نهاية معركة الفاشر: هل تقود المدينة نحو السلام والمصالحة في السودان ؟
ملخص ورقة سياسات
ياسر عرمان – مركز تقدّم للسياسات
تشرين الأول / أكتوبر 2025
الملخص التنفيذي:
تمثّل معركة الفاشر إحدى أكثر المحطات تعقيدًا في الحرب السودانية الجارية منذ أبريل 2023، إذ تحوّلت من مواجهة عسكرية محدودة إلى حربٍ مجتمعية ذات أبعاد سياسية وإنسانية عميقة. خلّفت المعركة دمارًا واسعًا في المدينة التي تُعدّ رمزًا للتنوّع الدارفوري والسوداني، كما كشفت هشاشة البنية المدنية، وأعادت طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن تكون نهاية معركة الفاشر بدايةً لمسار سلامٍ ومصالحة حقيقية في السودان؟
تستعرض هذه الورقة الخلفيات التاريخية والسياسية للمعركة، وتحلّل آثارها الاجتماعية، وتقدّم في الختام مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تسهم في تحويل وقف القتال إلى عملية مصالحة محلية ووطنية مستدامة.
الخلفية :
تُعدّ الفاشر واحدة من أقدم المدن السودانية وأكثرها رمزية في وجدان دارفور والسودان ككل. وقد شكّلت تاريخيًا مركزًا للتنوع الإثني والثقافي، ونقطة التقاء للتجارة والطرق القديمة التي تربط الإقليم ببقية البلاد.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحوّلت الفاشر إلى ساحة مواجهة طويلة استمرّت شهورًا، لتصبح — بحسب المراقبين — أطول المعارك الحضرية في تاريخ السودان الحديث منذ أحداث توريت عام 1955.
تميّزت المعركة بحدة القتال وبانخراط مجموعات محلية من الطرفين، ما جعلها تتجاوز البعد العسكري إلى مواجهة مجتمعية تهدّد بتفكك النسيج الاجتماعي. فبينما أظهرت قوات الطرفين قدرًا من الصمود والشجاعة، كان المدنيون — لا سيّما النساء والأطفال وكبار السن — الضحايا الأكبر.
أدّى القصف الجوي والاشتباكات المتكررة إلى تدمير البنية التحتية، وتعطيل شبكات المياه والكهرباء، وإغلاق المستشفيات، ما جعل المدينة رمزًا للمعاناة الإنسانية في دارفور.
الآثار الإنسانية والاجتماعية:
تكشف معركة الفاشر عن طبيعة الحرب في السودان بوصفها حربًا هجينة تمزج بين العسكري والمجتمعي. فقد اتّسع نطاقها ليشمل المكونات المحلية كافة، وأدّت إلى تآكل الثقة بين المجتمعات التي لطالما شكّلت نموذجًا للتعايش في دارفور.
خسرت المدينة جزءًا كبيرًا من نسيجها الاجتماعي، وبرزت مظاهر النزوح الجماعي إلى أطراف المدينة وإلى ولايات أخرى. كما تعرّضت الممتلكات العامة والخاصة للدمار، وتراجعت الخدمات الأساسية إلى أدنى مستوياتها.
تمثّل هذه الخسائر تحديًا مزدوجًا: إعادة الإعمار المادي من جهة، واستعادة الثقة المجتمعية من جهة أخرى. فالدمار لا يقتصر على المباني، بل يمتد إلى العلاقات بين المجموعات المحلية التي حمل بعضها السلاح إلى جانب أحد الطرفين.
تؤكد الوقائع أن إعادة بناء الفاشر تتطلّب مقاربة اجتماعية شاملة تُعيد للمجتمع المدني دوره المركزي في المصالحة المحلية، وتضع برامج لإعادة الإدماج وعودة النازحين، بإشراف وطني ومدني مستقل.
الدلالات السياسية للمعركة:
• من الناحية السياسية، كشفت معركة الفاشر عن المأزق البنيوي للحرب السودانية: غياب مشروع وطني جامع، واستبدال الأجندة السياسية بصراع نفوذ بين مراكز القوى العسكرية.
• أظهرت المعركة أيضًا أن النصر العسكري في مدينة لا يعني حسم الحرب، وأن الانتصار الحقيقي هو ذاك الذي يُستثمر في بناء السلام والوحدة. فكلّ طرفٍ أعلن انتصاره العسكري، لكنّ الثمن الإنساني كان أكبر من أي مكسب ميداني.
• أبرزت المعركة الحاجة إلى خطابٍ وطني جديد يقوم على المصالحة لا الإقصاء، وعلى احترام المدنيين كركيزة للشرعية السياسية، وليس كأداة تعبئة أو عقاب. إنّ استخدام الانتصارات العسكرية لتمجيد الذات أو لتوسيع الاستقطاب الإثني لا يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الحرب بأشكال جديدة.
مسارات السلام والمصالحة:
تفتح نهاية معركة الفاشر نافذة محدودة — لكنها حقيقية — لإطلاق مسار سلامٍ محلي يمكن أن يشكّل نموذجًا يُحتذى في بقية المناطق السودانية. ويتطلّب ذلك جملة من الإجراءات المتدرجة:
• وقف دائم لإطلاق النار في المدينة وضواحيها بإشراف لجنة مراقبة مشتركة تضم ممثلين عن الطرفين، والسلطات المدنية، والاتحاد الأفريقي.
• إخلاء المدينة من جميع القوات العسكرية، بما في ذلك وحدات الدعم السريع والجيش، ونقلها إلى مواقع متفق عليها خارج المناطق السكنية.
• تشكيل إدارة مدنية انتقالية من أبناء الفاشر بموافقة الأطراف، تتولّى إدارة الخدمات وإعادة الإعمار الأولي، وتشرف على الممرات الإنسانية.
• تسهيل دخول منظمات العون الإنساني وفتح الممرات الآمنة تحت إشراف الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوداني.
• إطلاق عملية مصالحة محلية تشمل القيادات الأهلية والدينية ومنظمات المجتمع المدني، على أن تُعقد برعاية وطنية لا تخضع للوصاية السياسية أو الحزبية.
• إرساء آليات للمساءلة والعدالة الانتقالية لضمان معالجة الانتهاكات ومنع تكرارها، مع التركيز على حماية الأسرى والمدنيين.
الخاتمة والتوصيات السياسية
تخلص الورقة إلى أن نهاية معركة الفاشر يجب ألّا تُقرأ كحدثٍ عسكري فحسب، بل كبدايةٍ لإعادة تعريف علاقة المركز بالأقاليم وبناء دولة سودانية جديدة تقوم على المواطنة والمصالحة.
يتطلّب تحقيق ذلك انتقالًا حقيقيًا من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن منطق السيطرة إلى منطق الشراكة.
وتوصي الورقة بما يلي:
• على الطرفين المتحاربين: الالتزام بوقف فوري وشامل للعمليات العسكرية في المدن، وتقديم ضمانات مكتوبة لحماية المدنيين.
• على القوى المدنية والسياسية: دعم الإدارة المحلية في الفاشر ومساندة جهود المصالحة، بعيدًا عن الاستقطاب الحزبي.
• على المجتمع الدولي: توجيه الجهود نحو تمويل برامج إعادة الإعمار العاجل وتمكين المنظمات المحلية، بدل الاكتفاء بالمساعدات الطارئة.
• على منظمات حقوق الإنسان: توثيق الانتهاكات ومتابعة قضايا العدالة الانتقالية لتجنّب الإفلات من العقاب.
إنّ معركة الفاشر، رغم قسوتها، قد تشكّل نقطة تحوّل في الوعي الوطني السوداني إذا استُثمرت نتائجها في تأسيس مسار مصالحة شامل يعيد للسودان روحه ولدارفور سلامها المفقود.
فالحروب لا تنتهي حين يسكت السلاح، بل حين تتصالح المجتمعات مع ذواتها وتؤمن أن العدالة والسلام هما النصر الحقيقي.