نذير حرب كبرى بين أفغانستان وباكستان: الخلفية والتداعيات
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف
يشهد التوتر بين باكستان وأفغانستان تصعيدًا دوريًا يستند إلى جذور تاريخية وأمنية عميقة، أبرزها الخلاف حول خط دوراند الذي رسمته بريطانيا عام 1893 ولم تعترف به الحكومات الأفغانية المتعاقبة بوصفه حدودًا دولية نهائية. بعد عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021، راهنت إسلام آباد على شراكة أمنية مستقرة، غير أن تصاعد هجمات حركة طالبان باكستان انطلاقًا من الأراضي الأفغانية أعاد العلاقة إلى مربع الشكوك والاتهامات المتبادلة. ترى باكستان أن كابول لم تفِ بتعهداتها بكبح الجماعات المسلحة المعادية لها، بينما تعتبر طالبان أن الضربات والضغوط الباكستانية تمس السيادة الأفغانية. يتداخل في الأزمة عاملان إضافيان: هشاشة الوضع الداخلي في باكستان وحاجة قيادتها لإظهار الحزم أمنيًا، مقابل سعي طالبان لتثبيت شرعيتها الداخلية وعدم الظهور كطرف خاضع للضغوط الخارجية. بذلك، يتحول النزاع إلى مزيج من إشكالية حدود تاريخية وصراع أمني عابر للحدود وحسابات سياسية داخلية، ما يجعله قابلًا للتصعيد المتكرر دون أن يصل بالضرورة إلى حرب شاملة طويلة الأمد. يناقش المراقبون الحوافز الثنائية ودوافع مصالح دول كبرى في هذا الصراع.
في المعطيات:
-في 26 فبراير 2026، شنت قوات طالبان هجوما بريا ومدفعيا واسعا على مواقع عسكرية باكستانية متعددة على طول خط دوراند، خاصة في مناطق خيبر بختونخوا.
-وصفت باكستان هذه الهجمات بأنها “إطلاق نار غير مبرر” في عدة نقاط حدودية، فيما أعلنت حركة طالبان أن هذا الهجوم كان ردا مباشرا على غارات باكستانية سابقة.
-في 27 فبراير 2026، ردت باكستان بغارات جوية مكثفة ضمن عملية أطلق عليها “غضب للحق”. واستهدفت الغارات منشآت عسكرية ودفاعية تابعة لطالبان في العاصمة كابول وقندهار (معقل طالبان التاريخي) وباكتيا، وهي ولاية حدودية شرقية.
-أعلنت بيانات باكستان مقتل أكثر من 130 إلى 228 مقاتلا من طالبان وإصابة مئات، مع تدمير عشرات المنشآت والمخازن. فيما أكدت طالبان وقوع الغارات لكنها نفت الخسائر الكبيرة، وأعلنت تنفيذ ضربات مضادة بطائرات مسيرة على أهداف عسكرية باكستانية.
-في 27 فبراير 2026، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف: “لقد نفد صبرنا تماما. الآن هي حرب مفتوحة بيننا وبينكم”، مشيرا إلى أن الهجمات جاءت ردا على الهجوم الأفغاني مساء اليوم السابق، وأن “كأس الصبر قد فاض” بعد تراكم الاعتداءات.
-ردت طالبان على لسان المتحدث الرسمي ذبيح الله مجاهد الذي أكد الغارات على كابول وغيرها، ووصفها بـ”الجبانة”، معلنا أن طالبان سترد بقوة وأنها نجحت في شن هجمات مضادة بطائرات بدون طيار.
-في 21 فبراير 2026، شنت باكستان غارات على ما قالت إنها معسكرات لـ”طالبان باكستان” و”داعش ولاية خراسان” في ننغرهار وباكتيكا وخوست، ردا على هجمات إرهابية داخل باكستان شملت تفجيرات وهجمات على قوات الأمن.
-اعتبرت طالبان تلك الغارات انتهاكا، مما دفعها إلى الرد بالهجوم البري يوم 26 فبراير، ثم جاء الرد الباكستاني الجوي الكبير يوم 27 فبراير.
-يقول متخصصون في شؤون المنطقة إن التوتر بين البلدين يعود إلى:
1. رفض أفغانستان الاعتراف بخط دوراند كحدود رسمية، وهو خط رسم بين الهند البريطانية وأفغانستان ويمتد لنحو 2600 كلم، ورفضته أفغانستان تاريخيا.
2. اتهام باكستان لحكومة طالبان بإيواء جماعة “طالبان باكستان” التي تنفذ هجمات دامية داخل باكستان، سقط فيها مئات القتلى خلال 2025 و2026.
3. رفض طالبان اتخاذ إجراءات ضد “طالبان باكستان”، معتبرة الصراع شأنا باكستانيا داخليا.
4. اتهام أفغانستان باكستان بدعم الإرهاب من خلال إيواء عناصر من داعش، بحسب مزاعم كابول.
-في 8 ديسمبر 2025، وإثر اشتباكات متفرقة أدت إلى سقوط قتلى باكستانيين، أصدر قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إنذارا نهائيا لكابول قال فيه: “إما العلاقات معنا أو مع طالبان باكستان”.
-تقول مصادر متخصصة إن إيران تميل إلى دعم طالبان في أفغانستان بشكل غير مباشر بسبب مخاوف مشتركة من “داعش-ولاية خراسان”، لكنها لا تريد حربا شاملة تؤثر على تجارتها مع باكستان.
-تضيف المصادر أن الصين حليف استراتيجي لباكستان وتدعم إسلام آباد، لكنها تحث على ضبط النفس لأن عدم الاستقرار يهدد مشاريعها في المنطقة.
-يلفت مراقبون إلى أن باكستان تتهم الهند بدعم انفصاليي بلوشستان، وأن الهند تستفيد ضمنيا من إضعاف باكستان على جبهتها الغربية.
-تؤكد مصادر أميركية متابعة أن الولايات المتحدة لا تدعم أي طرف بشكل مباشر بعد الانسحاب من أفغانستان عام 2021، لكنها تراقب بحذر خشية عودة قواعد تدريب لـ “طالبان باكستان” أو داعش، وتميل إلى تأييد باكستان كحليف قديم في الحرب على الإرهاب.
-يلفت خبراء إلى أن روسيا حققت تقاربا مع نظام طالبان في أفغانستان، لكنها تتمسك بالحياد في موقفها من الصراع الباكستاني الأفغاني.
-عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وساطة بين البلدين، بما يكشف انتهاز طهران الحدث لتأكيد دورها الإقليمي وتعزيز موقفها في الصراع الحالي مع الولايات المتحدة بصفتها عامل استقرار
خلاصة:
**النزاع بين باكستان وأفغانستان لا يقتصر على اشتباكات حدودية عابرة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وخلافات حول الحدود.
**تشمل الخلافات قضايا أمنية معقدة تتصل بالجماعات المسلحة، والنفوذ الإقليمي، والمصالح الجيوسياسية الدولية.
**تقوم أسباب المواجهات في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الخلفيات التاريخية، على اتهام باكستان لأفغانستان بدعم حركة “طالبان باكستان” التي تقف وراء هجمات إرهابية داخل باكستان.
**ترفض حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان التخلي عن امتدادها الباكستاني عبر “طالبان باكستان”، وتعتبر الأمر شأنا باكستانيا داخليا.
**استمرار التوترات دون حل سياسي عميق قد يحول المنطقة إلى نقطة توتر إقليمي أشد خطورة خلال الأعوام المقبلة.
**تتخوف عواصم إقليمية ودولية من أن يتحول التصعيد بين باكستان وأفغانستان إلى حرب محدودة أو حتى شاملة.
**ترى بعض التحليلات أنه إذا استمرت الغارات الباكستانية على المدن الأفغانية الكبرى، فقد ترد طالبان بحرب عصابات واسعة النطاق داخل باكستان عبر طالبان باكستان، مما يزيد الضغط الداخلي على الجيش الباكستاني.
**تعول مصادر على احتمال تدخل وساطة دولية قوية، لا سيما من قطر وتركيا والسعودية والصين، لفرض وقف إطلاق نار جديد قد يظل هشا قابلا للانهيار.
**تتخوف دول في المنطقة من اندلاع حرب طويلة تؤدي إلى انهيار اقتصادي في البلدين ونزوح جماعي وانتشار الإرهاب، فضلا عن زعزعة التوازنات في المنطقة.
**قد يمتد النزاع إلى تدخلات غير مباشرة من دول إقليمية تساند أحد الطرفين عبر تقديم دعم استخباري أو لوجستي، مما يزيد تعقيد الوضع.
**بسبب توترات سابقة مع باكستان وبسبب مواجهة داعش/ولاية خراسان”، تدعم إيران أفغانستان، لكنها لا تؤيد حربا كبرى تعطل تجارتها مع باكستان.
**اقتراح إيران وساطتها بين البلدين من شأنه تأكيد دورها الإقليمي وتعزيز موقفها في الصراع الحالي مع الولايات المتحدة بصفتها عامل استقرار.