مصر وحرب إيران: من التحفّظ إلى المظاهر العسكرية

ورقة سياسات.

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن

ملخص تنفيذي:

-التدخل المصري العسكري في الخليج دفاعي تقني محدود ما زال في حدود رمزية لكنه يستجيب لضغوط خليجية.

-يبعث التدخل رسائل سياسية إلى الخليج وإيران، ويعزز من دور مصر كدولة محورية في قضايا الدفاع والأمن.

-يأتي توقيت الجهر بالتدخل مع مشاعر شكوك خليجية بقدرة وإرادة الولايات المتحدة على الدفاع عن دول الخليج.

-التدخل المصري، وعلى الرغم من ربطه بتشكّل الرباعية العربية-الإسلامية ليس مقدمة لتشكّل تحالف إقليمي ضد إيران لكنه بداية تشكل لشبكة أمن عربي إسلامي.

تقديم:

يعتبر الكشف عن تواجد عسكري مصري في الإمارات، كما حديث تقارير عن تواجد مماثل في دول خليجية أخرى، تحوّلا في سياسة القاهرة حيال الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وفيما ظهرت قبل أسابيع أعراض تبرّم خليجي من برودة رد الفعل المصري وتأخره إثر الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج، فإن عرض الحضور العسكري المصري دفاعا عن الإمارات إعلاميا يندرج ضمن سياقات جديدة لها تفسيراتها ومبرراتها. ويعكس هذا التطور استراتيجية مصرية مدروسة تجمع بين الحفاظ على التوازن الإقليمي والاستجابة لضغوط الحلفاء الخليجيين، مع حدود واضحة تحول دون التورط الكامل.

تطوّر موقف مصر، ضغوط الخليج:

في 7 مايو 2026، ظهر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برفقة الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد خلال زيارة لمفرزة جوية مصرية في الإمارات. تمّ الكشف خلال الزيارة لأول مرة عن وجود مقاتلات “رافال” مصرية وطاقمها على الأراضي الإماراتية. وقد استعرض الرئيسان، وفق البيانات الرسمية، جاهزية الوحدة وقدراتها التشغيلية استعداداً لـ”التحديات المتنوعة”، في سياق تصعيد إيراني ضد دول الخليج.

جاء هذا الظهور بعد تقارير عن وجود مدربين وعناصر عسكرية مصرية في عدة دول خليجية (الإمارات، السعودية، قطر، الكويت)، مما يمثل تحولاً ملموساً في الموقف المصري، خصوصا بعد أجواء تبرّم عُبِّر عنها بشكل تلميحي من منابر رسمية خليجية وبشكل مباشر من على منابر الإعلام الاجتماعي لبعض الدول الخليجية.

لكن من زاوية مصرية، يذكر محللون أن التأخير كان مقصودا لتجنب الظهور كطرف منخرط في مواجهة إيرانية-أميركية-إسرائيلية مفتوحة، وللحفاظ على هامش دبلوماسي يتيح للقاهرة لعب دور الوسيط بدل المقاتل.

ويمكن استعرض تطوّر المواقف المصرية وفق التالي:

1-بدأ الموقف المصري في فبراير-مارس 2026 متحفظاً. •أدانت القاهرة الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق.

•أكد الرئيس السيسي تضامنه مع “الدول العربية الشقيقة” ، لكن القاهرة استبعدت في مواقفها التورط العسكري المباشر.

•ركزت الدبلوماسية المصرية على الوساطة، بالتعاون مع تركيا وباكستان والسعودية، للوصول إلى وقف إطلاق نار أمريكي-إيراني.

2-أثار هذا التحفظ امتعاضاً خليجياً، خاصة في الإمارات والسعودية، وذكّرت نصوص الامتعاض ما قدمته هذه الدول من دعم مالي هائل لمصر منذ 2013.

3-انتقد معلقون خليجيون مصر لعدم تقديم دعم عسكري يتناسب مع “الديون الاستراتيجية”.

4-بحلول مايو 2026، تحول الموقف إلى “اندفاع عسكري محدود”. فتم الكشف عن نشر مقاتلات رافال في الإمارات، وظهور تقارير عن دعم دفاع جوي ومدربين في دول خليجية أخرى، الأمر الذي يعكس استجابة للضغوط وتعزيز الشراكات.

5-أكد السيسي “التضامن الكامل” مع الإمارات ورفض “الاعتداءات الإيرانية”.

الحوافز وحدود الدعم:

على الرغم من ربط الباحثين تطوّر الموقف المصري بالضغوط الخليجية، غير أن لمصر حوافز استراتيجية ضاغطة فرضت إظهار تحرّك عسكري واصح. من هذه الحوافز:

1- الأمن الاقتصادي الذي يوفّر جانبا منه اعتماد مصر على الاستثمارات والودائع الخليجية، إضافة إلى أن الدعم العسكري المصري لدول مجلس التعاون الخليجي أو بعضها يضمن استمرار التدفق المالي الخليجي.

2-الأمن الاستراتيجي من خلال انتشار عسكري محدود قابل للتوسّع بإمكانه حماية مصالح مصر في البحر الأحمر وباب المندب، لا سيما أن إيران ما زالت تلوّح بإمكانية تفعيل قدراتها (عبر جماعة الحوثي خصوصا) لتهديد الملاحة في المنطقة ما يهدد سلامة العمل في قناة السويس وهي مورد أساسي لمداخيل مصر.

3-التوازن الإقليمي من خلال حضور عسكري يبعث برسائل مباشرة في مواجهة النفوذ الإيراني (والإسرائيلي أيضا) من دون استفزاز طهران مباشرة عبر وضع عنوان هذا التدخل في سياق دفاعي.

4- الدور الإقليمي المصري الذي يتعزز من خلال بعث رسالة إلى إيران لكن أيضا إلى الولايات المتحدة بشأن عدم لبس الموقف المصري من حيث انحيازه إلى الشركاء في الخليج، ناهيك من إظهار قدرة مصر على امكانية قيادة إطار أمني عربي، مستفيدة من موقعها الجيوستراتيجي ومن قوتها العسكرية كأكبر جيش عربي.

5-تظهير المكانة المصرية من خلال توقيت إظهار الحراك العسكري المصري عقب ظهور قلق خليجي من أن القواعد الأميركية تحمي مصالحها أكثر من حماية الحلفاء.

6-إمكانية الحفاظ على التوازن من خلال إظهار التضامن الرمزي الميداني وتقديم الدعم الدبلوماسي الكامل وتوفير المساعدة الفنية والعسكرية المحدودة مع الحفاظ على علاقات مع إيران مقبولة مع إيران.

7-يبقى الدعم المصري محدودا مقتصرا على نشر متخصص لمقاتلات من دون نشر قوات برية كبيرة وتجنّب التلويح بطابع هجومي لها.

8-محدودية هذا التدخل تعود إلى قيود اقتصادية، لكن أيضا إلى قيود عسكرية مرتبطة بضرورات الدفاع داخل ملفات أمن هامة (حماية الحدود مع غزة، السودان، ليبيا، إثيوبيا).

هل من تحالف إقليمي ضد ايران؟:

ساهم التحرك العسكري المصري في رواج نظريات بشأن إدراج التطوّر داخل سياق ظهور رباعية تضم إلى جانب مصر، السعودية وتركيا وباكستان. كما أن الاستقبال اللافت للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تركيا عزز الاعتقاد باحتمال تمدد تلك الرباعية إلى دول أخرى.

وتعززت ظواهر احتمال ظهور تحالف بتقارير أكدت مشاركة المغرب بدوره، بنشر قوات دفاعية وخبرات في الدفاع الصاروخي في الإمارات والسعودية.

وفيما يعكس هذا التطوّر تضامناً مغربيا-مصريا-خليجياً عميقاً، لكن هذه التحوّلات تبدو ظرفية موضعية لا تعني تشكل تحالف عربي رسمي ضد إيران.

ويُرجّح أن الأمر قد يؤسس لبداية تشكّل شبكة تعاون دفاعي، تركز على الدفاع الجوي والتدريب، ما يعزز التوجه الخليجي نحو شركاء إقليميين موثوقين مثل مصر، المغرب، باكستان وغيرها لتعويض الشكوك في الضمانات الأميركية.

وفيما لعبت مصر دورا أساسيا في تشكّل تحالف إقليمي إلى جانب القوات المتعددة الجنسيات التي قادتها الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، فإنه من المرجح أن تكون مصر من بين الدول التي ترفض تشكّل بيئة إقليمية من شأنها أن تكون جزء من تحالف عسكري تكون فيه إسرائيل أساس به ضد إيران. ويظهر ذلك في قدرة الدبلوماسية المصرية على وضع تحركها العسكري للدفاع عن دول في الخليج داخل إطار محدد ومحدود، ليس موجها ضد إيران بنمط هجومي، ولا يندرج من ضمن القوى العسكرية التي تشنّ الحرب على إيران.

وتندرج المقاربة المصرية داخل إطار مشترك يجمعها مع كثير من دول المنطقة، لا سيما تركيا وباكستان والسعودية، التي تنتهج سياسات غير عدائية ضد إيران وما زالت تلعب مجتمعة ومتفرقة أدوار وساطة بين طهران وواشنطن وتحتفظ جميعها (بما في ذلك السعودية رغم تعرضها لضربات إيرانية) باتصالات مع طهران.

خلاصة واستنتاجات:

**حمل الكشف الإماراتي عن المفرزة الجوية المصرية إعلانا سياسيا عن متانة العلاقة المصرية الإماراتية، واستعداد القاهرة للانتقال من التضامن الكلامي إلى مشاركة عملياتية محدودة ضمن ترتيبات دفاعية خليجية.

**الإعلان يهدف إلى بعث الرسائل السياسية والردع والجاهزية، أكثر مما يهدف إلى الاشتباك المباشر أو المشاركة في عمليات هجومية.

**الإعلان يهدف إلى تثبيت موقع مصر كفاعل أمني لا يمكن تجاوزه في أي هندسة إقليمية جديدة، ومكانتها كقوة عسكرية رشيقة في الإقليم.

**يمثل تطور موقف مصر تحولاً براغماتياً انتقل من تحفظ لحماية موقع الوسيط إلى دعم عسكري للشركاء في الخليج له رسائله الدفاعية والسياسية.

**يعبّر التدخل العسكري المصري عن حوافز اقتصادية وأمنية وسياسية وجيوستراتيجية، لكنه يبقى محسوبا ومحدودا.

**يأتي توقيت ظهور التدخل المصري في لحظة قلق خليجي من قصور الولايات المتحدة عن توفير الحماية لدول الخليج.

**يتقاطع ظهور تقارير عن تواجد عسكري مصري في بعض دول الخليج مع تقارير عن تواجد عسكري للمغرب أيضا ما دفع المراقبين إلى استنتاج تحالفات أوسع مقبلة.

**تسعى مصر إلى الاستجابة لضغوط خليجية بعد ظهور تبرّم من انكفاء مصري، لكن التدخل يعزز مصالح مصر الجيوسياسية في المنطقة.

**التدخل المصري يعزز مزاجا إقليميا يتوسّع ضد سلوك إيران ويبعث برسائل إلى طهران بشأن تفاقم خسارتها لعلاقاتها مع دول المنطقة.

**رغم الربط بين تدخل مصر (والمغرب) والرباعية مع السعودية وتركيا وباكستان، إلا أنه يستبعد تشكّل حلف إقليمي ضد إيران، بل بداية شبكة أمنية عربية-إسلامية جديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.