مصير الحرب على إيران: صراع داخل واشنطن، مأزق نتنياهو، ورهان الوسطاء

ورقة سياسات:

أمير مخول | مركز تقدم للسياسات

ملخص تنفيذي:

تتناول هذه الورقة احتمالات نجاح جهود الوساطة الإقليمية في وقف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. رغم التهديدات الأمريكية المتصاعدة، تشير مؤشرات عدة إلى وجود مساعٍ تفاوضية عبر أربعة وسطاء إقليميين (مصر، السعودية، تركيا، باكستان). يواجه الرئيس ترامب صراعاً داخلياً في إدارته بين تيار الصناعات العسكرية الداعم لتوسيع الحرب وتيار “أمريكا أولاً” المتحفظ من حرب استنزاف طويلة، إضافة لقيود قانونية (مهلة 60 يوماً) وضغوط انتخابية. نشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في مجلة Foreign Affairs )أبريل3) تصوراً لإطار حل يبدو رسالة إيرانية شبه رسمية. الدول الوسيطة تملك طموحات جيوسياسية (خطوط طاقة، ممرات تجارية) تتناقض مع الرؤية الإسرائيلية، ما يعزز دورها. التباين بين التصريحات العسكرية والسياسية الإسرائيلية حول جدوى الحسم العسكري يبدو مقصوداً لتطبيع فكرة الحل السياسي. السيناريو الأرجح: وقف إطلاق نار مؤقت (45 يوماً) دون إعلان رسمي لإنهاء الحرب، يفتح المجال للمفاوضات. نتنياهو في مأزق: أي وقف للحرب دون انتصار واضح سيشكل كابوساً سياسياً له. الخلاصة: احتمالات نجاح الوساطة قائمة لكن غير مضمونة، والأيام القادمة ستكون حاسمة.

مقدمة:
يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقصى درجات التهديد بتدمير إيران، متوعداً بنسف الجسور والبنية التحتية والمرافق العامة، ليس فقط النظام أو منظومات الدولة، بل البلاد ذاتها. فيما ليس واضحاً ما إذا كان تحديد فجر الأربعاء بتوقيت القدس موعداً نهائياً حاسماً قبل “فتح أبواب الجحيم”، وهي مقولة تكررت أمريكياً وإسرائيلياً منذ الحرب على غزة.

بعيداً عن التهديدات والتصريحات الاستفزازية التي يطلقها ترامب، تشير بعض المؤشرات إلى وجود محادثات واتصالات، وإمكانية للتوصل إلى حل يشكل مخرجاً من الحرب وفقاً لتصريحاته. كما يتضح أنه يتبنى أسلوباً تفاوضياً قائماً على السعي لتشويش تقديرات معظم الأطراف. بناءً على تجربة المفاوضات مع إيران العام الماضي التي سبقت الجولة الأولى من الحرب في ذروة عملية التفاوض، وكذلك بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الحالية في سياق مفاوضات أمريكية-إيرانية عبر عدة وسطاء ورفض كامل للحرب من قبل جميع الدول العربية والإقليمية، فإن تهديداته الحالية قد تكون حسماً لموقف أمريكي نحو حرب تدميرية شاملة طويلة الأمد لا تبدو المخارج منها إلا بالحسم العسكري—الذي يؤكد القادة العسكريون الأمريكيون والإسرائيليون أنه لن يقود إلى تقويض النظام الإيراني.

الصراع داخل الإدارة الأمريكية: أي تيار سينتصر؟:
تبدو نقطة الحسم الأمريكية بالنسبة للحرب على إيران مرتبطة بالحسم داخل الإدارة الأمريكية ومواقع صنع القرار بشأن أي تيار ستكون له الغلبة. هل هو التيار المسنود بالصناعات الحربية الأمريكية التي وجدت في الحرب الحالية سوقاً كانت خيالية حتى أمد قريب، سواء في التعاقدات مع وزارة الدفاع والجيش الأمريكي أم بالتعاقدات مع دول عديدة معنية بسباق تسلح ومستندة إلى العتاد الأمريكي الأكثر تطوراً؟ أم التيار المعني بأولوية “أمريكا أولاً” نحو الداخل الأمريكي دون التورط في حروب طويلة الأمد ومُعوِّقة لبنية الولايات المتحدة وتأثيرها دولياً، ناهيك عن إسقاطات الحرب على موارد الطاقة وطرق إمداداتها وتأثيرها على الأسعار داخل الولايات المتحدة؟

بعد تنحيته المهينة علناً من قبل وزير الدفاع، صرح رئيس الأركان الأمريكي المُقال بوجود “مجنون سيقود الحرب”، بعد أن أوصى هو وقيادات أخرى في الجيش بعدم القيام بهذه الحرب. في المقابل، يبدو أن التيار الذي يقوده وزير الدفاع بيت هيغسيث، صاحب كتاب “الحملة الصليبية الأمريكية” (2020)، والمتماثل مع مصالح الصناعات العسكرية، له الغلبة حتى الآن مقابل نائب الرئيس جي دي فانس الذي تحفظ مسبقاً من الحرب وإسقاطاتها. فيما تبقى مفاتيح القرار بيد ترامب، لتتماشى معها معظم المواقف في إدارته.
من المستبعد تماماً أن يكون التكثيف غير المسبوق للترسانة الأمريكية في الخليج والمنطقة مجرد تكتيك تفاوضي. هذه القوات بكمياتها ونوعياتها وتكلفتها موجهة لإدارة الحرب لا المفاوضات. ثم إن صمت القيادة الإسرائيلية وحكومة أقصى اليمين يبدو مؤسساً على تقديرات بضربة قصوى أمريكية-إسرائيلية، بعد أن أخفقت الضربة الأولى في تحقيق أهدافها نحو إسقاط النظام—حتى وإن ردد ترامب توصيف “النظام الجديد” بعد تصفية قادة النظام السابقين بمن فيهم المرشد الأعلى خامنئي. في مقابل ذلك، يتكثف الحديث لدى نتنياهو وترامب بخصوص تحرك الشعب الإيراني ضد النظام. اعترف ترامب بأن دولته أرسلت منذ حين أسلحة إلى الإقليم الكردي الايراني، فيما أكد نتنياهو أن النظام يؤول إلى السقوط الحتمي حتى وإن لم يسقط فوراً.

احتمالات ما بين الحرب الشاملة والضربات ووقف إطلاق النار:
تفيد التقديرات الأمريكية وكذلك تقديرات إسرائيلية باحتمالية ألا تشهد المنطقة توسيعاً باتجاه حرب شاملة واحتلال بري، وإنما ضربات كبرى مكثفة كما حدث حتى الآن، بما فيه تدمير البنية التحتية وقطع التيار الكهربائي وتعطيل الخدمات والاقتصاد بما يثير الغضب الشعبي الإيراني. فيما لا يزال ترامب متردداً نتيجة مفاجأته بعدم سقوط النظام، متسائلاً بعد أيام من بدء الحرب: “لماذا لم يستسلموا بعد؟”

يتأسس هذا الاحتمال على فرضية مفادها أن إنهاء الحرب في وضعيتها القائمة دون حسم أو انتصار واضح سوف يجعل ترامب عرضة للمساءلة أمريكياً. فالفترة القانونية التي يمنحها القانون للرئيس لإعلان عملية عسكرية هي ستون يوماً، ومن المفترض أن تنتهي قبل نهاية الشهر الجاري. قد يواجه اعتراضات واسعة لتمديدها، وقد تكون لها مضاعفات جدية على الانتخابات النصفية الأمريكية واحتمالية سيطرة الديمقراطيين فيها وتحجيم دور الرئيس.

في المحصلة، تملك الإدارة الأمريكية القدرة على وقف الحرب من خلال الترويج لرواية الانتصار، أو وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً من دون شروط لإتاحة المجال للمفاوضات. في هذا الصدد، يزداد وزن الوسطاء ودورهم- والمقصود مصر والسعودية وتركيا وباكستان- لإنهاء الحرب، على أساس ضمانات بعدم تجددها وضمانات بعدم إغلاق مضيق هرمز دون إلغاء الدور الإيراني المحوري فيه. تقوم هذه الدول بتكثيف جهودها لمنع التصعيد الذي سيؤدي، كما يبدو، إلى دمار شامل في إيران وإلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر أمام إمدادات التجارة والطاقة.

في هذا السياق، نشرت مجلة Foreign Affairs يوم 3 أبريل 2026 مقالاً لوزير خارجية إيران الأسبق محمد جواد ظريف قدم فيه تصوراً لإطار حل الصراع الإيراني-الأمريكي على أسس إنهاء الحرب وضمان عدم تكرارها وإنهاء حالة الحرب بين البلدين، والتوافق بشأن المشروع النووي بضمانات إيرانية ورقابة دولية بعدم تطوير المشروع النووي، والحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية وإنهاء الحصار الاقتصادي والمالي. يبدو هذا المقال ليس من باب الاجتهاد الذاتي بقدر ما هو رسائل إيرانية حقيقية وشبه رسمية، ويوحي توقيته بذلك أيضاً كونه يتزامن مع تكثيف دور الوسطاء.

الموقف الإسرائيلي: تصريحات متباينة وتقاسم وظيفي محتمل:
تبقى مسألة الموقف الإسرائيلي الرسمي. من غير المتوقع أن يعترض نتنياهو علناً على أي قرار حازم يصدر عن ترامب، بما فيه احتمالات وقف الحرب بصيغة أو بأخرى. كما من غير المتوقع أن يقبل الوسطاء أو إيران بأن توقف الولايات المتحدة الحرب مؤقتاً على أن تواصلها إسرائيل—فهذه حرب مشتركة أمريكية-إسرائيلية. في حال انصاعت إسرائيل لموقف أمريكي بوقف الحرب ولو مؤقتاً، سوف تتمسك الحكومة بفصل مصير هذه الحرب عن الحرب مع حزب الله في لبنان، إلا في حال انطلق الوسطاء مع الولايات المتحدة نحو وقف كل جبهات الحرب ونجحوا في ذلك.

كانت لافتة في هذا السياق تصريحات قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي بأن إسقاط النظام الإيراني وكذلك نزع سلاح حزب الله لن يكونا متاحين بالوسائل العسكرية دون أفق سياسي مقابل الدولة اللبنانية ودولياً. في المقابل، سعى رئيس الأركان الإسرائيلي إلى التخفيف من وقع تصريح قائد المنطقة الشمالية بتأكيده أن الضربات الإسرائيلية في لبنان سوف تُفضي إلى مسار نزع السلاح لبنانياً.

مأزق نتنياهو السياسي:
تشكل احتمالية نجاح الوسطاء الأربعة في وقف الحرب، كما يوردها موقع Axios، كابوساً بالنسبة لنتنياهو الذي سيخفق في تصوير الحرب كانتصاره الموعود. سيفقده ذلك، وفقاً للتقديرات السياسية، حتى أوساطاً من مؤيديه، بما يُفضي إلى احتدام حرب الورثة لخلافته في رئاسة الليكود الذي قد يتراجع كثيراً من دون نتنياهو. سينظر الرأي العام الإسرائيلي إلى احتمال إنهاء الحرب في الحالة القائمة بأنه تحقيق الهدف الإيراني الأهم ببقاء النظام، بينما يعاني المجتمع الإسرائيلي من حرب استنزاف مكثفة ومتسعة، ومع تراجع الثقة برواية حكومة نتنياهو.

في موازاة ذلك، ستكون المشاريع التي يسعى لها نتنياهو في مسألة التموضع الجيوسياسي إقليمياً ودولياً موضع شك. فالوسطاء الأربعة هم دول إقليمية كبرى ومؤثرة حتى على الموقف الأمريكي. لهذه الدول طموحات جيوسياسية بغير ما تشتهي إسرائيل، وحصرياً بصدد أنابيب نقل النفط والممرات التجارية والطاقة إلى أوروبا من الأراضي العراقية والسورية إلى تركيا وأوروبا، وأنابيب النفط السعودية الكبرى إلى البحر الأحمر عبر أراضيها. تبدو هذه الدول الوسيطة متوافقة في عدم رهن المنطقة ومصالحها ومواردها لصالح طرف واحد هو الأمريكي، وإنما تدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب سياسياً، عسكرياً واقتصادياً ونفوذاً.

الخلاصات:
** احتمالات نجاح الوساطة: لا تزال احتمالات الاتفاق على وقف الحرب أو هدنة طويلة قائمة، لكنها غير مضمونة.
**دور الوسطاء الإقليميين: الدول الوسيطة لوقف الحرب—مصر والسعودية وتركيا وباكستان—تمثل القوى الكبرى الإقليمية. توافقها لحماية الأمن القومي الإقليمي بات يشكل مسألة لا يبدو أن الولايات المتحدة قادرة على تجاوزها. لهذه الدول رؤيتها الجيوسياسية المتناقضة مع رؤية إسرائيل في مسألة الممرات المائية والإمدادات وفي مسألة الاستقرار الإقليمي.
**مقال ظريف: يبدو مقال وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف المنشور في 3 أبريل متناسقاً مع الموقف الإيراني الرسمي ومع جهود الوسطاء في توفير إطار لمخرج من الحرب.
**التباين الإسرائيلي: التباين الظاهر بين نظرة المستوى السياسي والعسكري الإسرائيلي في مسألتي إسقاط النظام الإيراني ونزع السلاح في لبنان يبدو مقصوداً، وهدفه تطبيع فكرة عدم الحسم عسكرياً.
**السيناريو الأرجح: تبقى حظوظ احتمالية وقف إطلاق النار دون إعلان إنهاء الحرب أكبر من التوصل إلى اتفاق فوري لإنهاء الحرب.
**المأزق الأمريكي: التقلبات والتباينات في الموقف الأمريكي هي نتاج مأزق الحرب وخيارات ترامب التي لا تقترب حتى الآن من الحسم، بل تتحول إلى حرب استنزاف بأبعاد إقليمية ودولية خارجة عن السيطرة الأمريكية في مجالات الطاقة وطرق الإمدادات، وعدم تجنُّد حلفاء غربيين لصالح الحرب.
**القرار بيد واشنطن: حكومة نتنياهو لا تملك مفاتيح القرار بشأن مصير الحرب، بل هي في واشنطن نيابة عن الولايات المتحدة وعن إسرائيل.
**غياب الأفق الواضح: لا يوجد أفق واضح لإنهاء الحرب. سيتبين الأمر خلال الأيام القادمة، وكل الخيارات واردة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.