مستقبل التنظيمات الجهادية في سوريا ما بعد الأسد: من التمرد إلى السلطة
ورقة سياسات:
محمد مشارقة، مركز تقدم للسياسات – لندن
مقدمة: المفارقة التاريخية ..عندما يصبح الجهادي حاكماً
منذ عام 2012 وحتى 2017، رافقت من موقعي المهني تحولات الثورة السورية المسلحة خطوة بخطوة: تابعتُ نشأة الكيانات العسكرية الأولى، وتشكّل الائتلاف الوطني، وجلسات التفاوض مع النظام في جنيف وأستانة، ورافقتُ عن قرب نشأة الحكومة المؤقتة برئاسة الدكتور أحمد طعمة. وشهدتُ في تلك السنوات نفسها كيف استولت القوى الجهادية تدريجياً على المشهد العسكري، وكيف جرت تصفية الخصوم على أسس عقائدية، وكيف اختفت من الساحة الفصائل الثورية والمدنية المستقلة التي كانت في وقتٍ ما تمثل بديلاً حقيقياً. تلك التجربة المباشرة هي ما يجعلني أعود اليوم، من موقع آخر كباحث أدار لعشر سنوات مركز سياسات متخصصاً في المسار الدبلوماسي الثاني، إلى مساءلة المسار نفسه وهو يعيد تكرار ذاته بصيغة مختلفة: لا فصيل جهادي يقاتل من الهامش هذه المرة، بل قائد جهادي سابق يحكم من المركز.
شكّل سقوط نظام بشار الأسد وصعود حكومة انتقالية يقودها أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني والقائد السابق لهيئة تحرير الشام، منعطفاً تاريخياً غير مسبوق في تاريخ الحركات الجهادية المعاصرة. للمرة الأولى منذ تجربة طالبان الأفغانية، يتولى قائد جهادي سابق حكم دولة عربية بموارد وموقع استراتيجي مركزي في قلب الشرق الأوسط. هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية غير مسبوقة حول كيفية إدارة حكومة ذات جذور جهادية لعلاقتها مع التنظيمات الجهادية الأخرى التي لا تزال تعتبرها خائنة أو مرتدة، وحول فرص نجاح تحويل تنظيم جهادي إلى سلطة حاكمة قادرة على بناء مؤسسات دولة، وحول المخاطر الأمنية المترتبة على هذا الانتقال في ظل انهيار مؤسساتي شبه كامل وتشرذم أمني وسياسي.
تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية لهذه المفارقة التاريخية، مستندة إلى معايشة مباشرة لبدايات هذا المسار لا إلى قراءة نظرية بحتة، من خلال التركيز على أربعة محاور رئيسية تبدأ بتحول هيئة تحرير الشام من تنظيم جهادي إلى سلطة حاكمة والتحديات المترتبة على ذلك، ثم تنتقل إلى علاقة الحكومة الجديدة بالتنظيمات الجهادية الأخرى من داعش والقاعدة والخلايا المتبقية، لتتناول بعد ذلك تحديات بناء دولة في ظل انهيار مؤسساتي وإرث جهادي، وتختم بالسيناريوهات المستقبلية والتداعيات الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تكتسب أعمال عالم السياسة الأمريكي روبرت بيب أهمية خاصة، فهو أحد أبرز الباحثين المتخصصين في دراسة الحركات الراديكالية الإسلامية والإرهاب، وقد طور إطاراً تحليلياً يربط بين استمرار التهديد الجهادي وديناميكيات التدخل العسكري الخارجي والفراغات السياسية المحلية [5]، وهو إطار يساعد على فهم التعقيدات التي تواجه سوريا في مرحلتها الانتقالية الحالية، بقدر ما تساعد المعايشة الميدانية على وضع هذا الإطار في سياقه الفعلي.
أولاً: من التمرد إلى الحكم – تحولات هيئة تحرير الشام:
– المسار التاريخي: من القاعدة إلى “الحكومة”:
لفهم الوضع الراهن، من الضروري تتبع المسار التحولي لهيئة تحرير الشام ولقائدها أحمد الشرع. يشير تشارلز ليستر( Charles Lister)، الباحث المتخصص في الفصائل السورية، إلى أن هيئة تحرير الشام مرّت بثلاث مراحل تحولية رئيسية منذ نشأتها كجبهة النصرة، الفرع السوري للقاعدة، في عام 2012 [3، ص. 115-147]. في المرحلة الأولى الممتدة من 2012 إلى 2016، كانت جبهة النصرة تنظيماً جهادياً صريحاً يعلن ولاءه لتنظيم القاعدة ولزعيمه أيمن الظواهري، وركز التنظيم على القتال ضد نظام الأسد وضد داعش بعد عام 2013، مع خطاب جهادي واضح حول إقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة.
هذه المرحلة بالذات لم تكن مجرد صراع نفوذ بين فصائل، بل عملية تصفية ممنهجة أزاحت الفصائل الثورية والمدنية المستقلة من المعادلة برمّتها.
ثم جاءت المرحلة الثانية من 2016 إلى 2019، حيث أعلنت جبهة النصرة في يوليو 2016 فك ارتباطها بتنظيم القاعدة وتغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام، ثم لاحقاً في 2017 إلى هيئة تحرير الشام بعد اندماجات مع فصائل أخرى. يرى ارون لوند ( Aron Lund)، المحلل السياسي المتخصص في الشأن السوري، أن هذه الخطوة لم تكن مجرد تكتيك إعلامي، بل عكست تحولاً استراتيجياً حقيقياً في رؤية الجولاني من التنظيم الجهادي العالمي إلى الحركة السورية المحلية [4]. وقد ترافق هذا التحول مع تراجع ملموس لحضور الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة أمام تمدد نفوذ هيئة تحرير الشام في الشمال السوري.
أما المرحلة الثالثة الممتدة من 2019 إلى 2024، فقد ركزت فيها هيئة تحرير الشام على بناء بنى إدارية في إدلب عبر حكومة الإنقاذ السورية التي أدارت الخدمات المدنية والقضاء والأمن، كما قامت بتصفية الخصوم الجهاديين مثل خلايا القاعدة وحراس الدين وغيرها، وعملت على تلميع الصورة الإعلامية عبر خطاب أكثر اعتدالاً نسبياً يركز على الثورة السورية وإسقاط الأسد بدلاً من الخطاب الجهادي العالمي.
في هذا السياق، يقدم روبرت بيب في دراساته حول الحركات الراديكالية الإسلامية إطاراً تحليلياً مهماً لفهم هذه التحولات. في كتابه الأساسي “الموت للفوز: المنطق الاستراتيجي للإرهاب الانتحاري”، يطرح بيب أطروحة مركزية مفادها أن الاحتلال العسكري الأجنبي لأراضٍ يعتبرها السكان المحليون وطنهم هو العامل الأكثر حسماً في تغذية التجنيد الجهادي وتبرير العنف [5 .ص ، 4 -23]. يشدد بيب على أن أكثر من خمسة وتسعين بالمئة من الهجمات الانتحارية عالمياً بين عامي 1980 و2003 ارتبطت بوجود قوات أجنبية في أراضٍ محلية، وليس بعوامل دينية أو أيديولوجية مجردة، [5،. ص 79-102]. وهذا الإطار، على أهميته، لا يفسّر وحده تصفية الفصائل الثورية المستقلة في سوريا، فهذه الأخيرة لم تكن استجابة لاحتلال أجنبي بقدر ما كانت صراعاً داخلياً على من يملك حق تمثيل “المشروعية العقدية “.
– التحديات الهيكلية للتحول:
رغم هذا المسار التحولي، تواجه حكومة الشرع تحديات هيكلية عميقة في محاولة الانتقال من تنظيم جهادي إلى سلطة حاكمة شرعية. يشير توماس هيغمر ( Thomas Hegghammer،) الباحث النرويجي المتخصص في الحركات الجهادية، إلى أن التنظيمات الجهادية التي تحاول التحول إلى السياسة تواجه أزمة شرعية مزدوجة تتمثل من جهة في فقدان الشرعية الجهادية لدى التنظيمات الأكثر تشدداً التي تعتبرها خائنة أو مرتدة، ومن جهة أخرى في صعوبة اكتساب شرعية سياسية محلية ودولية بسبب الإرث الجهادي [2، ص. 456-489]. وهذه الأزمة المزدوجة ليست استثناءً سورياً، بل نمط متكرر في تجارب مماثلة كل مرة يحاول تنظيم جهادي الانتقال من ساحة القتال إلى مقاعد الحكم؛ الفارق في الحالة السورية هو حجم الدولة وموقعها الاستراتيجي، وهو ما يرفع أثمان الفشل إلى مستوى إقليمي لا محلي.
في الحالة السورية، تواجه حكومة الشرع رفضاً جهادياً من داعش والقاعدة التي تعتبرها مرتدة عن الجهاد وخائنة للمشروع الإسلامي، وشكوكاً محلية من شرائح واسعة من السوريين خاصة الأقليات والعلمانيين والنساء الذين يخشون من أسلمة الدولة، إضافة إلى عدم اعتراف دولي من معظم الدول الغربية والعربية التي لا تزال تصنف هيئة تحرير الشام كتنظيم إرهابي.
يضاف إلى ذلك التحدي المتمثل في انهيار المؤسسات وغياب الخبرة الإدارية، حيث تواجه الحكومة الانتقالية بعد عقد من الحرب وانهيار مؤسسات الدولة فراغاً مؤسساتياً هائلاً يشمل جهازاً إدارياً مشلولاً واقتصاداً منهاراً وبنية تحتية مدمرة ومؤسسات أمنية مفككة وغياب كوادر إدارية مؤهلة. خبرة هيئة تحرير الشام في إدارة إدلب محدودة ولا ترقى لمستوى إدارة دولة بحجم سوريا وتعقيداتها. كما تواجه الحكومة معضلة التوازن الصعب بين الحفاظ على ولاء قاعدتها الجهادية من المقاتلين والكوادر الذين ضحوا لسنوات، والسعي في الوقت نفسه للحصول على قبول دولي واعتراف، حيث أن أي خطوة نحو الاعتدال قد تُفسر كخيانة من قبل العناصر الأكثر تشدداً، فيما أي تمسك بالخطاب الجهادي سيُغلق باب التطبيع الدولي.
هنا تصبح أطروحة روبرت بيب حول دور الوجود الأجنبي في تغذية التطرف ذات أهمية خاصة للحالة السورية. يطبق بيب إطاره التحليلي على تعقيدات الوجود الأجنبي المتعدد في سوريا من الوجود الروسي والإيراني بدعوة من النظام السابق، والوجود الأمريكي في الشمال الشرقي بالشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية، والوجود التركي في المناطق الشمالية، إضافة إلى بقايا وجود إيراني وميليشيات شيعية عابرة للحدود. يرى بيب أن كل واحد من هذه الأوجه يخلق ديناميكية خاصة، لكنها جميعاً توفر بدرجات متفاوتة ذرائع للتعبئة الجهادية والتجنيد تحت شعار مقاومة الاحتلال أو الدفاع عن أرض الإسلام [6، ص. 23-47]. من المهم التنويه إلى أن بيب لا يتحدث عن الوجود الأجنبي بشكل مطلق، بل عن الوجود المُدرك محلياً كاحتلال أو تدخل غير شرعي، وهذا التمييز حاسم لأن الوجود العسكري الأجنبي بموافقة سياسية محلية واسعة أو لأغراض إنسانية متفق عليها دولياً له تأثير مختلف عن الاحتلال المباشر أو التدخل الذي يُنظر إليه كانتهاك للسيادة.
ثانياً: العلاقة مع التنظيمات الجهادية الأخرى – من الحليف إلى الخصم
– داعش: العداء الوجودي المستمر.
تشكل العلاقة بين هيئة تحرير الشام وتنظيم الدولة الإسلامية داعش حالة عداء وجودي يمتد لأكثر من عقد، حيث أنه بعد انشقاق داعش عن جبهة النصرة في عام 2013 واندلاع حرب دامية بينهما، أصبح الطرفان يتبادلان تهم التكفير والخيانة. لم يكن هذا الانشقاق مجرد خلاف تنظيمي بين جماعتين تتقاسمان مرجعية واحدة، بل بداية سباق دموي على من يملك “الشرعية الجهادية الحصرية”، شكل أحد أعنف موجات التصفية التي أزاحت من طريقها ما تبقى من مساحة للفصائل المستقلة.
يشير حسن حسن (Hassan Hassan،) الخبير في تنظيم داعش، إلى أن صعود حكومة الشرع إلى السلطة يشكل تحدياً أيديولوجياً عميقاً لداعش الذي يعتبر أي مشاركة سياسية أو تحول إلى الحكم المدني خيانة للمشروع الجهادي [1، ص. 178-201]. ستحاول داعش بكل قوة تقويض حكومة الشرع عبر الهجمات النوعية التي تستهدف مؤسسات الحكومة الجديدة واغتيال مسؤولين وتفجيرات في المدن لإظهار عجز الحكومة عن فرض الأمن، إضافة إلى السردية التكفيرية التي تصور حكومة الشرع كمرتدة لأنها تعاونت مع الكفار من تركيا والغرب وخانت الجهاد بالتحول إلى السياسة، فضلاً عن محاولة استقطاب المنشقين عبر استغلال أي خلافات داخل هيئة تحرير الشام لاستقطاب عناصر غير راضية عن التحول البراغماتي.
هذا النمط من “الهجمات النوعية لإظهار عجز الحكومة” ليس خاصاً بالحالة السورية، بل استراتيجية متكررة في تجارب جهادية مماثلة حين تتحول جماعات منافسة إلى سلطة حاكمة؛ فالهدف لا يكون إسقاط النظام الجديد بالضرورة، بل إفقاده القدرة على الزعم بأنه بديل أكثر أماناً من الفوضى السابقة.
يكمن التحدي الأمني الكبير في أنه في ظل انهيار الأجهزة الأمنية وانتشار السلاح، ستواجه حكومة الشرع صعوبة بالغة في اجتثاث خلايا داعش المنتشرة في البادية والمدن. خبرة هيئة تحرير الشام في العمل الاستخباراتي المدني محدودة، وهي قد تلجأ إلى أساليب قمعية قد تغذي السخط الشعبي. هنا تبرز أهمية تحليلات روبرت بيب حول محدودية المقاربة العسكرية البحتة في مواجهة التنظيمات الجهادية، حيث يشدد بيب على أن الضربات العسكرية وحدها غير كافية لأنها تعالج الأعراض لا الأسباب، وأن معالجة الديناميات السياسية من إنهاء الاحتلال ومعالجة التهميش وملء الفراغ الأمني بحكم محلي شرعي أكثر حسماً [5، ص. 237-245]. يذهب بيب إلى حد اقتراح أن الانسحاب الأجنبي حيثما كان ممكناً قد يكون أكثر فعالية من استمرار الوجود العسكري الذي يغذي التمرد، وهذا لا يعني التخلي عن المنطقة بل إعادة تعريف الدور من احتلال أو وجود عسكري مباشر إلى دعم سياسي ومالي وتدريبي للقوى المحلية القادرة على ملء الفراغ.
– القاعدة والخلايا الجهادية: الخيانة الكبرى.
بالنسبة لتنظيم القاعدة والخلايا الجهادية الموالية له من بقايا حراس الدين وأنصار التوحيد وغيرها، فإن تحول الجولاني من أمير جبهة النصرة إلى رئيس حكومة يمثل الخيانة الكبرى للمشروع الجهادي. يشير تشارلز ليستر إلى أن القاعدة ستتبنى استراتيجية الصبر الاستراتيجي حيث لن تدخل في مواجهة علنية مباشرة مع حكومة الشرع في المرحلة الأولى، بل ستعمل على التغلغل في المؤسسات خاصة الجيش والأمن والقضاء وبناء القاعدة الشعبية وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض عندما تضعف حكومة الشرع أو تفقد شعبيتها [3، ص. 345-378].
والسمة المشتركة في تجارب جهادية مماثلة هي أن “الصبر الاستراتيجي” ليس مجرد تكتيك تأجيل، بل استثمار متعمد في الفراغ الذي يخلفه غياب بديل ثالث بين الحاكم الجهادي والمعارض الأكثر تشدداً.
السيناريوهات المحتملة تشمل التعايش الحذر حيث قد تقبل بعض الخلايا الجهادية بالتعايش مع حكومة الشرع طالما أنها لا تتخلى كلياً عن تطبيق الشريعة ولا تتحالف علناً مع الكفار، أو الانشقاقات الداخلية حيث قد يشهد التنظيم انشقاقات بين براغماتيين يقبلون بالتحول ومتشددين يرفضونه، أو المواجهة المؤجلة حيث قد تنتظر القاعدة حتى تضعف حكومة الشرع لتعلن الجهاد ضدها. في هذا السياق، تساعد الأطروحات البحثية في هذا الصدد على فهم، أن استمرار الوجود الأجنبي في سوريا سيوفر باستمرار ذريعة أيديولوجية ومادة دعوية للتنظيمات الجهادية، وأن أي محاولة لاجتثاث هذه التنظيمات دون معالجة العوامل البنيوية التي تغذيها ستكون محكومة بالفشل أو بالنجاح المؤقت فقط.
ثالثاً: تحديات بناء الدولة – بين الإرث الجهادي والواقع السياسي.
الحكم الجديد لا ينطلق من صفحة بيضاء، بل يرث حملاً ثقيلاً من نظام الأسد الذي لم يدمر مؤسسات البلد فحسب، بل صاغ قوانينها وهياكلها لتخدم حالة فساد عميقة، واستولى على السلطة والثروة في نظام أقرب إلى حكم المافيا منه إلى حكم دولة. وهذا الإرث هو الإطار الذي تُقرأ من خلاله التحديات الثلاثة التالية: الأمني والسياسي والاقتصادي.
– التحدي الأمني: من السيطرة على إدلب إلى حكم سوريا.
التحدي الأمني الأول والأكبر الذي تواجهه حكومة الشرع هو الانتقال من السيطرة على محافظة واحدة هي إدلب بمساحة محدودة وتجانس نسبي، إلى حكم دولة بحجم سوريا التي تمتد على مساحة مئة وخمسة وثمانين ألف كيلومتر مربع مع تنوع طائفي وعرقي هائل وتعدد جغرافي. يشير أرون لوند إلى أن سوريا مقسمة الآن إلى ثلاث مناطق نفوذ رئيسية على الأقل تشمل الشمال الغربي تحت سيطرة حكومة الشرع في إدلب وحلب وحماة جزئياً، والشمال الشرقي تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً في الحسكة والرقة ودير الزور جزئياً، والجنوب والساحل في مناطق كانت تحت سيطرة النظام والآن في حالة قلق أمني مثل دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس ودرعا والسويداء [4].
المخاطر الأمنية الرئيسية تبدأ بخلايا داعش في البادية السورية بين حمص ودير الزور التي لا تزال ملاذاً آمناً لخلايا تشن هجمات متقطعة، وحكومة الشرع تفتقر إلى القدرات العسكرية والاستخباراتية للسيطرة على هذه المساحات الشاسعة. التوتر مع قسد يمثل خطراً آخر حيث أن العلاقة بين حكومة الشرع وقوات سوريا الديمقراطية متوترة وقد تتحول إلى مواجهة عسكرية خاصة بعد السيطرة على حقول النفط في دير الزور والحسكة. كما أن وجود عشرات الفصائل المسلحة بعضها موالٍ لتركيا وبعضها مستقل لن تقبل بسهولة بحل نفسها تحت سلطة مركزية. إضافة إلى ذلك، فإن المناطق التي تسكنها الأقليات من العلويين في الساحل والدروز في السويداء والمسيحيين تشعر بقلق عميق من حكم جهادي سابق، وأي محاولة لفرض السيطرة بالقوة قد تشعل حروباً طائفية جديدة.
وثمة بُعد رابع لهذا التحدي الأمني: فحالة عدم استقرار الوضع الأمني، مضافاً إليها الإرث المؤسسي الثقيل، تدفع الحكم الجديد إلى الاضطرار، لا الرغبة بالضرورة، إلى تقريب وتمكين “أهل الثقة والولاء” على حساب “أهل الكفاءة”، لأن جهاز الدولة الموروث لا يمنحه أدوات فرز موضوعية. هذه المعضلة إدارية مستقلة عن معضلة الشرعية الجهادية المذكورة في الفصل الأول، وإن كانت تتغذى منها وتغذيها في آن.
في هذا السياق، يقدم روبرت بيب تحليلاً مهماً حول كيف أن البيئات التي تشهد احتلالاً أجنبياً أو وجوداً عسكرياً أجنبياً مُدركاً كغير شرعي تصبح حاضنة طبيعية للتمرد الجهادي. يشير بيب إلى أن هزيمة السيطرة الإقليمية لتنظيم جهادي لا تعني نهاية التنظيم بل تحوله إلى نمط تمرد منخفض الحدة قائم على الخلايا النائمة والضربات المتفرقة، وهذا التحول ليس انهياراً بل إعادة تكيف استراتيجي مع الواقع الميداني الجديد [6، ص. 89-115]. لكن بيب يشدد على أن الحل لا يكمن في المقاربة العسكرية البحتة، بل في معالجة الأسباب البنيوية من خلال دعم حل سياسي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس غير طائفية، ويضمن تمثيلاً سياسياً عادلاً لمختلف المكونات، ويوفر أمناً مستداماً عبر قوات أمن محلية مدربة وخاضعة للمساءلة.
– التحدي السياسي: من الإمارة الإسلامية إلى الدولة المدنية.
المعضلة الأيديولوجية الكبرى التي تواجه حكومة الشرع تتمثل في كيفية بناء دولة مدنية حديثة تحترم التعددية والحقوق الأساسية من قبل حكومة نشأت من رحم تنظيم جهادي. فالتنظيمات الجهادية تواجه صعوبة جوهرية في التحول الديمقراطي لأن أيديولوجيتها الأساسية تقوم على الحاكمية لله ورفض الديمقراطية كشرك وحكم بغير ما أنزل الله [2، ص. 512-545]. الخيارات المتاحة أمام حكومة الشرع تتراوح بين النموذج التركي الإسلامي الذي يمثل حكومة ذات مرجعية إسلامية لكنها تقبل بالتعددية السياسية وبعض الحريات المدنية، لكن هذا النموذج يتطلب قطيعة أيديولوجية واضحة مع الفكر الجهادي وهو ما قد يؤدي إلى انشقاقات داخلية، أو النموذج الطالباني الذي يمثل حكماً إسلامياً صارماً بتطبيق حرفي للشريعة مع هامش محدود للحريات، وهذا النموذج سيضمن ولاء القاعدة الجهادية لكنه سيعزل سوريا دولياً ويشعل حروباً داخلية مع الأقليات والقوى العلمانية، أو النموذج الهجين الذي يحاول التوفيق بين المرجعية الإسلامية والحكم المدني وهو النموذج الذي يبدو أن حكومة الشرع تميل إليه، لكن هذا النموذج هش لأنه لا يُرضي أحداً حيث يعتبره الجهاديون خيانة ويعتبره العلمانيون غير كافٍ.
التحدي الاقتصادي: دولة منهارة وشعب منهك.
تواجه سوريا كارثة اقتصادية تتمثل في أن الليرة السورية فقدت تسعة وتسعين بالمئة من قيمتها، والبطالة تتجاوز خمسين بالمئة، وثمانون بالمئة من السكان تحت خط الفقر، والبنية التحتية مدمرة من كهرباء ومياه ومستشفيات ومدارس، والإنتاج الزراعي والصناعي شبه متوقف. حكومة الشرع تفتقر إلى الموارد المالية حيث لا عائدات نفطية كافية لأن معظم الحقول التي كانت تحت سيطرة قسد تفتقد للكفاءة وتحتاج الى تجديد شامل ، ولا ضرائب بسبب انهيار الاقتصاد، ولا مساعدات دولية بسبب العقوبات والتصنيف الإرهابي.
والمشكلة ليست فقط أن الكوادر الجهادية تفتقر إلى خبرة في الإدارة الاقتصادية الحديثة، بل أن القوانين والأطر المؤسسية الموروثة عن نظام الأسد نفسها كانت مصمَمة أصلاً لخدمة الفساد وتكريس الاستيلاء على الثروة، لا لتنظيم اقتصاد وطني. حتى لو توفرت كوادر اقتصادية كفوءة، فإنها ستعمل داخل هيكل قانوني ومؤسسي مبني بنيوياً على العطالة والزبائنية، وهو ما يجعل الإصلاح الاقتصادي مرهوناً بإعادة بناء الأطر القانونية نفسها لا بتغيير الأفراد الذين يديرونها فقط. ولا تمتلك الحكومة الجديدة الشرعية الدولية اللازمة لهذا الإصلاح البنيوي، حيث أن استمرار العقوبات الدولية ، تمنع إعادة الإعمار والاستثمار الأجنبي.
يشكل الانهيار الاقتصادي دائرة مفرغة من الفقر والتطرف، حيث قد يدفع الشباب نحو التطرف عبر التجنيد في داعش أو القاعدة كحل اقتصادي، ما يعيد إنتاج دورة العنف. في هذا الإطار، يشير روبرت بيب في تحليلاته إلى أن البطالة الشبابية وغياب الأفق السياسي يجعلان الشباب أكثر تقبلاً للخطاب الجهادي، خاصة عندما يقترن بمظلومية وطنية ناتجة عن تدخل أجنبي أو إقصاء سياسي [6، ص. 156-178]. يضيف بيب أن التنظيمات الجهادية تستثمر السرديات من المظلومية والمؤامرة الخارجية والدفاع عن الإسلام لتبرير العنف، وأن الاحتلال الأجنبي أو الإحساس بالظلم والتهميش يوفر وقوداً جاهزاً لهذه السرديات. لذا فإن معالجة الأزمة الاقتصادية ليست مجرد ضرورة إنسانية، بل هي ضرورة أمنية لقطع دابر التطرف.
وتضاف إلى هذه الضرورة الأمنية ضرورة إدارية أعمق: أن أي حاكم جديد في سوريا سيجد نفسه محكوماً بخبرة إدارية بسيطة نسبياً، تلك التي تكوّنت في إمارة إدلب المحدودة، أمام تعقيد دولة بحجم سوريا وتنوعها، وهو فارق سيتردد صداه في السيناريوهات المستقبلية.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية والتداعيات الإقليمية والدولية.
قبل الدخول في السيناريوهات الأربعة، أقول بصراحة كباحث تابع مسارات مماثلة لعشر سنوات، وكمقيم في دمشق يرى تفاصيل المشهد يومياً: أي تمرين في وضع تصورات احتمالية لمستقبل سوريا يظل تمريناً تحليلياً حذراً، لا تنبؤاً حاسماً. فالمتغيرات التي رصدتُها في تجارب مشابهة، من الإرث المؤسسي الفاسد إلى الفراغ الأمني إلى معضلة الولاء والكفاءة، تتفاعل فيما بينها بطرق يصعب حتى على المتابع المباشر توقع اتجاهها النهائي.
– السيناريو الأول: النجاح النسبي من التنظيم إلى الدولة.
يفترض هذا السيناريو نجاح حكومة الشرع في تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تبدأ بالاعتدال التدريجي عبر التخلي التدريجي عن الخطاب الجهادي وتبني خطاب وطني سوري شامل وإشراك الأقليات والقوى العلمانية في الحكم واحترام الحريات الأساسية، ثم تحقيق الأمن والاستقرار عبر القضاء على خلايا داعش وحل الفصائل المسلحة وإدماجها في جيش وطني موحد وبناء جهاز أمني فعال يحترم حقوق الإنسان، وأخيراً الانفتاح الدولي عبر الحصول على اعتراف دولي ولو تدريجياً ورفع العقوبات والحصول على مساعدات لإعادة الإعمار. احتمالية هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة تتراوح بين عشرين وخمسة وثلاثين بالمئة، والتحديات التي تواجهه تكمن في أنه يتطلب تحولاً جذرياً في الهوية والممارسات وهو ما قد يؤدي إلى انشقاقات داخلية وتمرد من العناصر الأكثر تشدداً، كما أن الثقة الدولية في جهادي سابق محدودة جداً.
من موقع المعايشة اليومية، أرى أن هذا السيناريو، رغم كونه الأقل احتمالاً رقمياً، ليس مستحيلاً؛ لكنه يتطلب أمراً لم أشهد له مثيلاً في أي من التجارب الجهادية التي تابعتها بحثياً: أن تتخلى السلطة الجديدة عن منطق “الثقة والولاء” الذي فرضه عليها إرث الأسد، وتستثمر بجدية في بناء مؤسسات تفرز الكفاءة بمعزل عن الانتماء السياسي أو العقائدي. وهذا استثمار بعيد المدى لا تسمح به ضغوط اللحظة الأمنية والاقتصادية الراهنة. لكن إذا نجح هذا السيناريو، فقد يشكل نموذجاً لتحول التنظيمات الجهادية إلى حركات سياسية كما حدث مع حماس نسبياً، وقد يُعيد تشكيل خريطة المنطقة.
– السيناريو الثاني: الفشل والانزلاق من الحكومة إلى الحرب الأهلية.
هذا السيناريو يفترض فشل حكومة الشرع في فرض سلطتها وتصاعد التوترات الطائفية وانهيار اقتصادي كامل وانشقاقات داخلية وعودة المواجهات العسكرية. المحفزات الرئيسية لهذا السيناريو تشمل المواجهة مع قسد في حرب على النفط والأراضي في الشمال الشرقي، والتمرد العلوي أو الدرزي حيث ترفض مناطق الأقليات الخضوع لحكم جهادي، والانشقاق الجهادي عبر تمرد العناصر المتشددة داخل هيئة تحرير الشام على التحول البراغماتي، وعودة داعش عبر استغلال الفوضى لإعادة السيطرة على مناطق. احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى مرتفعة تتراوح بين أربعين وخمسة وخمسين بالمئة، وتداعياته تعني أن سوريا تدخل حرباً أهلية ثالثة أشد فوضى ودموية من سابقاتها مع تقسيم فعلي للبلاد وعودة التنظيمات الجهادية بقوة وأزمة لاجئين جديدة وتدخلات إقليمية ودولية مكثفة.
هذا السيناريو هو الأقرب، في تقديري الشخصي، إلى المنطق الذي رأيتُه يتكرر بين 2012 و2017: فراغ يتشكل، بديل مستقل يُستنزف أو يُصفّى، ثم صراع بين من يحكم بالفعل ومن يطالب بحق الحكم “الأصح عقائدياً”. الفارق الوحيد اليوم هو أن الطرف الحاكم هذه المرة هو نفسه من كان يمثل “المتشدد” في تلك المعادلة القديمة، وهو ما يجعل تكرار السيناريو، إن حدث، أكثر تعقيداً لأن الحكومة الحالية تعرف من الداخل كيف تُصفَى الخصوم، لأنها الفاعل الذي مارس ذلك سابقاً.
في تحليله لهذا السيناريو، يقدم روبرت بيب إطاراً نظرياً مهماً حول كيف أن المقاربة العسكرية البحتة قد تنجح في قتل مقاتلين أو تدمير بنية تحتية، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية التي تغذي التطرف من احتلال أجنبي وتهميش سياسي وفراغ أمني وأزمة اقتصادية. طالما بقيت هذه الأسباب قائمة، فإن دورة العنف ستستمر حيث يتبع تفكيك تنظيم ظهور تنظيم جديد، ويتبع تحرير منطقة انتشار خلايا نائمة فيها [5، ص. 237-245]. التجربة في العراق وأفغانستان وليبيا واليمن تؤكد هذه الأطروحة، حيث أن عقدين من الحرب على الإرهاب لم ينهيا التهديد الجهادي بل في بعض الحالات ضاعفاه.
– السيناريو الثالث: النموذج الأفغاني حكم إسلامي منعزل.
يفترض هذا السيناريو فشل حكومة الشرع في الحصول على اعتراف دولي أو دعم اقتصادي، فتنكفئ نحو نموذج طالباني يتمثل في حكم إسلامي صارم وعزلة دولية واقتصاد رمادي معتمد على التهريب والمساعدات التركية أو القطرية المحدودة. سمات هذا النموذج تشمل تطبيقاً صارماً للشريعة من قيود على النساء وحدود ورقابة اجتماعية، وقمع المعارضة والأقليات، واقتصاد بدائي معتمد على الزراعة والتهريب، وربما ملاذ آمن محتمل للتنظيمات الجهادية رغم إنكار الحكومة. احتمالية هذا السيناريو متوسطة تتراوح بين ثلاثين وأربعين بالمئة، وتداعياته تعني أن سوريا تتحول إلى أفغانستان المتوسط كدولة منبوذة دولياً ومصدر تهديد أمني للمنطقة وأزمة إنسانية مزمنة وموجات هجرة مستمرة.
السيناريو الرابع: التقسيم الفعلي ثلاث دويلات.
يفترض هذا السيناريو فشل أي محاولة لإعادة توحيد سوريا، فتستقر الأوضاع على تقسيم فعلي إلى ثلاثة كيانات تشمل إمارة الشمال الغربي تحت حكم هيئة تحرير الشام مدعومة تركياً بنموذج إسلامي معتدل نسبياً، والإقليم الكردي في شمال شرق تحت حكم قسد مدعوم أمريكياً، ودويلات الأقليات في الساحل العلوي والسويداء الدرزية وربما مناطق مسيحية ككيانات شبه مستقلة مدعومة إقليمياً من روسيا أو دول إقليمية مجاورة. احتمالية هذا السيناريو متوسطة تتراوح بين خمسة وعشرين وخمسة وثلاثين بالمئة، وتداعياته تعني نهاية سوريا الموحدة وإعادة رسم خرائط المنطقة وصراعات حدودية مستمرة وتداعيات على لبنان والعراق والأردن.
الخلاصات:
• صعود حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، الجولاني سابقاً، يمثل سابقة تاريخية غير مسبوقة في تحول تنظيم جهادي إلى سلطة حاكمة في دولة عربية مركزية، وهذا التحول محفوف بمخاطر هائلة ويواجه أزمة شرعية مزدوجة تتمثل في فقدان الشرعية الجهادية لدى التنظيمات المتشددة وصعوبة اكتساب شرعية سياسية محلية ودولية [2]. العلاقة بين حكومة الشرع والتنظيمات الجهادية الأخرى من داعش والقاعدة هي علاقة عداء وجودي بالنسبة لداعش وخيانة استراتيجية بالنسبة للقاعدة [1؛ 3]، وكلا التنظيمين سيسعى بكل قوة لتقويض الحكومة الجديدة عبر الهجمات الأمنية والسردية التكفيرية واستقطاب المنشقين.
• تواجه حكومة الشرع تحديات بنيوية هائلة في بناء دولة تشمل انهياراً مؤسساتياً كاملاً وإرثاً قانونياً وإدارياً موروثاً عن نظام الأسد صُمم أصلاً لخدمة الفساد لا لتنظيم الدولة، وفراغاً أمنياً شاملاً، وتشرذماً طائفياً وعرقياً، وعقوبات دولية، ومعضلة إدارية دائمة بين تمكين “أهل الثقة والولاء” وتمكين “أهل الكفاءة” في ظل غياب أدوات فرز مؤسسي موضوعية. نجاح الحكومة في هذه التحديات يعتمد على قدرتها على التحول من منطق التنظيم الجهادي إلى منطق بناء الدولة، وهو تحول لا تسهله خبرة إدارية اقتصرت حتى الآن على تجربة محدودة في إمارة إدلب.
• السيناريوهات المستقبلية متعددة لكن سيناريو الفشل والانزلاق نحو حرب أهلية جديدة هو الأعلى احتمالا، يليه النموذج الأفغاني ، ثم التقسيم الفعلي ، وأخيراً النجاح النسبي للنظام الجديد بنسبة عشرين إلى خمسة وثلاثين بالمئة، وهذه النسب تعكس حجم التحديات الهائلة التي تواجه سوريا. الوجود الأجنبي المتعدد من تركي وأمريكي وروسي محتمل وإسرائيلي في الجنوب سيظل عاملاً مؤثراً في تشكيل المشهد السوري، حيث تدعم تركيا حكومة الشرع لكنها تريد السيطرة على المشروع الكردي، وأمريكا تدعم قسد لكنها قلقة من الحكم الجهادي، وروسيا فقدت حليفها لكنها لا تريد فوضى كاملة، وإسرائيل تريد منع أي وجود إيراني أو لحزب الله.
• تكتسب أطروحة روبرت بيب أهمية خاصة في فهم أن مستقبل التنظيمات الجهادية في سوريا لن يتحدد فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة حكومة الشرع على تقديم بديل سياسي واقتصادي واجتماعي، وأنه إذا فشلت الحكومة في توفير الأمن والخدمات والعدالة، فإن داعش والقاعدة سيستغلان هذا الفشل لإعادة بناء قواعدهما. يشدد بيب على أن الضربات العسكرية وحدها لا تكفي لأنها تعالج الأعراض لا الأسباب، وأن معالجة الديناميات السياسية من إنهاء الاحتلالات الأجنبية حيثما أمكن ومعالجة التهميش السياسي وملء الفراغ الأمني بحكم محلي شرعي والاستثمار في التنمية الاقتصادية ومواجهة السرديات الأيديولوجية هي السبيل الوحيد لقطع دابر التطرف [5؛ 6]. لكن هذا الإطار العسكري-السياسي، مهما بلغت دقته، يحتاج أن يُقرأ إلى جانب معضلة أخرى لا تقل أهمية: أن أي إصلاح سياسي أو أمني سيصطدم بإرث مؤسسي وقانوني بأكمله بُني لخدمة غايات مغايرة تماماً لبناء الدولة.
التوصيات للفاعلين الإقليميين والدوليين:
– تبدأ بدعم الانتقال السياسي بشروط واضحة عبر تقديم دعم مشروط سياسياً واقتصادياً وفنياً لحكومة الشرع مرتبط بمعايير محددة تشمل احترام حقوق الإنسان وحماية الأقليات ونبذ العنف الطائفي ومكافحة الإرهاب والانفتاح السياسي، مع تجنب العزل الكامل الذي قد يدفع الحكومة نحو النموذج الأفغاني.
– دعم بناء المؤسسات الأمنية عبر تقديم تدريب وخبرة لبناء جهاز أمني واستخباراتي فعال قادر على مواجهة داعش والقاعدة مع التركيز على الأمن المجتمعي وليس فقط القمع الأمني.
– معالجة ملف المعتقلين والمخيمات ضرورية عبر دعم إنشاء محاكم عادلة لمحاكمة عناصر داعش وليس إعدامات ميدانية، وتمويل برامج إعادة التأهيل للأطفال والنساء في المخيمات، وإعادة الإدماج الاجتماعي للمقاتلين السابقين القابلين لذلك.
– دعم الانتعاش الاقتصادي يتطلب رفعاً تدريجياً ومشروطاً للعقوبات الاقتصادية، وتمويل مشاريع إعادة إعمار صغيرة من كهرباء ومياه ومدارس ومستشفيات، ودعم القطاع الزراعي والصناعي الصغير ومتناهي الصغر لخلق فرص عمل، لكن هذا الدعم يظل مرهوناً بإصلاح موازٍ للأطر القانونية والمؤسسية الموروثة، لا بمجرد ضخ الموارد.
– منع التقسيم والحروب الجديدة يستدعي تنسيقاً إقليمياً يضم تركيا وقطر والسعودية والإمارات والأردن لمنع دعم فصائل متنافسة، والضغط على جميع الأطراف من حكومة الشرع وقسد والأقليات للحوار بدلاً من المواجهة، ودعم عملية سياسية شاملة تضمن تمثيل جميع المكونات السورية. مواجهة التطرف فكرياً تتطلب دعم خطاب ديني معتدل يواجه الفكر الجهادي، وإعادة بناء نظام تعليمي يُعزز التسامح والمواطنة، ومواجهة الدعاية الجهادية على منصات التواصل الاجتماعي.
– تقف سوريا على مفترق طرق تاريخي، والمسار الذي ستسلكه في السنوات القادمة سيحدد ليس فقط مستقبل التنظيمات الجهادية فيها بل أيضاً مستقبل الاستقرار الإقليمي ونموذج التحول من الجهاد إلى السياسة. الفشل في سوريا قد يعني عقداً آخر من الحروب والفوضى وانتشار التطرف، والنجاح ولو النسبي قد يفتح آفاقاً جديدة للمنطقة. الوقت ضيق والخيارات محدودة والرهانات عالية جداً، وكما يشدد روبرت بيب في تحليلاته، فإن النجاح يتطلب تحولاً جذرياً من استراتيجية عسكرية إلى استراتيجية سياسية شاملة تعالج الأسباب لا الأعراض [5، ص. 237-245].
—
قائمة المصادر:
[1] Hassan, Hassan & Weiss, Michael (2015) ISIS: Inside the Army of Terro. New York: Regan Arts.
[2] Hegghammer, Thomas (2020). The Caravan: Abdallah Azzam and the Rise of Global Jiha. Cambridge: Cambridge University Press.
[3] Lister, Charles (2016). The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgenc. Oxford: Oxford University Press.
[4] Lund, Aron (2019). “Syria’s Rebel Governance: Rebel Governance in Idlib.”The Century Foundatio, May 2019.
[5] Pape, Robert A. (2005) Dying to Win: The Strategic Logic of Suicide Terroris. New York: Random House.
[6] Pape, Robert A. & Feldman, James K. (2010). Cutting the Fuse: The Explosion of Global Suicide Terrorism and How to Stop I. Chicago: University of Chicago Press.