من الردع إلى الإكراه العسكري:
تحولات استخدام القوة في النظام الدولي وتداعياتها على الشرق الأوسط
محمد مشارقة، مركز تقدم للسياسات – لندن
الملخص التنفيذي:
تحولات عميقة يشهدها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين، في موقع القوة العسكرية ضمن منظومة العلاقات الدولية. فبعد نهاية الحرب الباردة، ساد تصور واسع في الأدبيات السياسية والاستراتيجية بأن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر اعتماداً على القواعد القانونية والمؤسسات متعددة الأطراف، وأن استخدام القوة العسكرية سيظل محكوماً بقيود قانونية وسياسية صارمة تستند إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. غير أن التطورات التي شهدها النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تشير إلى مسار مختلف وأكثر تعقيداً.
فقد أعادت سلسلة الحروب والتدخلات العسكرية، ممارسة القوة العسكرية إلى مركز التفاعلات الدولية بوصفها أداة رئيسية لإدارة الصراعات، وتحقيق الأهداف والمصالح السياسية والاستراتيجية. وتشمل هذه السوابق العسكرية الحرب الأمريكية في أفغانستان والعراق، والتدخلات العسكرية في ليبيا وسوريا، والحرب الروسية–الأوكرانية، وفنزويلا ، إضافة لحرب الإبادة الإسرائيلية المتكررة في غزة، وصولاً إلى الحرب ضد إيران. وتشير هذه التطورات إلى أن النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من نموذج الردع الاستراتيجي الذي طبع العلاقات الدولية خلال الحرب الباردة إلى نموذج أكثر اعتماداً على الإكراه العسكري وفرض الوقائع الاستراتيجية بالقوة.
في هذا السياق، بدأ عدد متزايد من الباحثين يشير إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ “العدوى الاستراتيجية”، أي انتقال أنماط استخدام القوة من دولة إلى أخرى عندما ترى الدول أن تلك الأنماط تحقق أهدافاً سياسية دون أن تواجه بردع دولي حاسم. وقد حذرت مجلة The Economist من أن تكرار هذه السوابق العسكرية قد يؤدي إلى تآكل المعايير الدولية التي كانت تحد من استخدام القوة، الأمر الذي قد يشجع دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته في النزاعات الدولية¹.
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن النظام الدولي يدخل مرحلة انتقالية قد تشهد إعادة تعريف عميقة لقواعد استخدام القوة في العلاقات الدولية. وتسعى الورقة إلى تحليل هذه التحولات من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: أولاً، الإطار النظري للتحول من الردع إلى الإكراه العسكري؛ ثانياً، تحليل السوابق العسكرية التي شهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة؛ وثالثاً، دراسة الكيفية التي قد تؤدي بها هذه السوابق إلى انتشار أنماط جديدة من السلوك الاستراتيجي بين الدول.
المقدمة:
شكّل مبدأ حظر استخدام القوة أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. فقد نص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على أن استخدام القوة في العلاقات الدولية يجب أن يظل محصوراً في حالتين رئيسيتين: الدفاع عن النفس في حال التعرض لاعتداء مسلح، أو استخدام القوة بتفويض من مجلس الأمن الدولي للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
وقد أسهم هذا المبدأ في ترسيخ تصور معياري للنظام الدولي يقوم على أن العلاقات بين الدول يجب أن تُدار أساساً عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية، وأن القوة العسكرية ينبغي أن تبقى خياراً استثنائياً. غير أن هذا التصور بدأ يتعرض تدريجياً لسلسلة من التحديات منذ نهاية الحرب الباردة.
فقد شهد النظام الدولي منذ تسعينيات القرن الماضي عدداً متزايداً من التدخلات العسكرية التي جرت خارج إطار التفويض الواضح من مجلس الأمن، كما حدث في تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو عام 1999. غير أن التحول الأكبر في هذا المسار جاء مع الحرب الأمريكية في العراق عام 2003، التي أثارت جدلاً واسعاً حول حدود شرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية²
وفي السنوات اللاحقة، تكررت هذه السوابق العسكرية في عدد من النزاعات الدولية، من ليبيا وسوريا إلى الحرب الروسية–الأوكرانية. وقد أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات في لندن إلى أن هذه التطورات تعكس تحولاً أعمق في بنية النظام الدولي، حيث يتزايد اعتماد الدول على القوة العسكرية لإعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في الأقاليم المختلفة³.
في هذا السياق، لم تعد القوة العسكرية تُستخدم فقط كوسيلة للدفاع عن النفس أو كأداة لردع الخصوم، بل أصبحت تُستخدم أيضاً لفرض وقائع سياسية واستراتيجية جديدة على الأرض. وهذا التحول يعكس تغيراً تدريجياً في طبيعة النظام الدولي، حيث تتراجع القيود المعيارية التي كانت تحد من استخدام القوة، في مقابل صعود منطق القوة في إدارة العلاقات الدولية.
– الإطار النظري: من الردع إلى الإكراه العسكري:
شكّل مفهوم الردع حجر الزاوية في الاستراتيجية العسكرية خلال الحرب الباردة. ويقوم الردع على فكرة أن الدولة تستطيع منع خصمها من اتخاذ خطوة عدائية عبر التهديد بفرض تكلفة مرتفعة تجعل الإقدام على تلك الخطوة غير مجدٍ.
وقد صاغ توماس شيلينغ هذا المفهوم في كتابه الكلاسيكي Arms and Influence، حيث أكد أن الردع يعتمد على القدرة على التأثير في حسابات الخصم عبر إقناعه بأن تكلفة العمل العسكري ستفوق أي مكاسب محتملة منه⁴. وقد لعب هذا المفهوم دوراً محورياً في إدارة التوازن الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
غير أن الأدبيات الاستراتيجية تميز بين الردع ومفهوم آخر يعرف بـ “الإكراه العسكري”. ففي حين يهدف الردع إلى منع الخصم من القيام بفعل معين، يسعى الإكراه إلى إجبار الخصم على تغيير سلوكه أو القبول بواقع سياسي جديد.
وقد أشار ألكسندر جورج إلى أن الإكراه العسكري يعتمد على مزيج من الضغط العسكري والسياسي بهدف دفع الخصم إلى اتخاذ قرار معين دون اللجوء إلى حرب شاملة⁵. ويُعد هذا المفهوم مفيداً لفهم العديد من العمليات العسكرية التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة.
ففي العديد من الحالات، لم يكن الهدف من استخدام القوة العسكرية هو تدمير الخصم بالكامل، بل دفعه إلى تغيير سلوكه أو القبول بترتيبات سياسية جديدة. وهذا ما يجعل مفهوم الإكراه العسكري أكثر ملاءمة لفهم التحولات المعاصرة في استخدام القوة.
وقد أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن تراجع فعالية الردع التقليدي يرتبط أيضاً بتغير طبيعة الحروب المعاصرة، حيث سمحت التطورات التكنولوجية في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة ,والذكاء الاصطناعي بتنفيذ عمليات عسكرية محدودة تحقق أهدافاً سياسية دون الانزلاق إلى حروب شاملة⁶.
– السوابق العسكرية بعد الحرب الباردة:
شهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين سلسلة من السوابق العسكرية التي ساهمت في إعادة تعريف حدود استخدام القوة في العلاقات الدولية.
– أفغانستان:
شكّلت الحرب الأمريكية في أفغانستان عام 2001 نقطة تحول مهمة في السياسة الدولية. فقد جاءت الحرب في سياق الرد على هجمات 11 سبتمبر، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشروع طويل الأمد لإعادة بناء الدولة الأفغانية بالقوة العسكرية.
وقد أظهرت هذه الحرب أن القوة العسكرية يمكن أن تُستخدم ليس فقط للرد على تهديدات أمنية مباشرة، بل أيضاً لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية في مناطق أخرى من العالم.
– العراق:
مثّلت الحرب على العراق عام 2003 سابقة أكثر إثارة للجدل. فقد جرى تبريرها بمجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والتلفيقات التي ظهر بطلانها، بما في ذلك منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وإعادة تشكيل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.
وقد اعتبر العديد من الباحثين أن هذه الحرب أسهمت في إضعاف القيود التي فرضها النظام الدولي على استخدام القوة، كما أعادت فتح النقاش حول دور القوة العسكرية في إعادة تشكيل البيئات السياسية الإقليمية⁷.
– ليبيا:
في عام 2011، استخدم حلف شمال الأطلسي القوة العسكرية في ليبيا تحت غطاء قرار مجلس الأمن لحماية المدنيين. غير أن العملية انتهت بإسقاط نظام القذافي، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول حدود تفويض مجلس الأمن.
– سوريا:
قدمت الحرب السورية نموذجاً أكثر تعقيداً للتدخلات العسكرية متعددة الأطراف، حيث شاركت عدة قوى دولية وإقليمية في النزاع عبر عمليات عسكرية مباشرة أو دعم أطراف محلية.
وقد وصفت الحرب السورية من الباحثين في مراكز السياسات بأنها نموذج للحروب المعاصرة التي تتداخل فيها الصراعات المحلية والإقليمية والدولية⁸.
– العدوى الاستراتيجية:
في ضوء هذه السوابق العسكرية المتكررة، بدأ بعض الباحثين يشيرون إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ “العدوى الاستراتيجية”. ويقصد بهذا المفهوم أن استخدام القوة العسكرية من قبل دولة ما قد يشجع دولاً أخرى على تبني النهج ذاته إذا رأت أن تلك العمليات تحقق أهدافاً سياسية دون تكاليف باهظة.
وقد كتب ستيفن والت أن تآكل القيود على استخدام القوة قد يؤدي إلى انتشار نمط من السلوك الاستراتيجي يقوم على الاعتقاد بأن القوة العسكرية يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف السياسية⁹. وفي هذا السياق، حذرت مجلة The Economist من أن تكرار السوابق العسكرية قد يؤدي إلى إضعاف المعايير الدولية التي كانت تحد من استخدام القوة، مما قد يشجع دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته¹⁰.
غير أن هذه النظرية لا تعني أن جميع الدول ستتبنى بالضرورة استخدام القوة العسكرية. فقرار اللجوء إلى القوة يظل مرتبطاً بمجموعة من العوامل السياسية والاستراتيجية، بما في ذلك موازين القوة الإقليمية وطبيعة النظام السياسي الداخلي والضغوط الدولية.
– حدود نظرية العدوى الاستراتيجية:
رغم أهمية مفهوم “العدوى الاستراتيجية” في تفسير بعض التحولات الجارية في السياسة الدولية، فإن هذه النظرية تواجه أيضاً عدداً من القيود.
أولاً، لا تزال المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، تلعب دوراً مهماً في تنظيم استخدام القوة في العلاقات الدولية. بالنظر الى انه لم يولد بعد اطارا بديلا.
ثانياً، فإن استخدام القوة العسكرية يظل محفوفاً بتكاليف سياسية واقتصادية كبيرة، وهو ما يجعل العديد من الدول تتردد في اللجوء إليه.
وثالثاً، فإن البيئة الاستراتيجية لكل دولة تختلف عن غيرها، الأمر الذي يجعل من الصعب نقل نماذج استخدام القوة من سياق إلى آخر بشكل مباشر.
في خلاصة الجزء الأول:
**تشير التحولات التي يشهدها النظام الدولي إلى أن العالم يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف قواعد استخدام القوة في العلاقات الدولية. فالتراجع النسبي في القيود التي فرضها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، يشير إلى احتمال عودة القوة العسكرية لتلعب دوراً أكثر مركزية في تحديد موازين النفوذ الدولي.
** هذا التحول لا يعني بالضرورة عودة النظام الدولي إلى منطق القوة الصرف الذي ساد في القرن التاسع عشر، بل يشير إلى نشوء مرحلة انتقالية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية في تحديد حدود استخدام القوة.
الجزء الثاني:
“العدوى الاستراتيجية” وتداعياتها على الشرق الأوسط والنظام الدولي:
– انتقال نموذج استخدام القوة إلى القوى الكبرى:
تشير التحولات التي تناولها الجزء الأول من هذه الدراسة إلى أن استخدام القوة العسكرية عاد تدريجياً إلى مركز السياسة الدولية. غير أن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن فقط في تزايد عدد التدخلات العسكرية، بل في احتمال انتقال نمط السلوك هذا إلى قوى دولية أخرى ترى في تلك السوابق دليلاً على إمكانية تحقيق مكاسب سياسية عبر استخدام القوة.
وقد أشار عدد من الباحثين في مجال العلاقات الدولية إلى أن السوابق العسكرية الكبرى تميل إلى تشكيل ما يمكن تسميته قواعد سلوك غير مكتوبة داخل النظام الدولي. فحين تستخدم دولة كبرى القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية دون أن تواجه بردع دولي حاسم، قد يشجع ذلك دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته¹¹.
في هذا السياق، يمكن رصد ثلاث قوى دولية رئيسية قد تتأثر بهذا التحول في قواعد استخدام القوة: روسيا، الصين، وتركيا. فكل من هذه الدول تمتلك طموحات جيوسياسية إقليمية أو دولية، وقد أظهرت في السنوات الأخيرة استعداداً متزايداً لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
– روسيا:
يُعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا أحد أبرز الأمثلة على عودة القوة العسكرية إلى مركز النظام الدولي. فمنذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، أظهرت روسيا استعداداً لاستخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في محيطها الإقليمي.
وقد اعتبر بعض الباحثين أن الحرب الروسية–الأوكرانية تمثل محاولة روسية لإعادة تعريف النظام الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة¹². كما تعكس هذه الحرب إدراكاً روسياً بأن البيئة الدولية الحالية قد تسمح باستخدام القوة العسكرية لفرض وقائع جيوسياسية جديدة.
وقد أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن الحرب في أوكرانيا تمثل أحد أبرز مظاهر التحول في النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأمريكية إلى مرحلة التنافس بين القوى الكبرى³.
– تركيا:
شهدت السياسة الخارجية التركية خلال العقد الأخير تحولاً ملحوظاً في استخدام القوة العسكرية كأداة لتحقيق الأهداف الإقليمية. فقد نفذت تركيا سلسلة من العمليات العسكرية في سوريا والعراق، كما تدخلت عسكرياً في ليبيا ودعمت أذربيجان في حرب ناغورنو كاراباخ.
ويشير هذا التحول إلى أن أنقرة باتت ترى في القوة العسكرية وسيلة فعالة لحماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز نفوذها الإقليمي. وقد وصف بعض الباحثين هذا التوجه بأنه جزء من استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف دور تركيا كقوة إقليمية مؤثرة ومقررة في الشرق الأوسط وشرق المتوسط¹³.
– الصين:
على الرغم من أن الصين ظلت تاريخياً أكثر تحفظاً في استخدام القوة العسكرية خارج حدودها، فإن صعودها الاقتصادي والعسكري خلال العقود الأخيرة جعلها لاعباً رئيسياً في التوازنات الدولية.
وقد أشار عدد من الدراسات إلى أن بكين تراقب عن كثب السوابق العسكرية التي تشهدها السياسة الدولية، خاصة فيما يتعلق بكيفية تعامل القوى الكبرى مع النزاعات الإقليمية¹⁴.
وفي هذا السياق، تبرز قضية تايوان بوصفها أحد أخطر الملفات الجيوسياسية في العالم المعاصر.
الحالة الصينية–التايوانية:
تُعد قضية تايوان أحد أبرز الأمثلة على احتمال انتقال نموذج الإكراه العسكري إلى مناطق أخرى من العالم. فالصين تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من البر الصيني، وقد أكدت القيادة الصينية مراراً أن تحقيق وحدة الوطن الصيني يمثل هدفاً استراتيجياً أساسياً للدولة الصينية.
غير أن بكين تدرك أيضاً أن أي محاولة لفرض الوحدة بالقوة العسكرية قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ولذلك تشير بعض التحليلات إلى أن الصين قد تعتمد استراتيجية تدريجية تقوم على الإكراه العسكري المحدود بدلاً من الغزو المباشر.
وقد كتبت الباحثة أوريانا سكاي لار ماسترو أن الصين قد تسعى إلى استخدام مجموعة من الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية لزيادة الضغط على تايوان، بهدف دفعها إلى القبول بترتيبات سياسية جديدة دون الدخول في حرب شاملة¹⁵.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشمل هذه الأدوات:
•المناورات العسكرية الواسعة حول الجزيرة
•فرض حصار بحري محدود
•استخدام الحرب السيبرانية والاقتصادية
•زيادة الضغوط الدبلوماسية على الدول التي تعترف بتايوان
وقد حذرت مجلة The Economist من أن نجاح مثل هذه الاستراتيجيات قد يشجع دولاً أخرى على استخدام القوة العسكرية لفرض مطالبها الإقليمية¹⁶.
– تداعيات التحول على الشرق الأوسط:
يُعد الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم تأثراً بالتحولات الجارية في طبيعة استخدام القوة في النظام الدولي. فالموقع الجيوسياسي للمنطقة وتداخل المصالح الدولية والإقليمية فيها يجعلها ساحة رئيسية لاختبار التحولات الكبرى في قواعد النظام الدولي.
– إيران:
يشكل التصعيد العسكري والحرب بين إسرائيل وإيران أحد أبرز مظاهر التحول في طبيعة الصراعات الإقليمية. فقد باتت العمليات العسكرية، مثل الضربات الجوية والهجمات السيبرانية، جزءاً أساسياً من إدارة هذا الصراع.
وقد أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن هذا النمط من الصراع يعكس تحولاً نحو ما يمكن تسميته الحرب دون العتبة التقليدية للحرب الشاملة¹⁷.
– إسرائيل:
تُعد إسرائيل من أكثر الدول اعتماداً على القوة العسكرية كأداة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والأمنية. وقد شكلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا جزءاً من استراتيجية تهدف إلى منع خصومها من تطوير قدرات عسكرية تهدد أمنها.
غير أن هذا النمط من استخدام القوة قد يسهم أيضاً في ترسيخ منطق القوة في إدارة الصراعات الإقليمية.
– الخليج:
تواجه دول الخليج تحديات استراتيجية متزايدة في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي. فمن جهة، تعتمد هذه الدول بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية. ومن جهة أخرى، تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية عبر تعزيز التعاون مع قوى مثل الصين والهند وروسيا.
هنا يمكن الإشارة إلى أن دول الخليج قد تلعب دوراً مهماً في تشكيل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة¹⁸.
– السيناريوهات المستقبلية للنظام الدولي حتى عام 2035:
تشير الاتجاهات الحالية في السياسة الدولية إلى أن النظام الدولي قد يتجه نحو أحد ثلاثة مسارات رئيسية خلال العقد القادم.
السيناريو الأول: نظام متعدد الأقطاب:
في هذا السيناريو، يتشكل نظام دولي يقوم على توازنات القوة بين عدد من القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.
السيناريو الثاني: انتشار الإكراه العسكري:
في هذا السيناريو، يصبح استخدام القوة العسكرية المحدودة أداة شائعة لفرض وقائع استراتيجية جديدة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة عدد النزاعات الإقليمية.
السيناريو الثالث: إعادة بناء النظام الدولي القائم على القواعد:
في هذا السيناريو، تدفع مخاطر الصراعات العسكرية الكبرى الدول إلى تعزيز دور المؤسسات الدولية وإعادة إحياء النظام الدولي القائم على القواعد.
– الدروس الاستراتيجية لصنّاع القرار في الشرق الأوسط:
في ضوء التحولات الجارية في النظام الدولي، تبرز مجموعة من الدروس الاستراتيجية لصناع القرار في الشرق الأوسط.
أولاً، من المرجح أن تشهد البيئة الاستراتيجية الدولية قدراً متزايداً من عدم الاستقرار خلال العقد القادم.
ثانياً، تحتاج دول المنطقة إلى تطوير استراتيجيات أمنية أكثر استقلالية، بدلاً من الاعتماد الكامل على التحالفات الخارجية.
ثالثاً، يظل بناء مؤسسات الدولة القوية أحد أهم عوامل الاستقرار في بيئة دولية متغيرة.
أشار تحليل صادر عن مركز تقدم للسياسات إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية وفق قواعد ديمقراطية حقيقية، يمثل أحد أهم شروط الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط¹⁹.
خلاصة الجزء الثاني:
**تشير التحولات التي يشهدها النظام الدولي إلى أن العالم يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تعريف قواعد استخدام القوة في العلاقات الدولية. فالتراجع النسبي في القيود التي فرضها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، يشير إلى احتمال عودة القوة العسكرية لتلعب دوراً أكثر مركزية في تحديد موازين النفوذ الدولي.
**غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة عودة النظام الدولي إلى منطق القوة الصرف الذي ساد في القرون السابقة، بل يشير إلى نشوء مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والاستراتيجية.
**وفي هذا السياق، يصبح فهم التحولات الجارية في طبيعة استخدام القوة شرطاً أساسياً لفهم مستقبل النظام الدولي وتوازناته الإقليمية خلال العقود القادمة.
هوامش ومراجع الجزء الأول:
1.The Economist, “The Changing Rules of War,” 2026.
2.Lawrence Freedman, Strategy: A History (Oxford University Press, 2013).
3.مركز تقدم للسياسات، تحولات النظام الدولي بعد الحرب الباردة.
4.Thomas C. Schelling, Arms and Influence (Yale University Press, 1966).
5.Alexander George, Forceful Persuasion (USIP Press, 1991).
6.مركز تقدم للسياسات، تحولات الردع في النظام الدولي.
7.John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics.
8.مركز تقدم للسياسات، الحرب السورية وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
9.Stephen Walt, “The Return of Power Politics,” Foreign Affairs.
10.The Economist, analysis on the erosion of norms in war.
هوامش ومراجع الجزء الثاني:
11 Hal Brands, “Great Power Competition,” Foreign Affairs.
12 John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics.
13 Soner Cagaptay, The New Sultan: Erdogan and the Crisis of Modern Turkey.
14 Graham Allison, Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’ Trap?
15 Oriana Skylar Mastro, The Costs of Conversation.
16 The Economist, analysis on China and Taiwan.
17 مركز تقدم للسياسات، تقدير موقف: التصعيد الإيراني الإسرائيلي.
18 مركز تقدم للسياسات، التنافس الدولي في الشرق الأوسط.
19 مركز تقدم للسياسات، تحولات الدولة في الشرق الأوسط.