من “وهم التطبيع” إلى ” فرض ترتيبات أمنية “: لماذا تراجعت التوقعات الإسرائيلية من الرئيس اللبناني؟
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات
مقدمة تمهيدية:
عشية إعلانه وقف إطلاق النار في لبنان، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توجه لإطلاق مسار تواصل سياسي مباشر بين لبنان وإسرائيل، عبر حديثه عن محادثة هاتفية مرتقبة بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم عن لقاء محتمل في واشنطن. غير أن هذا المسار سرعان ما تراجع، إذ لم تُعقد المحادثة ولم تتبلور أي مؤشرات جدية على لقاء قريب، ما يعكس فجوة بين التوقعات السياسية التي روّجت لها واشنطن وتل أبيب، وبين الوقائع اللبنانية والإقليمية التي تحدّ من إمكانات الانتقال إلى مسار سياسي أو “سلام إبراهيمي” مع لبنان.
التحليل:
في مواجهة الغضب الشعبي، ولا سيما داخل الأوساط اليمينية في إسرائيل، إثر إعلان وقف إطلاق النار، أعاد نتنياهو صياغة خطابه موجهاً إياه إلى جمهوره الداخلي، ساعياً إلى تقديم ما جرى بوصفه إنجازاً غير مكتمل، ومركّزاً على فرضية سلام إبراهيمي مع لبنان بشروط إسرائيلية، وهي فرضية بقيت تاريخياً خارج التداول الواقعي. وتشير المعطيات إلى أن غالبية الرأي العام الإسرائيلي، التي قاربت 70%، كانت تؤيد استمرار الحرب وتصعيدها لحظة إعلان القرار الأميركي.
عملياً، لم تتحقق أي من المؤشرات التي جرى الترويج لها بشأن التواصل السياسي، كما لا يبدو أن هناك أفقاً فعلياً لمسار سلام، بل إن المقاربة الإسرائيلية تميل إلى إعادة تعريف العلاقة المحتملة مع لبنان بوصفها ترتيبات أمنية مشددة أقرب إلى صيغة “تحالف أمني مفروض”، مدعوم أميركياً.
ميدانياً، ينظر الجيش الإسرائيلي إلى وقف إطلاق النار باعتباره فرصة عملياتية لا تراجعاً، إذ يتيح له تثبيت وجوده في المناطق التي سيطر عليها، ومنع عودة النازحين اللبنانيين إلى القرى الحدودية حتى عمق ثمانية كيلومترات، إضافة إلى مواصلة تدمير القرى، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الشيعية، تحت مسميات أمنية. وتندرج هذه السياسات ضمن عقيدة عسكرية تهدف الى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية، بما ينسجم مع نماذج تاريخية سابقة تعود إلى عام 1948، فضلاً عن السعي إلى “تطهير المنطقة” من أية بنية عسكرية أو لوجستية لحزب الله، بما يعني عملياً فرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب.
على المستوى الاستراتيجي، تعكس تقديرات نخب أمنية إسرائيلية، مثل الجنرال المتقاعد عاموس يدلين، توجهاً نحو فصل الساحة اللبنانية عن الإيرانية، عبر إقامة منطقة عازلة “خالية من الوجود الشيعي”، مع اعتبار أن المهمة العسكرية في لبنان شارفت على الاكتمال، وأن الأولوية يجب أن تتحول إلى إيران في حال تجدد المواجهة. في المقابل، يطرح دبلوماسيون إسرائيليون، مثل غلعاد أردان، فرضيات تتعلق بإمكان تخلي إيران عن حزب الله في سياق الحفاظ على النظام، مع التشكيك في جدوى أو واقعية أي لقاء سياسي بين نتنياهو وعون.
إعلامياً وتحليلياً، يتسع نطاق التقديرات داخل إسرائيل التي تشير إلى غياب استراتيجية متماسكة، حيث تبرز فجوة واضحة بين الإنجازات العسكرية الناتجة عن فائض القوة، وبين العجز عن ترجمتها إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية مستدامة. ويزيد من هذا الإرباك أن إسرائيل لم تحسم أي جبهة بشكل نهائي حتى الآن، ما يعزز القلق داخل الرأي العام. وفي هذا السياق، تركز السياسة الإسرائيلية على “الترتيبات الأمنية” دون الانخراط في استحقاقات سياسية، مع ميل واضح إلى البقاء العسكري في جنوب لبنان في المدى المنظور، حتى وإن تعارض ذلك مع شعار نزع السلاح الذي ترفعه الحكومة الإسرائيلية.
في المقابل، يتمسك لبنان بمقاربة سيادية تقوم على الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى الحدود الدولية، ورفض أية صيغة تطبيع مفروضة، مع الإبقاء على معالجة ملف حزب الله ضمن إطار داخلي لبناني مدعوم بتفاهمات عربية ودولية. وتشير التقديرات الإسرائيلية ذاتها إلى أن القوى اللبنانية تعتبر أي انزلاق إلى اقتتال داخلي خطاً أحمر، بخلاف المقاربات الإسرائيلية التي قد تدفع في هذا الاتجاه.
ضمن هذا السياق، تطرح بعض الأوساط اليمينية الإسرائيلية، كما تعكسها صحيفة “يسرائيل هيوم”، رؤية أكثر تشدداً لأية تسوية مستقبلية، تقوم على ثلاثة شروط: نزع سلاح حزب الله، وتعزيز الجيش اللبناني مع إعادة هيكلته، وتفكيك المخيمات الفلسطينية. وتكشف هذه الطروحات عن محاولة إعادة تعريف أسباب الصراع، وربطها بملفات بنيوية تتجاوز الحدود المباشرة، ولا سيما ملف اللاجئين الفلسطينيين.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ضوء السياسات الإسرائيلية المتبعة منذ حرب غزة في أكتوبر 2023، والتي اتسمت بنهج منهجي لتفكيك المخيمات الفلسطينية في غزة وشمال الضفة الغربية، بما يندرج ضمن مقاربة أوسع تستهدف إنهاء ملف اللاجئين، وتقويض دور وكالة “الأونروا”، وشطب حق العودة، وذلك في إطار رؤية سياسية مدعومة بأغلبية داخل الكنيست، ترفض قيام دولة فلسطينية وتكرّس حصرية حق تقرير المصير لليهود وفقاً لقانون القومية.
الخلاصات:
عادت التقديرات الإسرائيلية الى التقليل من الرهان على تحوّلات في الموقف اللبناني على مستوى رئيسيّ الجمهورية والوزراء. ما روّج له ترامب وردده نتنياهو باحتمالية سلام ابراهيمي مع لبنان، لا يزال مستبعدا لبنانيا.
• لا يزال من المستبعد حدوث اختراقة في العلاقات اللبنانية الإسرائيلية. فيما أن الرهان على تعدد المواقف في القيادة اللبنانية لن يؤدي الى ذلك.
• تواصل إسرائيل إعطاء الأولوية للترتيبات الأمنية على حساب أي مسار سياسي، مع تثبيت وقائع ميدانية طويلة الأمد في جنوب لبنان.
• يتسع نطاق التقديرات في إسرائيل والداعية الى إيلاء الأولوية للملف الإيراني وليس اللبناني باعتباره متفرّعا عن الملف الإيراني.
• * تعكس الحالة الإسرائيلية الراهنة تعثراً استراتيجياً، ناتجاً عن غياب أفق سياسي مقابل الاعتماد المفرط على الأدوات العسكرية، ما يحدّ من إمكانية تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب مستدامة.