من الانتقال الاقتصادي إلى الاستقرار المجتمعي:
مقاربة سياساتية لإصلاح الاطار القانوني للاقتصاد السوري
ورقة سياسات – مركز تقدم للسياسات
تقديم: تدخل سوريا منذ عام 2025 طوراً انتقالياً يتجاوز فكرة “التعافي الاقتصادي” بالمعنى الضيق، نحو إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع بعد حرب طويلة أضعفت مؤسسات الدولة، وبدّدت رأس المال البشري، وعمّقت الفقر، ووسّعت الاقتصاد غير الرسمي، وأنتجت فجوة ثقة عميقة بين الناس والإدارة العامة. في هذا الطور، لا تعود السياسات الاقتصادية مجرد أدوات مالية أو إدارية لضبط الأسعار أو تحفيز الاستثمار، بل تتحول إلى محدِّد مباشر للاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي: فهي إما أن تفتح مساراً لاستعادة العقد الاجتماعي وبناء الثقة، أو أن تتحول، إذا نُفِّذت على نحو متعجّل وغير محكوم، إلى مصدر صدمات معيشية، وإعادة إنتاج “اقتصاد المحاسيب”، وتوسيع الفجوات المناطقية، وتفجير توترات كامنة.
تنطلق هذه الورقة من سؤال مركزي: كيف يمكن تحويل الانتقال الاقتصادي إلى رافعة للاستقرار المجتمعي، لا إلى عامل تفكيك إضافي؟ ويتفرع عنه عدد من الأسئلة العملية التي ستسعى الورقة إلى مقاربتها: ما طبيعة القيود البنيوية التي تحكم اقتصاد سوريا بعد 2025، وما حدود قدرة الدولة على الإصلاح في ظل فجوة الموارد واتساع الاحتياجات؟ ما المخاطر الاجتماعية والسياسية المرافقة لسياسات التحرير السريع ورفع الدعم وإعادة هيكلة القطاع العام؟ كيف يمكن منع انتقال البلاد من “اقتصاد حرب” إلى “اقتصاد محاسيب جديد” تحت عناوين الخصخصة أو الشراكات؟ ما الإطار الممكن لموازنة مقتضيات اقتصاد السوق مع حماية اجتماعية فعّالة وإدارة عادلة للموارد الطبيعية؟ وأخيراً: ما شروط الحوكمة الاقتصادية التي تجعل الإصلاح مقبولاً اجتماعياً وقابلاً للاستمرار سياسياً؟
التحليل:
إن أي تشخيص واقعي للاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد 2025 يجب أن يبدأ من حقيقة أن نقطة الانطلاق ليست اقتصاداً “يحتاج تحديثاً” بل اقتصاداً “يحتاج إعادة تأسيس وظيفي” في ظل هشاشة اجتماعية عميقة. فسنوات الحرب لم تخفض الدخل الحقيقي فحسب، بل أعادت تشكيل مصادر العيش: توسعت المهن الهشّة، وتضخّم الاقتصاد غير الرسمي، وتراجعت قدرة الأجور على ملاحقة الأسعار، وأصبحت شرائح واسعة تعيش على تحويلات متقطعة أو مساعدات أو أعمال يومية غير مستقرة. وهذا يعني أن أي تعديل حاد في أسعار الطاقة، أو الخبز أو النقل أو الخدمات الأساسية لا يُترجم كإجراء “تصحيحي” بل كصدمة مباشرة تمسّ الحد الأدنى من البقاء، وتحوّل السياسة الاقتصادية من ملف تقني إلى اختبار شرعية يومي. في بيئات كهذه، يصبح “التدرّج” ليس ترفاً نظرياً، بل شرطاً لإدارة المخاطر.
تتضاعف هذه الحساسية بسبب تآكل الثقة المؤسسية. فالمجتمع الذي خبر طويلاً الفساد وضعف الشفافية، في ظل النظام السابق، سيقرأ القرارات الاقتصادية عبر عدسة الريبة: من يدفع الكلفة؟ من يستفيد؟ هل تُدار الموارد كملكية عامة أم كغنيمة؟ لذلك، حين تُطرح سياسات مثل تحرير الأسعار أو إعادة هيكلة الدعم أو فتح الباب أمام استثمارات كبيرة، فإنها ستواجه تلقائياً سؤال العدالة والحوكمة قبل سؤال الكفاءة الاقتصادية. وإذا لم تُقدّم الدولة ضمانات واضحة، قانونياً وإجرائياً، فإن السياسات قد تُفهم بوصفها إعادة توزيع للثروة والنفوذ لصالح فئات محددة، حتى لو صيغت بلغة “الإصلاح” و“ اقتصاد السوق”.
على المستوى المالي والهيكلي، تواجه الدولة فجوة مزدوجة: فجوة موارد وفجوة قدرة تنفيذية. فالاحتياجات المرتبطة بإعادة الإعمار والخدمات والبنية التحتية أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة، بينما ما يزال الجهاز الإداري، مهما تحسن، مثقلاً بإرث تشوهات طويلة، وفقرالبيانات، وتداخل المصالح. في هذه الظروف، تنجذب
– مخاطر رفع الدعم او تحرير الأسعار المفاجئ:
تلجأ الحكومات عادة إلى حلول “سريعة المردود” مثل رفع الدعم دفعة واحدة أو خصخصة/شراكات غير محكومة أو تحرير تجاري غير متوازن، بحثاً عن سيولة مالية أو خفض عجز فوري. غير أن التجارب الانتقالية المقارنة تُظهر أن هذا المسار، حين ينفصل عن آليات حوكمة ومساءلة وحماية اجتماعية، غالباً ما ينتج ثلاثة مسارات خطرة متزامنة: صدمة معيشية، وإثراء ريعي جديد، واستقطاب اجتماعي ومناطقي.
يتجسد الخطر الأول في تحويل تحرير الأسعار إلى صدمة واسعة. فرفع الدعم أو تحرير أسعار الطاقة والخدمات الأساسية دون بدائل واقعية وموجّهة سيؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية فوراً، ويُفاقم الفقر، ويُشعر قطاعات واسعة بأن كلفة الإصلاح تُحمَّل لها وحدها. لا يعني ذلك أن الدعم بصيغته القديمة قابل للاستمرار، لكن يعني أن مسار الإصلاح يجب أن يعيد تعريف الدعم لا إلغاءه: الانتقال من دعم سلعي عام ومكلف إلى حماية اجتماعية ذكية وموجهة، وربط أي تعديل سعري بإجراءات تخفيف مُسبقة ومعلنة، حتى لا يتحول الإصلاح إلى عقوبة جماعية.
الخطر الثاني هو إعادة إنتاج اقتصاد “المحاسيب” تحت عنوان اقتصاد السوق. ففي بيئات ضعيفة الشفافية، قد تتحول الخصخصة أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى آلية لنقل الأصول العامة إلى فئات نافذة، أو منح امتيازات احتكارية طويلة الأمد، بما يخلق انطباعاً بأن البلاد تستبدل نخبة ريعية بأخرى. هنا يصبح جوهر الإصلاح ليس “من يملك؟” فقط، بل “كيف تُدار عملية نقل الملكية/الإدارة؟” وما هي قواعد المنافسة؟ وما هي معايير الإفصاح؟ وما هو دور الرقابة؟ إن اقتصاد السوق لا يعمل دون دولة تنظيمية قوية، وإلا يصبح سوقاً للامتيازات لا سوقاً للمنافسة.
الخطر الثالث يتمثل في اتساع الفجوة الاجتماعية والمناطقية. فالانفتاح الاقتصادي يميل بطبيعته إلى تركيز مكاسبه في قطاعات ومناطق قادرة على جذب الاستثمار والتجارة والخدمات، بينما تبقى الأطراف الأضعف، الريف والهوامش والمناطق المتضررة، أقل قدرة على الاستفادة وأكثر عرضة لارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات. وإذا لم تُصمم السياسات العامة بمنظور عدالة إقليمية، فإن الاقتصاد سيعيد إنتاج خريطة توتر جديدة: مناطق رابحة ومناطق خاسرة، وهو ما يهدد الاستقرار طويل الأمد، حتى لو تحسنت مؤشرات النمو العامة.
وفي قلب هذه التحديات تقف مسألة الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط والغاز. فهذه الموارد يمكن أن تكون رافعة للتعافي، لكنها قد تصبح أيضاً وقوداً للتنافس المحلي إذا غابت قواعد توزيع واضحة وعادلة. إن تحويل الريع إلى تنمية يتطلب آليات مؤسسية لإدارة العائدات، وشفافية في التحصيل والإنفاق، وتخصيصاً تنموياً يراعي العدالة الجغرافية، وتوجيه العائدات إلى قطاعات إنتاجية مولِّدة للعمل كالصناعة والزراعة والطاقة المتجددة. بغير ذلك، ستتضخم الريعية مجدداً، وتتعمق التفاوتات، ويُختطف القرار الاقتصادي لصالح صراعات النفوذ حول “من يتحكم بالريع”.
– إصلاح البنية القانونية والتشريعية: الاستثمار بوصفه التزاماً اجتماعياً لا امتيازاً ريعيّاً:
يشكّل إصلاح الإطار القانوني والتشريعي أحد المفاتيح الحاسمة لتحويل الانتقال الاقتصادي إلى مسار منتج ومستقر اجتماعياً، إذ لا يمكن تحقيق توازن فعلي بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الضعيفة من دون منظومة قوانين واضحة، قابلة للتنفيذ، وتُعيد تعريف العلاقة بين رأس المال والمجتمع. ففي السياق السوري الراهن، حيث تشكّل الفئات الهشّة ومحدودة الدخل الأغلبية العددية، تصبح التشريعات الاقتصادية أداة سياسية واجتماعية بقدر ما هي أداة تنظيمية، وتتحول العدالة القانونية إلى شرط للاستقرار، لا عائقاً أمام النمو.
ينبغي أن يقوم قانون الاستثمار على منطق الشراكة المتوازنة، لا على منطق الامتيازات غير المشروطة. فبدلاً من الاكتفاء بحوافز ضريبية أو تسهيلات إجرائية واسعة، يتطلب الأمر إطاراً تشريعياً واضحاً يُلزم المستثمر -وخاصة في المشاريع الكبرى – بتحمّل جزء من الأعباء الاجتماعية المصاحبة لنشاطه الاقتصادي. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، ربط منح التراخيص أو الامتيازات بحصص واضحة لتشغيل اليد العاملة المحلية وذوي الاحتياجات الخاصة والمراة، والمساهمة في تطوير البنية التحتية والخدمات في المناطق المستضيفة للمشاريع، والالتزام بمعايير بيئية واجتماعية قابلة للقياس والرقابة. إن إدماج “البعد الاجتماعي للاستثمار” في نص القانون ذاته، لا في ملحقاته أو خطابه الإعلامي، من شأنه أن يحوّل الاستثمار من مصدر محتمل للتفاوت إلى رافعة للتنمية المحلية وبناء الثقة.
إلى جانب ذلك، يُعدّ إصلاح النظام الضريبي شرطاً مركزياً لتحقيق العدالة الاقتصادية ومنع تحميل الفئات الأضعف كلفة الإصلاح. فالاعتماد على أنظمة ضريبية غير متدرجة، أو على ضرائب غير مباشرة مرتفعة، يؤدي عملياً إلى نقل العبء الضريبي إلى محدودي الدخل، ويقوّض أي مكاسب اجتماعية محتملة من النمو. وعليه، تبرز الحاجة إلى قانون ضريبي متدرّج وعادل، يوسّع القاعدة الضريبية أفقياً عبر دمج الأنشطة الريعية والكبرى في النظام الضريبي، ويراعي القدرة التكليفية عمودياً عبر حماية الشرائح الفقيرة ومحدودة الدخل. كما ينبغي أن يُصمم النظام الضريبي بوصفه أداة لإعادة توزيع جزئي للدخل، ودعم الإنفاق الاجتماعي والخدمات العامة، لا مجرد وسيلة لزيادة الإيرادات قصيرة الأجل.
أما فيما يتصل بالقطاع المصرفي، فإن إصلاح قانون البنوك يشكّل حجر زاوية في إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج. فقد تحوّل النظام المصرفي خلال سنوات الأزمة إلى بنية شبه صرافية، يتركز دورها في التحويلات وتبديل العملات والعمليات قصيرة الأجل، مع انكفاء واضح عن تمويل الاستثمار الحقيقي. ويتطلب تجاوز هذه الحالة إعادة تعريف وظيفة البنوك قانونياً وتنظيمياً، بحيث تتحول من وسيط مالي سلبي إلى قائد ومحفّز للنشاط الاقتصادي. ويشمل ذلك تحديث أطر الإقراض والاستثمار، وتوسيع أدوات التمويل الموجّه للقطاعات الإنتاجية، ولا سيما المؤسسات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة، وربط السياسة الائتمانية بأهداف التنمية والتشغيل، مع توفير ضمانات ائتمانية تقلل المخاطر دون إلغاء الانضباط المالي.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الإصلاح القانوني بوصفه استجابة تقنية لمتطلبات السوق، بل كجزء من إعادة بناء العقد الاجتماعي الاقتصادي، حيث يصبح الاستثمار التزاماً متبادلاً بين الدولة ورأس المال والمجتمع. ومن دون هذه المنظومة التشريعية المتوازنة، سيبقى الاستثمار مهدداً بالتحول إلى أداة تراكم غير عادل، فيما تبقى الفئات الضعيفة خارج دائرة الاستفادة، بما يهدد بإفراغ أي مسار إصلاحي من مضمونه الاجتماعي والاستقراي.
– تقترح الورقة إطاراً عملياً لتمكين التحول الاقتصادي دون كسر الاستقرار المجتمعي، يقوم على ثلاث ركائز مترابطة:
الحوكمة، والحماية، والإنتاج. الحوكمة تعني قواعد شفافة ومعلنة لإدارة الأصول والعقود والاستثمارات، وآليات منافسة مفتوحة، وتفعيل رقابة مؤسسية حقيقية، وإتاحة بيانات اقتصادية موثوقة.
والحماية تعني شبكات أمان اجتماعي موجهة، وآليات استهداف فعالة، وربط القرارات السعرية بمصدّات تخفيف، وإدماج البعد الاجتماعي في التخطيط الكلي لا التعامل معه كملحق.
أما الإنتاج فيعني تفضيل الاستثمار الذي يولّد عملاً وقيمة مضافة على الاستثمار الريعي قصير الأجل، مع دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومنع الاحتكار، وبناء بيئة أعمال تتسم بالاستقرار القانوني والقضائي.
الخلاصة
** التحول الاقتصادي في سوريا ما بعد 2025 ليس خياراً تقنياً يمكن قياسه بمؤشرات مالية فقط، بل مسار سياسي–اجتماعي بامتياز، تتوقف عليه فرص الاستقرار وإعادة بناء الثقة.
** الإصلاح غير المنضبط – خصوصاً في ملفات الأسعار والدعم والأصول العامة والموارد الطبيعية – يحمل مخاطر عالية بإنتاج صدمات معيشية، وإعادة تدوير الريعية عبر شبكات مصالح جديدة، وتعميق الفجوات المناطقية، بما يعيد خلق بيئات عدم الاستقرار.
** في المقابل، فإن تبنّي مسار متدرج وشفاف وشامل، يوازن بين منطق السوق ومنطق الحماية الاجتماعية، ويعيد بناء الحوكمة كشرط للشرعية، يفتح نافذة واقعية لتحويل الانتقال الاقتصادي إلى رافعة للاستقرار المجتمعي، وإطلاق تعافٍ مستدام يعيد إدماج المجتمع في الدولة بدل تعميق المسافة بينهما.