مناورة النصرة، هيئة تحرير الشام : شهقة الموت الأخيرة

*اسعد كنجو
مقدمة: في أوسع حملة علاقات عامة شاركت بها قوى إقليمية، تحاول جبهة النصرة ترويج اعتدالها وخروجها من عباءة تنظيم القاعدة الدولي بعد انفصاله رسميا في سوريا تحت مسمى ” حراس الدين “، لكن الرد الأمريكي جاء سريعا، اذ أعلنت الخارجية الامريكية ان النصرة ومسمياتها الأخرى بما في ذلك هيئة تحرير الشام هي منظمات إرهابية. ما يعني ان لعبة استخدام ورقة النصرة بكافة مسمياتها، غير قابلة للمساومة في الوقت الراهن، ولا خيار امام الداعمين سوى العمل بكل وضوح على شطب هذا التنظيم الإرهابي من الوجود، في إطار تنفيذ مخرجات اجتماعات الاستبانة وتقاسم مناطق النفوذ والتهدئة.
التحليل : بلا مقدمات أو مؤشرات مسبقة تم استحداث مكتب سياسي لهيئة تحرير الشام على عجل، تبعه بيوم واحد لقاء لموقع الجزيرة الإلكتروني مع رئيس المكتب السياسي لهيئة تحرير الشام (النصرة)، يوسف الهجر أو من يعرف بأبي البراء الشامي، اللقاء الذي جاء على شكل نص مكتوب، حمل صورة للهجر ببدلة رسمية وبلحية خفيفة ، حرص على اظهار براغماتية عالية للنصرة وتبنى شعارات قل استخدامها بأدبيات الجماعات “السلفية الجهادية “، فقد تحدث بنفس ”ثوري محلي“ وحرص على تكرار ذكر الثورة السورية ومطالبها، بالإضافة لحرصه على تجنب أي مصطلحات جهادية أو راديكالية، كما جاءت المقابلة لتحمل خطابا جديدا لهيئة تحرير الشام أظهر مرونة للانخراط بالعملية السياسية وأثنى الهجر على الجانب التركي وتحدث عن علاقات طيبة بينهما، تزامنت هذه المقابلة مع تسريبات نشرتها مواقع مقربة من النظام التركي والإخوان المسلمين السوريين، انفردت بنشر محتوى خطاب وجهه الجولاني لعناصره في البادية السورية، الذي ”بشر“ عناصره ” أن تنظيمهم بات خارج قوائم الارهاب العالمية وأنهم بصدد الانخراط بالعملية السياسية أو الجيش الوطني الذي يتم التحضير له .. “، لكن الصدمة جاءت اسرع من كل التقديرات ، فبعد يومين من نشر الخطاب المزعوم ، قامت الولايات المتحدة بضم الاسم الجديد لهيئة تحرير الشام ضمن قوائم الارهاب، ما بدا واضحا أنه رد على الرسالة التي حاولت أطراف إقليمية توجيهها للمجتمع الدولي كخطوة لجس النبض، ولما كان الرد الأمريكي بهذا الوضوح الصارم ، تم سحب مقابلة رئيس المكتب السياسي وحذفها من موقع الجزيرة الالكتروني ثم تبعها تصريحات للجولاني أعاد لجبهته الوجهة الجهادية المتطرفة حيث أعلن” أن النصرة  مستمرة في الجهاد”، فقد بدا واضحا أن الرفض الغربي للرسائل التي وجهها الجولاني وضعه في موقف صعب واضعف من مكانته وتطلعاته ليصبح من المشهد المعارض في الشمال السوري ، فالتنازلات السابقة التي قدمها الجولاني والتي كان أبرزها فك ارتباطه بالقاعدة وتصفية صفوفه – ظاهريا – من الصقور، أفقده الدعم الذي كان يحظى به من قبل القاعدة وأنصارها في العالم والداخل، وأدى الى اضعاف التنظيم وتعرضه لانشقاق هو الأكبر منذ نشأته السورية بخروج ابرز قيادات القاعدة التاريخيين وتشكيلهم لفصيل “حراس الدين “.

حراس الدين
بعد أن تخلى أبو محمد الجولاني بشكل كامل عن مبايعته لتنظيم القاعدة العالمي وسعى لملاحقة قياداته وتقليص نفوذه داخل الأراضي السورية، شكلت الفصائل المنشقة عن هيئة تحرير الشام نواة تنظيم جهادي جديد، ففي صبيحة السابع والعشرين من فبراير من العام الحالي، أعلنت تلك المجموعات عن تشكيل فصيل جهادي تحت مسمى” حراس الدين” والذي أعلن ولاءه لتنظيم القاعدة ولزعيمه أيمن الظواهري بشكل مباشر، كانت ركائز التنظيم الجديد من يعرفون بالتيار الأكثر تشددا داخل جبهة النصرة أو صقور القاعدة في سوريا، وكان أبرزهم جيش البادية، جيش الساحل، سرايا كابل، سرايا الساحل، جيش الملاحم وأنصار الشريعة” وتولى الجهادي أبو همام الشامي قيادة التنظيم، بالإضافة لتشكيل مجلس شرعي خاص بالتنظيم يرأسه سامي العريضي ويضم أبو القسام الأردني وأبو جليبيب الطوباسي وأبو خديجة الأردني وأبو عبدالرحمن المكي وأبو حمزة اليمني، بينما أوكلت القيادة العسكرية لأبو القسام الأردني وهو شخصية قيادية من تنظيم القاعدة كان معتقلا في إيران ، قبل أن يرسله أيمن الظواهري إلى سوريا كمندوب عنه في الشؤون العسكرية، ومع بدء الإعلان عن التنظيم الجديد أعلنت المزيد من الفصائل الأخرى مبايعتها لحراس الدين على السمع والطاعة والولاء لزعيم القاعدة ، ومنها كتيبة البتار العاملة في الساحل بالإضافة لسرية الغرباء في تل منس في ادلب  وكتيبة أبو عبيدة ابن الجراح وكتيبة أبو بكر الصديق وسريتي الغوطة ودوما، وأبرز مناطق انتشاره في الساحل ومناطق في جبل الزاوية وريف إدلب، اضافة لمناطق أخرى من ريف حلب. هذا الانشقاق كان كفيلا بإضعاف موقف الجولاني في الساحة السورية، واستنزف نحو نصف عدد عناصره، كما أدى ابتعاد صقور القاعدة عن الجولاني لإفقاده الدعم الخارجي والحاضنة المحلية غير الملتزمة بفكر القاعدة.

المستقبل:

لاتزال تركيا حريصة على عدم الاصطدام بهيئة تحرير الشام أو الدخول بمواجهة معها، سيما وأن الأخيرة لازالت تسيطر على معظم المناطق في الشمال السوري، لكن في ذات الوقت لا تبدو أنقرة انها الراعي لجبهة النصرة بشكل علني، ريثما يتضح الموقف الدولي من الترتيبات الخاصة بالوضع السوري واستيعاب متطلبات الامن القومي التركي.

فبعد اتفاقات الأستانة بات الشمال السوري أمام واقع جديد بدأت تتبلور ملامحه أكثر فأكثر، وتمكنت تركيا من ترتيب أوضاع الشمال السوري تحت سيطرتها، بعد أن نجحت بدمج كبريات الفصائل الفاعلة في المنطقة  تحت هيئات موحدة تمهيدا لجمعها تحت راية ”الجيش الوطني“ بحيث يكون صاحب الكلمة العليا في الشمال السوري، ويكون ذراعها في عملية التسوية السياسية المقبلة، وسبق لتلك الفصائل أن خاضت قبل أشهر حرب إنهاء ضد هيئة تحرير الشام إلا أنها باءت بالفشل وتكبدت الأطراف خسائر كبيرة دون أن تحقق اهدافها، فانتهت الى هدنة مؤقتة بين الطرفين، لكن كافة اطراف الفصائل المعارضة تحت مسميات الجيش الحر ومعها احرار الشام خرجت من تلك الحرب مهشمة وضعيفة ، ترافق ذلك مع انقطاع الدعم العسكري والمالي الخارجي  واقتصاره على التركي ، فيما خرج تنظيم النصرة باقل الخسائر ، وبات من الواضح صعوبة تجاوز دوره العسكري والسياسي في المعادلة السياسية المقبلة في الشمال السوري ، وأن تكلفة إزاحته عن المشهد ستكلف تركيا والأطراف الأخرى حرب استنزاف طويلة ، هذا عدا عن المشاكل الأمنية التي قد تواجهها تركيا داخل أراضيها، والتركي يعلم اكثر من غيره ان التخادم بين الفصائل الإرهابية والانتقال بين المسميات الجهادية ظاهرة مكشوفة  .

الخلاصة: بات واضحا ان مستقبل جبهة النصرة بعد انشقاق جماعة القاعدة، مرتبط بالترتيبات الإقليمية والدولية الخاصة بالشمال السوري، الذي يخضع للنفوذ التركي بصورة لم تكتمل بتسليم كامل من قبل أطراف الصراع الرئيسية الروسي والأمريكي والإيراني. حتى ذلك الحين ستبقى ورقة النصرة بيد التركي للمساومة، نهايتها باعتراف الجميع ان لا مستقبل لأية كيانية كردية على حدوده الجنوبية من القامشلي وحتى عفرين وجبل التركمان، عندها لا خيار للجولاني غير ادماج ما تبقى لديه من قوات، في إطار الجيش الجديد التي تشكله تركيا من فصائل المعارضة بدعم منها، وسيبقى الطريق مفتوحا لذوي الرؤوس الحامية والغرباء للانضمام لفرع القاعدة المسمى بحراس الدين.

* مساعد باحث فى مركز التقدم العربى للسياسات

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.