منظومات التأثير الرقمي وإعادة تشكيل المشهد الانتخابي: فرنسا نموذجاً وإسرائيل مختبراً

ورقة سياسات.

أمير مخول، مركز تقدم للسياسات – لندن

مقدمة:

يشهد العالم تحولاً جذرياً في طبيعة التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول، إذ لم يعد هذا التدخل يتطلب شبكات دبلوماسية أو جماعات ضغط تقليدية أو حتى تمويلاً سياسياً مباشراً قابلاً للرصد والكشف. فقد أتاح الذكاء الاصطناعي وتقنيات صناعة المحتوى الرقمي وأدوات الأمن السيبراني المتطورة أشكالاً جديدة من التأثير تتسم بالخفاء والفاعلية في آنٍ واحد، وتستطيع أن تُعيد هندسة المزاج الانتخابي في أي دولة دون أن تترك بصمات واضحة على أصحابها. وما كشفته التحقيقات الفرنسية حول الشركة الإسرائيلية “بلاك كور” ليس مجرد فضيحة معلوماتية عابرة، بل هو نافذة كاشفة على منظومة متكاملة تُعيد تعريف مفهوم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتُلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل العملية الديمقراطية في أكثر من دولة، وفي مقدمتها إسرائيل ذاتها التي تقف على أعتاب انتخابات توصف بأنها الأكثر مصيرية في تاريخها.

أولاً: المعطيات:

في منتصف مايو 2026، تعاطت صحف إسرائيلية عديدة، من بينها “هارتس” و”يسرائيل هيوم” و”ماكور ريشون”، مع تحقيقات تجريها السلطات الفرنسية حول تورط شركة إسرائيلية تُدعى “بلاك كور” في حملة تضليل ممنهجة استهدفت مرشحين يساريين لرئاسة بلديات فرنسية كبرى. وأكدت وكالة رويترز في الحادي والثلاثين من مايو تورط الشركة في هذه الحملة، وإن ظلت هوية الجهة الإسرائيلية الآمرة بهذه العملية مجهولة علناً حتى الآن.

شملت الحملة المنسوبة إلى الشركة إنشاء مواقع إلكترونية وهمية وحسابات مزيفة وإعلانات تشهيرية استهدفت ثلاثة مرشحين بارزين من حزب “فرنسا المستقلة” اليساري: سيباستيان ديلوجو مرشح رئاسة بلدية مرسيليا، وفرانسوا بيكمال مرشح تولوز، وديفيد جيرو مرشح روبيه. واتسمت محتويات هذه الحملة باتهامات بالفساد الأخلاقي وارتكاب جرائم جنسية ووصم المرشحين بمعاداة السامية، وقد أدت إلى انسحاب بعض هؤلاء المرشحين من السباق الانتخابي.

أزالت شركة “ميتا” المالكة لمنصة فيسبوك شبكة من الحسابات والصفحات التي انتهكت قواعدها المعلوماتية، وأوضحت أن النشاط غير اللائق انطلق من إسرائيل وكان “موجهاً بالدرجة الأولى ضد فرنسا”، مع ربطه بأنشطة مماثلة قامت بها الشركة الإسرائيلية ذاتها في إحدى الدول الأفريقية. وامتنعت “ميتا” عن الكشف الرسمي عن هوية الجهة المسؤولة.

وصفت شركة “بلاك كور” نفسها على موقعها الإلكتروني وصفحتها على لينكد-إن، بأنها “شركة نخبوية متخصصة في التأثير والأمن السيبراني والتكنولوجيا، مصممة لعصر الحرب المعلوماتية الحديث”، وأنها تزود الحكومات والحملات السياسية “باستراتيجيات متطورة وأدوات متقدمة لتشكيل الروايات”. وتنسجم هذه الحملة مع ما هو معروف من قدرات إسرائيلية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وصناعة المحتوى الرقمي.

ليست قضية “بلاك كور” الحادثة الأولى من نوعها في هذا السياق. ففي عام 2021، اندلعت فضيحة برمجية “بيغاسوس” التي طورتها الشركة الإسرائيلية NSO، والتي تمكنت وفق تقارير موثقة من اختراق نحو خمسين ألف رقم هاتفي وضمت لائحة مستهدفيها صحفيين وناشطين في حقوق الإنسان ومسؤولين حكوميين وسياسيين بارزين من بينهم رؤساء دول. وقد صنّفت الولايات المتحدة الشركة في لوائحها السوداء بعد اتهامها باستهداف مسؤولين أمريكيين.

على الصعيد الإسرائيلي الداخلي، تتصاعد المؤشرات على اقتراب انتخابات برلمانية توصفها شخصيات سياسية بارزة من بينها رئيسا الوزراء السابقان إيهود باراك وإيهود أولمرت بأنها ستكون الأكثر مصيرية في تاريخ الدولة، مع تحذيرات من أن تكون أيضاً الأكثر توظيفاً لأدوات التأثير الرقمي في هندسة المزاج الانتخابي.

ثانياً: التحليل

– من اللوبي التقليدي إلى منظومات التأثير الرقمي:
أسهمت جماعات الضغط التقليدية تاريخياً في تشكيل السياسات عبر التأثير المباشر على صانعي القرار وتقديم الحوافز لهم وبناء شبكات علاقات مؤسسية طويلة الأمد. وقد ارتبط هذا النمط بقدرة على الرصد والمساءلة، ذلك أن اللوبي يترك بصمات قانونية ومالية قابلة للتتبع. غير أن ما تمثله شركات من قبيل “بلاك كور” يُجسّد نقلة نوعية في هذا المشهد: فبدلاً من إقناع السياسيين وتغيير مواقفهم عبر الحوافز، بات الهدف هو إقصاؤهم أصلاً من المشهد السياسي عبر تدمير سمعتهم قبل أن يصلوا إلى مواقع القرار. وبدلاً من التأثير على السياسات، يجري التأثير على البيئة الانتخابية التي تُنتج هذه السياسات. وبدلاً من الميزانيات الضخمة التي تستلزمها اللوبيات التقليدية، تتيح هذه التقنيات تحقيق أثر أوسع بكلفة أقل وقابلية أعلى للإنكار.

والفارق الجوهري بين النمطين أن اللوبي التقليدي يعمل ضمن المنظومة السياسية القائمة ويستهدف التأثير عليها من الداخل، فيما تعمل منظومات التأثير الرقمي على إعادة هندسة البيئة التي تنبثق منها هذه المنظومة أصلاً. وهذا يجعل الرد عليها وتنظيمها أكثر تعقيداً وأقل فاعلية في الأطر القانونية والتنظيمية الراهنة.

– استهداف اليسار الفرنسي: الدلالة السياسية.
إن اختيار حزب “فرنسا المستقلة” هدفاً للحملة المنسوبة إلى “بلاك كور” ليس عشوائياً، بل هو كاشف عن الهوية السياسية لمن يقف وراء هذه العملية. فالحزب يجمع بين موقفين يُشكّلان تهديداً مزدوجاً على السياسة الإسرائيلية الراهنة: تأييده الصريح للحقوق الفلسطينية، ومعارضته للسياسات النيوليبرالية التي تُفرز الذين يميلون أصلاً إلى المواقف المنتقدة لإسرائيل. وتصاعد حضور هذا الحزب في الانتخابات البلدية والعامة الفرنسية يجعله منافساً جدياً محتملاً على السلطة، وقادراً على ترجمة مواقفه إلى سياسات دولة تجاه القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل.

ومن هنا تتضح الاستراتيجية: وصم المرشحين باللاسامية يُحيّدهم شعبياً قبل أي مناقشة سياسية، واتهامهم بجرائم جنسية وفساد أخلاقي يُشغل الرأي العام بمعارك شخصية بعيداً عن البرامج السياسية. وهذا الدمغ الاستباقي يهدف إلى ضمان قاعدة شعبية مناوئة لهذا التيار قبل أن يستطيع البناء عليه انتخابياً، وهو امتداد لسياسة حكومة نتنياهو في مواجهة الرأي العام الأوروبي المتحول تجاه القضية الفلسطينية عبر ربط أي انتقاد لإسرائيل بمعاداة السامية.

– تراجع اللوبي التقليدي وصعود التأثير التكنولوجي:
لا يمكن فهم ما تمثله “بلاك كور” دون استيعاب السياق الأشمل للتحولات التي طرأت على أدوات التأثير الإسرائيلي في السياسة الغربية. فمنذ بداية الحرب على غزة، تراجع وزن “إيباك” وجماعات الضغط اليهودية التقليدية في الولايات المتحدة تراجعاً ملحوظاً، تزامن مع هيمنة تيار “أمريكا أولاً” الذي يُقلّص تأثير هذه الجماعات. وفي أوروبا، يواجه اللوبي الإسرائيلي التقليدي رياحاً معاكسة متصاعدة في ضوء التحول الجذري في الرأي العام الغربي إثر الحرب على غزة.

هذا التراجع في فاعلية الأدوات التقليدية يدفع نحو الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية التي تتمتع بثلاث ميزات استراتيجية:

• قدرة عالية على الإنكار وصعوبة الإسناد القانوني،
• فاعلية واسعة النطاق بكلفة منخفضة نسبياً،
• وقدرة على استهداف شرائح بعينها بدقة غير متاحة للأدوات التقليدية.
وتُشكّل هذه الميزات مجتمعةً بيئة مثالية لتوظيف هذه التقنيات في خدمة أهداف سياسية خارج الأطر القانونية والرقابية المعتادة.

إسرائيل: الانتخابات الأكثر مصيرية والأكثر رقمية.

تأخذ هذه القضية بُعداً إضافياً حين تُقرأ في سياق المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي. فإسرائيل تقف أمام انتخابات برلمانية توصف بأنها الأكثر مصيرية في تاريخها، في ظل توقعات بأن تكون أيضاً الأكثر توظيفاً لأدوات التأثير الرقمي. ويرى محللون إسرائيليون أن ائتلاف نتنياهو لن يتنازل عن السلطة ما أمكنه ذلك، وأنه سيوظف كل الأدوات المتاحة للبقاء، بما فيها أدوات مشكوك في مشروعيتها القانونية.

في هذا السياق، ثمة محوران رئيسيان لتوظيف هذه التقنيات داخلياً:

– أولهما التأثير على التصويت العربي الفلسطيني في إسرائيل عبر إحداث انزياح في المزاج السياسي لهذه الشريحة أو كبت نسب مشاركتها،
– ثانيهما استهداف أحزاب المعارضة وتشتيت قواعدها وتضخيم الخلافات داخلها.
المفارقة أن شركات صناعة المحتوى والتأثير كثيرة في إسرائيل ذاتها، مما يجعل البيئة مهيأة لتوظيف مكثف لهذه الأدوات داخلياً بالقدر الذي تُوظَّف فيه خارجياً.

ومن اللافت أن الحملات الانتخابية لأقطاب المعارضة باتت تعتمد هي الأخرى الذكاء الاصطناعي وهندسة المحتوى، غير أن السيطرة على هذه الأدوات وموارد توظيفها تبقى أوسع لدى أحزاب الائتلاف الحاكم. وما كان خطاب نتنياهو الشهير في السابع عشر من مارس 2015 عن “توافد المصوتين العرب بأعداد هائلة” وما يمثله من تعبئة للقاعدة اليمينية، فقد باتت تقنيات شركات التأثير قادرة على إنجازه وتجاوزه دون أن يتلفظ به أحد.

ثالثاً: الخلاصات والتوصيات:

** تُمثّل قضية “بلاك كور” في فرنسا حدثاً مؤسساً في تاريخ التدخل الرقمي في الانتخابات الديمقراطية، لا لأنها الأولى من نوعها بل لأنها الأكثر توثيقاً والأوضح دلالةً على طبيعة المرحلة القادمة. فقد أثبتت أن الانتخابات المحلية، حتى في أعرق الديمقراطيات، باتت ساحة مكشوفة لتدخل قوى خارجية تملك التقنية والإرادة.

** انتقل التدخل في السياسات الداخلية للدول من نموذج اللوبي القائم على التأثير في السياسيين إلى نموذج جديد قائم على إقصاء السياسيين الخصوم أصلاً عبر تدمير سمعتهم وشل قدرتهم الانتخابية. وهذا النموذج الجديد أكثر فاعلية وأصعب رصداً وأقل كلفة من سابقه.

** استهداف الحزب اليساري المناصر للحق الفلسطيني في فرنسا يكشف عن استراتيجية ممنهجة لمنع ترجمة التحول في الرأي العام الغربي إلى سياسات دولة، وهو ما يعني أن التدخل الرقمي في الانتخابات بات أداةً لمقاومة الديمقراطية ذاتها حين تُنتج نتائج غير مرغوب فيها.

** تقنيات الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الرقمي باتت الأداة الحاسمة في هندسة المزاج الانتخابي، وستكون كذلك في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة التي قد تشهد توظيفاً غير مسبوق لهذه الأدوات سواء في استهداف الأقليات العربية أو في التأثير على قواعد المعارضة.

** تواجه الأطر القانونية والتنظيمية الدولية الراهنة فجوة حقيقية في التعامل مع هذا النوع من التدخل، إذ إن الأدوات الرقابية المتاحة لم تُصمَّم لمواجهة تدخل خفي وقابل للإنكار بهذا المستوى من التطور. وهذا يستدعي من الدول الديمقراطية، ومنها الدول الأوروبية، تطوير أطر قانونية وتقنية جديدة قادرة على رصد هذه التدخلات وملاحقة أصحابها ومحاسبتهم.

** على صانعي القرار في الدول المستهدفة إدراك أن التحديات الديمقراطية لم تعد مقتصرة على من يصوّت ولمن يُصوَّت، بل باتت تشمل البيئة المعلوماتية التي يتشكّل فيها هذا التصويت. وحماية هذه البيئة باتت شرطاً لا غنى عنه لضمان نزاهة العملية الديمقراطية في عصر الحرب المعلوماتية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.