موسكو تعيد هندسة وجودها في سوريا.. وواشنطن تحول الملف إلى ورقة ضغط
تقدير موقف:
وحدة السياسات الإقليمية، مركز تقدم للسياسات – دمشق
تقديم: أثار إعلان موسكو، في 10 يونيو 2026، عن مباحثات تجريها مع دمشق بشأن “إعادة هيكلة محتملة” لقاعدتيها العسكريتين في اللاذقية (حميميم) وطرطوس، موجة من التحليلات حول دلالات المقاربة الروسية الجديدة وتداعياتها على موازين القوى في سوريا والمنطقة. غير أن تطوراً أميركياً لافتاً تمثل في تعديل تقدم به النائب الجمهوري جو ويلسون ضمن ميزانية الدفاع، يطلب من وزارة الدفاع إعداد تقرير حول خطط تقليص النفوذ الروسي أو تأمين انسحابه من القاعدتين، كشف عن توجس واشنطن من الأنشطة الروسية، مما يشكل ضغوطاً محتملة على سوريا في مرحلة حساسة من مسار إعادة تأهيلها دولياً. وتوضح المصادر أن التعديل لا يحسم مصير الوجود الروسي، لكنه ينقله إلى مسار مؤسسي داخل البنتاغون، ويحوله إلى ملف أميركي دائم. وتضيف أن واشنطن تضع الوجود الروسي في سوريا في خانة التهديدات المحتملة للمصالح الأميركية.
المعطيات :
– الموقف الروسي: مباحثات لتطوير الوجود العسكري:
في 10 يونيو 2026. أوضحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، رداً على سؤال حول خطط إنشاء مركز للإمداد والتموين في طرطوس لتوزيع السلع المستوردة من روسيا، أن “التعاون الروسي-السوري يتطور بنشاط كبير”، وأنه “في إطار التواصل مع الشركاء السوريين، تخضع مسألة الوجود العسكري الروسي للنقاش أيضاً، بما يشمل سياق إعادة هيكلة محتملة لدور المنشآت العسكرية الروسية”. وجاء هذا الإعلان بعد وصول سفينة الشحن الروسية “سبارتا” إلى طرطوس في 2 يونيو 2026، محملة بمعدات لحميميم، في أول عملية إعادة إمداد رئيسية بارزة.
– الموقف السوري: بين الروابط التاريخية والانفتاح الغربي:
في 28 يناير 2026، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع للمرة الثانية مع الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو، حيث ناقشا مستقبل القواعد، مع تأكيد الشرع على الدور “التاريخي” لروسيا. وقبل ذلك، في 26 يناير 2026، كانت موسكو قد سحبت قواتها من مطار القامشلي شمال شرق سوريا، مركزة وجودها في منطقة الساحل..
وتشير مصادر مراقبة سورية إلى أن الرئيس الشرع يتبنى خطاب توازن يجمع بين الاعتراف بالروابط التاريخية مع روسيا والسعي لإعادة تعريف الشراكة بما يخدم السيادة السورية والانفتاح الغربي.
التحليل:
أولاً: التناقض بين الخطاب السوري والممارسة الروسية:
يلاحظ المراقبون تناقضاً ظاهرياً بين تصريحات الرئيس الشرع في لندن حول تحويل القواعد إلى مراكز تدريب للجيش السوري، وبين التحركات الروسية الفعلية التي تشير إلى تطوير وتعزيز الوجود العسكري، كما يعكسه وصول سفينة “سبارتا” المحملة بالمعدات. هذا التناقض يعكس حالة من التوازن الدقيق الذي تحاول دمشق الحفاظ عليه: فمن جهة، تسعى إلى طمأنة الغرب بأنها تعيد تعريف علاقتها مع روسيا بما يخدم السيادة الوطنية والانفتاح على الشرق والغرب معاً؛ ومن جهة أخرى، تدرك أنها بحاجة إلى الدعم الروسي في ملفات حساسة كالنفط والقمح وقطع الغيار والمعدات العسكرية، وهو ما يجعلها غير قادرة على التخلي عن موسكو بالكامل، أو حتى تقليص وجودها بشكل جذري في المدى المنظور.
ثانياً: المصالح الروسية في الحفاظ على القاعدتين:
تعتبر المصادر الروسية أن لروسيا مصلحة استراتيجية في الحفاظ على طرطوس كمنفذ بحري وحيد إلى البحر المتوسط، وحميميم كمركز لوجستي رئيسي لدعم عملياتها في أفريقيا. فطرطوس تمثل القاعدة البحرية الوحيدة لروسيا خارج حدودها، وتتيح لها إطلالة استراتيجية على المتوسط، بينما تشكل حميميم نقطة عبور حيوية لإمداد القوات الروسية في ليبيا والسودان ودول أفريقية أخرى، مما يعزز الوجود الروسي في القارة السمراء. هذا البعد الأفريقي يضيف طبقة إضافية من التعقيد للملف.
ثالثاً: الموقف الأميركي بين المراقبة والضغط:
يشكل التعديل الأميركي عاملاً مستجداً ضاغطاً على دمشق، حيث يحول ملف القواعد من ساحة الخطاب الإعلامي إلى مسار مؤسسي داخل البنتاغون. ورغم أن التعديل لا يقترح إخراجاً فورياً لروسيا، فإنه يفتح الباب أمام ضغوط أميركية متصاعدة، إذ باتت واشنطن تربط ملف القواعد بمسار تأهيل السلطة السورية الجديدة، بحيث كلما تقدم الانفتاح الغربي في تخفيف العزلة ورفع العقوبات، ارتفعت كلفة علاقة دمشق مع موسكو. وهذا يعني أن سوريا تواجه معادلة معقدة: عليها أن تقدم تنازلات لواشنطن في ملف القواعد مقابل مكاسب في رفع العقوبات وجذب الاستثمارات، دون أن تخسر دعم موسكو الذي لا تزال بحاجة إليه في ملفات حيوية أخرى.
رابعاً: الحسابات الإسرائيلية والتركية:
تلفت التحليلات إلى أن الحسابات الأميركية في هذا الملف تصطدم بحسابات إسرائيلية، إذ تفضل إسرائيل وجوداً روسياً محدوداً لموازنة النفوذ التركي في سوريا، مقابل وجهة نظر في واشنطن ترى الدور التركي أكثر قابلية للإدارة ضمن ترتيب أطلسي. هذا التباين في الرؤى بين الحليفين قد يحد من فعالية التحرك الأميركي، ويجعل الضغط على دمشق أقل حدة مما قد يبدو. فإسرائيل، التي تنسق مع روسيا في المجال الأمني فوق الأجواء السورية، لا ترغب في رحيل روسي قد يفسح المجال لتمدد تركي أو إيراني يعتبره تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها.
:خلاصة
يكشف إعلان موسكو عن مباحثات مع دمشق لإعادة هيكلة محتملة للقاعدتين الروسيتين في سوريا عن خطط روسية لتطوير الوجود العسكري وإطلالته على البحر المتوسط، استناداً إلى مصالح سورية في الدعم الروسي في ملفات النفط والقمح وقطع الغيار والمعدات العسكرية. غير أن هذه المباحثات تمثل لدمشق تحدياً معقداً في كيفية إيجاد توازن بين حاجتها للانفتاح على واشنطن والغرب، وبين ضرورة الحفاظ على علاقات استراتيجية مع روسيا ودول أخرى كالصين.
استبق الرئيس الشرع هذه المباحثات بإعلانه في لندن قبل أشهر أنه لم يبق من عشرات القواعد الروسية سوى قاعدتين فقط، ويجري الترتيب لتحويلها إلى مراكز تدريب للجيش السوري. لكن التحركات الروسية الفعلية تشير إلى توجه نحو التطوير وليس التقليص. وتعتبر أوروبا القواعد الروسية خطراً يهدد أمنها من البحر المتوسط، إلى جانب التهديد البري من أوكرانيا، وكانت قد حثت دمشق على إقفالها بعد سقوط نظام الأسد.
في المقابل، أدخل التعديل الأميركي الأخير ملف القواعد ضمن مهام البنتاغون للمراقبة وحصر المهام وضبط المخاطر على قاعدة إنجرليك في تركيا، مما يشكل عاملاً ضاغطاً على دمشق لضبط علاقاتها مع روسيا وتقييد حركة القواعد، مع تحويله إلى بند ثابت على جدول علاقة واشنطن-دمشق. غير أن التعديل لا يقترح إخراجاً فورياً لروسيا، خصوصاً أن إسرائيل تفضل وجوداً روسياً محدوداً لموازنة النفوذ التركي في سوريا.
تمثل القاعدتان الروسيتان لموسكو إطلالة وحيدة على البحر المتوسط وبوابات وصل استراتيجية مع المصالح الروسية في أفريقيا، مما يجعل أي تراجع عنها مكلفاً استراتيجياً. وتبقى المعضلة السورية قائمة: كيف يمكن لدمشق أن تحافظ على علاقاتها مع روسيا وفي الوقت نفسه تستجيب للضغوط الغربية المتصاعدة التي تريد منها أن تختار مساراً غربياً واضحاً، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الدعم الروسي في ملفات حيوية متعددة؟