مركز الرقابة الأمريكي في كريات غات وإسقاطاته على غزة
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
تقديم: يُثير مصير مركز التنسيق العسكري المدني CMCC القائم في بلدة كريات غات الإسرائيلية منذ أكتوبر 2025 تساؤلات جدية حول مآلات الاستراتيجية الأمريكية في غزة، وما إذا كانت إدارة ترامب تتراجع فعلياً عن التزاماتها المُعلنة بإنهاء الحرب وإعمار القطاع. أُنشئ المركز في إطار مجلس السلام الذي أعلنه الرئيس ترامب لغرضين محددين: الإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار ونزع سلاح حماس، والإشراف على إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وقد بات مصير هذا المركز مؤشراً على حجم التعثر الأمريكي في الملف الغزي وأولوياته الإقليمية المتحولة.
المعطيات:
– الجدل حول مصير المركز:
أفادت وكالة رويترز بأن إدارة ترامب تدرس نقل مسؤولية إدارة المساعدات والإشراف إلى “قوة الاستقرار الدولية” ISF التي ستعمل تحت القيادة الأمريكية المندرجة ضمن القيادة الوسطى، مشيرةً إلى أن هذه الخطوة ستؤدي عملياً إلى إغلاق المركز الحالي واستبداله بكيان أصغر حجماً وأضيق صلاحيات. في المقابل، نفى مجلس السلام الأمريكي صحة هذه المعطيات، في حين أكدت مصادر إعلامية إسرائيلية، من بينها صحيفة هآرتس وموقع واللا الإخباري، أن القرار بإنهاء عمل المركز قد اتُّخذ فعلياً.
ويلفت المحللون إلى أن المركز لم يمتلك منذ إنشائه صلاحية إنفاذ وقف إطلاق النار أو ضمان إيصال المساعدات، وأن النقاش الدائر حوله يكشف أقل ما يكشفه أن الإدارة الأمريكية تعيد ترتيب أولوياتها الإقليمية في ضوء المتغيرات الناجمة عن الحرب مع إيران.
المشهد الميداني في غزة
تُجمع التقديرات الصادرة عن مراكز بحثية بارزة من بينها مجموعة الأزمات الدولية والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية على أن الوضع الميداني في غزة يتدهور في ظل وقف إطلاق النار؛ إذ تواصل إسرائيل ترسيخ سيطرتها العسكرية على القطاع، بينما تُعزز حماس قبضتها على المناطق الخاضعة لنفوذها، في غياب شبه كامل لأي أفق سياسي.
وتكشف التقديرات الإسرائيلية، ومنها تقييمات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية وعدد من المحللين الأمنيين المقربين من المؤسسة العسكرية، أن إسرائيل باتت تُحكم سيطرتها على نحو 53% من مساحة القطاع ضمن ما يُعرف بالمنطقة العازلة الصفراء، فيما تسعى إلى إقامة ما بات يُعرف بـ”المنطقة البرتقالية”، وهي منطقة عازلة مضافة تتيح لها التحكم في نحو 60% من مساحة القطاع، في ما يصفه المنتقدون بأنه تحوّل تدريجي نحو احتلال مستدام وإن أُطلق عليه رسمياً توصيف “التواجد العسكري المؤقت”.
التحليل:
– تعثّر المنظومة الأمريكية في غزة:
يرى عدد من المحللين المتابعين للملف الأمريكي، في مقدمتهم روبرت فورد السفير الأمريكي الأسبق، وباحثون في مركز ويلسون وأتلانتيك كاونسل، أن الجدل حول مركز كريات غات يُجسّد نمطاً متكرراً في التعامل الأمريكي مع ملف غزة؛ إذ تُطلق واشنطن مبادرات بتكلفة رمزية في إعلانها وتتراجع عنها حين تصطدم بعقبات التطبيق. ويستشهد هؤلاء بسلسلة من الإخفاقات التراكمية؛ انهيار مشروع الرصيف العائم للمساعدات الإنسانية، وتعثر “مؤسسة غزة الإنسانية”، وعجز مجلس السلام عن تحقيق أي من أهدافه المُعلنة المتعلقة بإنهاء الحرب بمراحلها المتتالية.
وتذهب وكالة رويترز في تقريرها إلى أن إغلاق مقر كريات غات يُشكّل انتكاسة موثّقة لخطة ترامب في إنهاء الحرب ونزع السلاح وإعمار القطاع، وهي الخطة التي لم تبدِ إسرائيل تجاهها رغبة حقيقية في أي مرحلة من مراحل التفاوض.
– تحوّل الأولويات الأمريكية إقليمياً:
يرى المراقبون أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أحدثت إعادة ترتيب جذرية للأولويات الأمريكية في المنطقة؛ إذ انتقل الاهتمام الأمريكي نحو ملفات أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وإعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية في مرحلة ما بعد الصدام مع إيران. وقد أسهم تعثّر الحسم العسكري والدبلوماسي الأمريكي في إضعاف الثقل الأمريكي إقليمياً، وهو ما انعكس مباشرة في تراجع منسوب الاكتراث الأمريكي بالملف الغزي وفق ما تُشير إليه مصادر دبلوماسية متعددة.
– الحسابات الإسرائيلية الداخلية:
تُجمع مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ومنها معهد دراسات الأمن القومي INSS ومركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، على أن حكومة نتنياهو تواجه معادلة داخلية بالغة التعقيد؛ فهي تُردّد على لسان نتنياهو وزير الأمن كاتس أن عائق إنهاء الحرب هو رفض حماس نزع سلاحها، في حين يستبعد قادة الجيش علناً إمكانية تحقيق ذلك بالقوة العسكرية دون اتفاق سياسي. ويصف معهد INSS هذه الهوّة بين الخطاب السياسي والتقدير العسكري بأنها من أبرز مكامن الخلل في الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة.
وفي هذا السياق، تُفسّر القناة 14 الإسرائيلية الناطقة باسم اليمين الحاكم أي تراجع أمريكي في الملف على أنه إتاحة لإسرائيل لاستكمال مهمة نزع سلاح حماس عسكرياً. غير أن هذا التفسير يصطدم بواقع متنازع عليه؛ إذ يتحدث المراقبون العسكريون، ومنهم المحلل الأمني عاموس هرئيل في هآرتس، عن أن إسرائيل تجد نفسها في غزة أمام معادلة استنزاف لا معادلة حسم، مُثقَلةً بجبهة لبنانية تتحول بدورها إلى حرب استنزاف مزمنة، وسط تراجع ملموس في منسوب الردع الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار مع حزب الله.
ويُلاحَظ في هذا السياق ارتفاع صوت المعارضة الداخلية الإسرائيلية ومطالب المساءلة عن إدارة ملفات الحرب المتعددة، في ظل أجواء عامة تسود فيها قناعة متصاعدة بأن حكومة نتنياهو لم تحسم الحرب في أي جبهة ولم تُنهِها باتفاق سياسي، بل أبقتها معلقة بترتيبات أمنية تُنذر بجولات قادمة.
الموقف المصري:
تحتل مصر موقعاً محورياً في هذا الملف لاعتبارات متعددة؛ فقطاع غزة يُمثّل بالنسبة إليها مسألة أمن قومي مباشر، فضلاً عن دورها التاريخي الثابت في الوساطة بين الأطراف. وقد تضمّن جدول أعمال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في زيارته الأخيرة إلى واشنطن ملف غزة وإعمارها، إلى جانب متابعة مخرجات قمة شرم الشيخ والمراحل المتقدمة من خطة ترامب. وتبقى مصر الطرف العربي الأكثر تأثيراً في تشكيل أي ترتيب لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
الخلاصة والاستنتاجات:
تُفضي قراءة المعطيات إلى جملة من الاستنتاجات:
**يُرجَّح أن تُقلَّص وضعية مركز كريات غات ويُدمج في إطار قوة الاستقرار الدولية تحت القيادة الأمريكية، بصرف النظر عن التضارب الإعلامي الراهن حول شكل هذا التحول، وهو ما يعني تراجعاً فعلياً في مستوى الانخراط الأمريكي المباشر في إدارة الملف.
**يكشف مصير المركز عن تعثّر منهجي في الاستراتيجية الأمريكية في غزة؛ إذ تنهار المبادرات الأمريكية تباعاً دون أن تُعقب بمراجعة استراتيجية معلنة، في دلالة واضحة على غياب رؤية متكاملة لإدارة مرحلة ما بعد الصراع.
**تبدو أولوية حكومة نتنياهو قائمة على ترسيخ التواجد العسكري وتوسيع المناطق العازلة لا على إنهاء الحرب سياسياً، في حين تسعى حماس إلى توطيد حكمها بوصفه هدفاً قائماً بذاته، مستفيدةً من غياب الضغط الدولي الجدي عليها في مسألتَي نزع السلاح وتسليم السلطة.
**يُفضي استمرار الوضع القائم إلى تعليق ملف الإعمار إلى أجل غير مسمى، وتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة الغربية، بما يُعيد القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر ويُبعد حل الدولة الفلسطينية عن دائرة الممكن في المدى المنظور.