معركة مؤسسية ليبية في زمن التسوية

جهاز المخابرات بين إقالة العائب وتعيين مليقطة

خلف عثمان، وحدة الشؤون الإفريقية، مركز تقدم للسياسات

مقدمة:
في خطوة تعكس تصاعد الصراع على مؤسسات الدولة في ليبيا، أصدر المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، في 29 يونيو/حزيران 2026، ثلاث قرارات متزامنة قضت بإقالة رئيس جهاز المخابرات حسين العائب، وتكليف عبد المجيد مليقطة خلفاً له، وتعيين عبد الشفيع حسين محمد نائباً للرئيس للشؤون العامة والاتصال الخارجي.

غير أن هذه القرارات، التي بدت إدارية في ظاهرها، سرعان ما كشفت عن أبعاد سياسية وقانونية عميقة، جعلت منها محطة جديدة في الصراع على مراكز النفوذ، تزامناً مع حراك دولي ترعاه الولايات المتحدة لإحياء مسار التسوية في ليبيا.
ويتناول هذا التحليل الأبعاد المختلفة لهذه الخطوة، بدءاً من أزمة الشرعية القانونية التي أحاطت بها، مروراً بالخلفيات السياسية والأمنية للشخصيات المعنية، وانتهاءً بدلالات التوقيت في سياق المشهد السياسي الليبي الراهن.

التحليل:
كشفت القرارات عن انقسام داخل المجلس الرئاسي واعتراض واسع من مجلس النواب، فضلاً عن الجدل بشأن الجهة المخولة قانونياً بتعيين رئيس جهاز المخابرات. وهكذا تحولت الخطوة من مجرد تغيير إداري في أحد أهم الأجهزة السيادية إلى أزمة سياسية وقانونية تعكس صراعاً أوسع على موازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة، في توقيت يتزامن مع حراك سياسي دولي لإحياء مسار التسوية في ليبيا.

– أزمة شرعية القرار وتضارب المرجعيات القانونية:
بدأت الأزمة مع تسريب قرار الإقالة والتعيين قبل صدوره رسمياً، بالتزامن مع تحركات أمنية حول مقر جهاز المخابرات في منطقة السبعة بطرابلس، ما أوحى بوجود ترتيبات ميدانية لتنفيذ القرار.
وتعمقت الأزمة بعدما أعلن عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني أن المجلس يمارس صلاحياته باعتباره سلطة جماعية، وأن المناصب السيادية لا تكتسب شرعيتها إلا بعد مناقشتها وإقرارها في اجتماع رسمي. وبعد إعلان المجلس الرئاسي أن القرار صدر بإجماع الأعضاء، نفى الكوني ذلك، مؤكداً مشاركته في الاجتماع عبر الاتصال المرئي، معبراً عن شكّه في الرواية الرسمية بشأن آلية اتخاذ القرار.

في السياق، رفض مجلس النواب الخطوة بصورة قاطعة. فقد طالب خمسون نائباً بعدم إجراء أي تغيير في رئاسة الجهاز، معتبرين أن القانون رقم (8) لسنة 2023 يمنح البرلمان الاختصاص الحصري لاعتماد رئيس جهاز المخابرات، باعتباره من المناصب السيادية المنصوص عليها في المادة (15) من الاتفاق السياسي. وأكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في خطاب وجّهه إلى أجهزة المخابرات في الدول الصديقة والشقيقة، أن أي تعيين أو إعفاء لا يكتسب المشروعية إلا بعد اعتماده من مجلس النواب.

وتكشف هذه التطورات عن استمرار التناقض بين المرجعيات المنظمة للمرحلة الانتقالية؛ إذ يمنح اتفاق جنيف المجلس الرئاسي صلاحية تسمية رئيس الجهاز مجتمعاً، مع مراعاة عدم اعتراض مجلس النواب، بينما يمنح القانون رقم (8) لسنة 2023 البرلمان سلطة الاعتماد النهائي، الأمر الذي يجعل القرار عرضة للطعن السياسي والقانوني. وهذا التناقض يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة في المرحلة الانتقالية، وغياب آلية واضحة لحسم النزاعات بين المؤسسات.

– دلالات تغيير الشخصيات:
إقالة حسين العائب تعني إنهاء نفوذ شخصية أمنية ذات امتدادات في معسكر الشرق، ارتبطت بالنظام السابق وقوات حفتر، وكانت محل خلاف بين الدبيبة والمنفي. تعززت الضغوط عليه بعد إدانة نجله ومسؤولين في جهازه بقضية محاولة اغتيال مليقطة (أبريل 2026).

فيما يعكس تعيين عبد المجيد مليقطة تحولاً نحو شخصية سياسية أكاديمية مقربة من الدبيبة والمنفي، بهدف إضفاء شرعية سياسية على الجهاز وتوجيهه نحو دور أكثر توافقاً مع متطلبات المرحلة الانتقالية، رغم تحفظات خصومه الذين يرونه امتداداً لنفوذ التيار السياسي المسيطر.

– التوقيت والسياق:
يتزامن القرار مع حراك أميركي لدفع مسار التسوية، يقوم على مشاورات غير معلنة بين ممثلين عن الغرب والشرق حول ثلاث قضايا رئيسية: إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية، وتهيئة البيئة للاستحقاق الانتخابي. ويمثل تغيير قيادة المخابرات جزءاً من إعادة توزيع النفوذ قبل أي تسوية شاملة، وورقة تفاوضية بيد المجلس الرئاسي لتعزيز موقعه أمام مجلس النواب وحكومة الدبيبة.

– الآثار المتوقعة والتوصيات:
• لا تقتصر تداعيات هذا القرار على جهاز المخابرات فحسب، بل تمتد إلى مختلف جوانب المشهد السياسي والأمني في ليبيا. ففي المدى القصير، من المتوقع أن تشهد العلاقة بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب مزيداً من التوتر، خاصة مع تمسك عقيلة صالح بموقفه الرافض للقرار، واحتمال لجوئه إلى إجراءات قانونية أو سياسية للطعن فيه، وقد يتجه مجلس النواب إلى تصعيد أوسع عبر دعوة إلى اجتماع طارئ أو التهديد بسحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية.
• في المدى المتوسط، قد يؤدي القرار إلى إعادة ترتيب التحالفات داخل المشهد الليبي، حيث قد يدفع معسكر الشرق إلى البحث عن حلفاء جدد داخل المؤسسات في طرابلس، كما قد يعيد بعض الأطراف في الغرب النظر في مواقفهم إذا رأوا في الخطوة تعزيزاً لنفوذ المنفي والدبيبة على حساب الآخرين.
• فيما يتعلق بمسار التسوية السياسية، قد يشكل القرار عقبة إضافية أمام التوافقات، خاصة إذا اعتبره معسكر الشرق خطوة استفزازية تهدف إلى تغيير موازين القوى قبل أي مفاوضات، في المقابل قد يراه البعض خطوة إيجابية نحو بناء مؤسسة أمنية أكثر مهنية واستقلالية تسهل التوحيد المؤسسي لاحقاً.
• على المستوى الأمني، قد تشهد الفترة المقبلة حراكاً داخل جهاز المخابرات نفسه، وقد يواجه مليقطة تحديات في فرض سيطرته على جهاز يضم عناصر من خلفيات أمنية وسياسية مختلفة، كما أن ردود فعل الأجهزة الأمنية الأخرى في الغرب والشرق ستكون عاملاً مهماً في تحديد مدى استقرار الأوضاع.
• دولياً، فقد تؤدي الخطوة إلى إعادة تقييم المواقف تجاه الأطراف الليبية، حيث قد ترى بعض الدول الغربية في إقالة العائب خطوة نحو الإصلاح المؤسسي، بينما قد تراها دول أخرى مؤشراً على تعزيز نفوذ التيار السياسي في طرابلس على حساب التوازنات القائمة، مما قد يؤثر على ديناميكية الدعم الدولي.

خلاصات:
1- القرار يعكس إعادة رسم لموازين القوى داخل مؤسسات الدولة، وليس مجرد إجراء إداري روتيني.
2- التناقض بين المرجعيات القانونية يضع القرار في أزمة شرعية حقيقية، ويجعله عرضة للطعن، بل ومحطة جديدة في الصراع المؤسسي القائم.
3- توقيت القرار مرتبط بالحراك الأميركي المتسارع في الملف الليبي، ويبدو أنه يهدف إلى تعزيز موقع المجلس الرئاسي ومنحه أوراق تفاوض إضافية قبيل أي تسوية مقبلة.
4- نجاح الخطوة مرهون بثلاثة عوامل: قدرة الأطراف على احتواء تداعياتها، وكفاءة مليقطة في إدارة الجهاز، وموقف الأجهزة الأمنية الأخرى، خاصة في الشرق.
الخلاصة النهائية:
دخلت معركة المؤسسات السيادية في ليبيا مرحلة جديدة، تحمل تداعيات مباشرة على مسار الوحدة الليبية والمبادرات الدولية ذات الصلة. وأي تسوية سياسية مقبلة لن تكتمل دون معالجة جذور هذا الصراع المؤسسي. والأيام المقبلة كفيلة بأن تحدد ما إذا كانت هذه الخطوة ستمهد لتوافقات أوسع، أم ستزيد من تصلب مواقف الأطراف المتنازعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.