التغير في النظام الدولي.