نتنياهو وائتلافه: إعلان نوايا بعدم قبول الانتخابات
أمير مخول، مركز تقدُّم للسياسات
تقدير موقف.
مقدمة تمهيدية:
وجّه بوعز بيسموت، رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، رسالةً إلى رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) ديفيد زيني، يطالب فيها بعقد اجتماعٍ خاص لبحث استعدادات إسرائيل لمواجهة تهديداتٍ قد تطال الحملة الانتخابية المقبلة. وإذا كانت الرسالة قد استندت في ظاهرها إلى مخاطر مألوفة، التدخل الأجنبي والحرب النفسية والهجمات السيبرانية، فإن ما استوقف الإعلام الإسرائيلي هو إقحامها لما وصفه بيسموت بـ”خطر التدخل الداخلي” الذي “قد يلحق الضرر بثقة الجمهور في العملية الديمقراطية”، في إشارةٍ صريحة إلى قرار المحكمة العليا بتجميد تعيين مراقب الدولة الموالي لنتنياهو.
تنطلق هذه الورقة من أن الرسالة تنطق باسم نتنياهو اكثر من كاتبها، وأبعد من مضمونها الأمني المعلن؛ فهي، بتوقيتها وطبيعة تعميمها، إعلان نوايا موجه إلى قاعدة اليمين والرأي العام، يمهد لعدم الاعتراف بأية نتيجة انتخابية لا تبقي نتنياهو وائتلافه في الحكم. والتقدير أن دلالاتها لا تنحصر في الشأن الإسرائيلي الداخلي، بل تمتد إلى القضية الفلسطينية بأبعادها العربية والدولية إن مضت هذه الحكومة في مشروعها.
المعطيات:
يتولّى بيسموت ، أحد قادة الليكود والموالين شخصياً لنتنياهو، رئاسة اللجنة بعد تنحية سلفه يولي إدلشتاين الذي توترت علاقته برئيس الوزراء لاعتراضه على مشروع قانونٍ يعفي الحريديم من الخدمة العسكرية. وتأتي الرسالة قبيل انتخابات عامة يجب إجراؤها في موعد أقصاه 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
أما مراقب الدولة المعني، ميخائيل رابيلو، فقد جمد تعيينه بأمر احترازي من المحكمة العليا استند إلى خلل إجرائي في تصويت الكنيست، تمثل في توثيق عدد من نواب الليكود لتصويتهم بالصورة والفيديو خرقاً لسرية الاقتراع، بتعليمات منسوبة إلى مسؤولين كبار في الحزب. وقد وصف بيسموت قرار المحكمة بـ”الحدث الخطير” المثير لمخاوف “الانزلاق نحو الهاوية”، رابطاً إياه صراحة بالانتخابات حين قال: “نتحدث اليوم عن انتخاب مراقب الدولة، وغداً عن الانتخابات العامة”.
يُذكر أن زيني يرأس الشاباك منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، وقد عُين من خارج الجهاز على أساس الولاء لنتنياهو، وأثار تعيينه التماسات أمام المحكمة العليا وتحفظاتٍ داخلية واسعة تتصل بمواقفه وتوجهاته العقائدية. وكان بمقدور بيسموت إبقاء رسالته طيّ الكتمان بوصف الشاباك منظومة سرية، غير أن تعميمها على الإعلام يكشف أن الغاية منها التأثير في الرأي العام الإسرائيلي الداخلي، وخلق أجواء محددة تخدم أهداف الائتلاف الحاكم وتمهد لما بعد الانتخابات.
التحليل:
– طبيعة الرسالة وتوقيتها
لم تتوقف الرسالة عند الأبعاد الأمنية المعتادة، التدخل الخارجي والسيبراني واحتمالات العنف أو الاغتيالات السياسية، بل تجاوزتها ليَدعو رئيس أهم لجنة برلمانية جهاز الأمن العام، فعلياً، إلى التدخل في قرار المحكمة العليا. وبذلك تُمزج مطالب مشروعة (كحماية الانتخابات من التأثير الخارجي عبر وسائل التواصل والقرصنة) بمطلب يتعلق بالقضاء والانتخابات، على نحو يمنح الأول غطاء للثاني.
– تظاهرة المظلومية:
تكشف الرسالة عن نهج متكامل قوامه كسب الانتخابات بأية وسيلة، وفي القلب منه تجييش قاعدة اليمين بخطاب المظلومية: تصوير أي خسارة للحكم بوصفها “اختطافاً غير شرعي” من المعارضة والأحزاب العربية وتعريضاً للدولة للخطر، وتصوير المحكمة العليا وكأنها تصادر البعد السيادي للكنيست ومبدأ فصل السلطات. وبهذا المنطق يغدو رفض نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بها بالقوة أمراً شرعياً في وعي هذه القاعدة.
– البنية المنظوماتية للسيطرة:
يستند هذا النهج إلى بنية مؤسسية داعمة: فنتنياهو يسيطر على الشاباك بمفهوم الولاء له شخصيا، فيما يُطوع بن غفير قيادة الشرطة لمصلحته. وقد حذر رئيس الوزراء الأسبق إيهود براك من أن نتنياهو، بعد الانقلاب القضائي، بات مسيطراً على معظم منظومات الدولة، وأنه قد يوظف الشاباك لتقديم التسويغ الأمني لشطب القوائم العربية أمام لجنة الانتخابات المركزية، والمحكمة العليا المستضعفة، والمستشارة القضائية للحكومة التي تبقى العتبة الأخيرة والتي يسعى نتنياهو إلى تشريع قانون يفرغ صلاحياتها. كما حذر براك في حينه من احتمال إرجاء الانتخابات بذرائع أمنية، أو تشويش انتظامها حصراً في البلدات العربية ومعاقل المعارضة وافتعال الصدامات فيها.
– استهداف الأحزاب العربية:
لم يأتِ بيسموت على ذكر الأحزاب العربية ولا التهديدات الدموية التي يتلقاها نوابها ولا الاعتداء الخطير على النائب أيمن عودة، غير أن مقتضى هذا التوجه هو إدراجها ضمن التهديدات تمهيداً لنزع شرعيتها وشطبها ومنعها من خوض الانتخابات بذرائع شتى؛ من عدم الإقرار بتعريف إسرائيل “دولةً يهودية ديمقراطية”، إلى أعمال الإغاثة الإنسانية لغزة والضفة عبر جمعياتٍ قريبة منها، إلى تصريحات سياسية تفسرها لجنة الانتخابات، التي يهيمن عليها الليكود واليمين، بوصفها دعماً للإرهاب وفق مفاهيمها. فيما الأحزاب العربية هي الأكثر تهديداً على مستوى الشارع والشرطة والقضاء والمنظومة الأمنية ولجنة الانتخابات. أما الجديد فهو الميليشيات المسلحة التي قد تفتعل، وفق تحذير براك، مناوشاتٍ في الصناديق العربية الكبيرة تمهيداً لإلغاء نتائجها، في وقت لا يشغل فيه شطب هذه الأحزاب أو ملاحقتها الرأيَ العام الإسرائيلي.
– البعد الأمريكي:
ثمة بُعد إضافي في الرسالة يتصل بتخوف نتنياهو من أن تسعى إدارة ترامب إلى توظيف قدراتها المباشرة وغير المباشرة والسيبرانية للتأثير نحو إسقاطه وضمان ائتلاف يتماشى مع الأولويات الأمريكية في المنطقة والعالم. وهو ما قد يفسر لهجة “الخطر الوجودي” و”الانزلاق نحو الهاوية” التي تتردّد في المذكرة، وتوازيها مساعٍ للمعارضة ومنظماتٍ إسرائيلية لتجنيد نحو مئة ألفٍ من أنصارها لحماية صناديق الاقتراع المتوقَع خضوعها لسيطرة أقصى اليمين.
– الإسقاط الفلسطيني والإقليمي:
لا تنحصر معاني الرسالة في الشأن الانتخابي الداخلي؛ إذ إن الأجواء في ظل حكومة تُطوع المنظومات والقانون لمصلحة عقيدتها وبقائها باتت مؤاتية وبلا كوابح، للاستبداد بالحكم خدمة لمشروعها الأهم: إنهاء القضية الفلسطينية، وضم الضفة الغربية، والتهجير إن استطاعت، وصولاً إلى نزع شرعية وجود الجماهير العربية الفلسطينية في وطنها بعد نزع متقدم لشرعيتها السياسية.
وقد شكل اغتيال رابين إسقاطاً للحكومة بالقوة والتصفية، وفرض تحولاً عميقاً في هوية الدولة نحو الصهيونية الدينية وأقصى اليمين، ووضع حداً، قد يمتد لأجيال، لأية تسوية مع الشعب الفلسطيني، باعتبار قضية فلسطين العاملَ الأهم وغير القابل للتجاوز في تجاذبات السياسة الإسرائيلية وانقساماتها.
الخلاصات:
رسالة رئيس لجنة الخارجية والأمن إلى رئيس الشاباك خطيرة مضموناً ودلالة، بما تكشفه من نوايا سياسية حاكمة تتيح إلغاء الانتخابات أو التشويش عليها لضمان بقاء نتنياهو وائتلافه، وبما تحمله من إعلان ضمني بعدم الاعتراف بالنتائج في حال لم يفز الليكود.
– تتعزز الحاجة إلى آلية حماية ومتابعة دولية، تلفت أنظار المجتمع الدولي الرسمي إلى الأخطار المحدقة بممارسات الحكومة ضد الأحزاب العربية، من الشطب إلى تعطيل الاقتراع في التجمعات العربية، وتبلور رقابةً دولية على الانتخابات تبررها النوايا الكامنة خلف الرسالة.
– تظاهرة المظلومية التي يتبناها الليكود وائتلافه دليل على السعي إلى تجييش الشارع اليميني وتحريضه على ترجمة الرسالة إلى لغة العنف.
– لا يعني ما تقدم أن نتنياهو سيكون قادراً حتماً على البقاء في الحكم؛ لكن زعزعة موقعه ستجعل الانتخابات أشد عنفاً وتوحشاً يمينياً.