مراجعة متجددة لمنظومة الأمن القومي والخليجي.
تركيا ومصر وباكستان والخليج: إطار جديد للأمن الإقليمي بعد الحرب على إيران.
ورقة سياسات، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: ما بعد الإخفاق العربي – البحث عن بديل استراتيجي:
شكّلت الحرب الأخيرة على إيران لحظة انكشاف تاريخية لم تقتصر على فضح هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة فحسب، بل كشفت أيضاً عن إفلاس المقاربة القومية العربية التقليدية التي هيمنت على التفكير الاستراتيجي في المنطقة منذ منتصف القرن العشرين. فعلى مدى عقود من الخطابات الرنانة حول الأمن القومي العربي والعمل العربي المشترك، أثبتت التجربة العملية أن المنظومة العربية كإطار أمني واستراتيجي عاجزة بنيوياً عن توفير الحماية الفعلية لشعوبها ودولها. الاستهداف المباشر الذي طال الأردن ودول الخليج لم يكن حدثاً عسكرياً عابراً، بل كان بمثابة اختبار قاسٍ أظهر أن معاهدات الدفاع العربي المشترك والقمم المتكررة والإعلانات الطنانة، لم تستطع في اللحظة الحرجة أن تشكل درعاً حقيقياً يحمي أي عضو في هذه المنظومة. الأسوأ من ذلك أن الاعتماد شبه الكامل على مظلات حماية خارجية بعيدة جغرافياً أثبت أنه رهان فاشل، إذ لم تستطع القوى الغربية رغم وجودها العسكري الكثيف منع الاستهداف أو ردع التهديدات الناشئة.
من هنا يبرز السؤال المحوري الذي تفرضه هذه اللحظة التاريخية: إذا كانت المنظومة العربية قد أثبتت عجزها التام على مدى سبعة عقود، والحماية الخارجية قد كشفت محدوديتها الجوهرية في اللحظات الحاسمة، فأين البديل الاستراتيجي القادر على توفير الأمن الحقيقي للمنطقة؟ تنطلق هذه الورقة من فرضية جوهرية مفادها أن الأمن الحقيقي للمنطقة لن يتحقق إلا عبر إعادة تأسيس جذرية تتجاوز الإطار القومي العربي الضيق الذي أثبت إخفاقه التاريخي، نحو منظومة أمن خليجي- عربي- إسلامي استراتيجي تقوم على ثلاثية القوة الإقليمية الفعلية: تركيا ومصر وباكستان، بوصفها القوى الإسلامية الكبرى التي تمتلك القدرات العسكرية والبشرية والصناعية والجيوسياسية القادرة على توفير العمق الاستراتيجي اللازم لحماية منطقة الخليج والشرق الأوسط. هذا التحول المقترح ليس مجرد إعادة ترتيب للتحالفات القائمة، بل هو قطيعة معرفية وسياسية مع منطق فشل استمر لأكثر من سبعة عقود من الزمان.
أولاً: سقوط الأوهام المزدوجة – العروبة والحماية الخارجية:
لم تعد مسألة قابلة للجدل الجاد: المنظومة العربية كإطار للأمن الجماعي قد فشلت فشلاً ذريعاً وشاملاً على جميع المستويات. منذ توقيع معاهدة الدفاع العربي المشترك عام 1950، مروراً بتأسيس جامعة الدول العربية وكل مؤسساتها الفرعية المتعددة، وصولاً إلى العقود الأخيرة من القمم المتكررة والإعلانات الرنانة، لم تستطع هذه المنظومة أن تمنع احتلالاً واحداً لأرض عربية، أو أن تردع تهديداً خارجياً جاداً، أو حتى أن تنسق استجابة فعالة لأزمة إقليمية كبرى واحدة. الأخطر من ذلك أن هذا الفشل الممتد ليس عرضياً أو طارئاً، بل هو فشل بنيوي متجذر في طبيعة المنظومة ذاتها، حيث تعاني الدول العربية من تباين جذري في الأولويات الاستراتيجية يجعل من المستحيل بناء رؤية أمنية موحدة، ومن غياب قوة إقليمية عربية محورية قادرة على قيادة المنظومة بفعالية، ومن انقسامات سياسية مزمنة حولت الجامعة العربية إلى منبر للخطابات لا إلى آلية فعل، ومن خضوع معظم الأنظمة لمظلات حماية خارجية متباينة يجعل التنسيق بينها رهناً بموافقة القوى الكبرى.
في المقابل، كشفت الحرب على إيران عن انهيار الوهم الثاني: فكرة أن القوى الغربية وتحديداً الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في توفير حماية حقيقية لدول المنطقة. فعلى الرغم من شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية، وعشرات المليارات من صفقات الأسلحة المتقدمة، واتفاقيات دفاع ثنائية مع معظم دول الخليج، والوجود العسكري الأمريكي الكثيف بحرياً وجوياً، فشلت هذه المنظومة بالكامل في منع استهداف العمق الخليجي أو حماية البنية التحتية الحيوية أو فرض معادلة ردع واضحة. الأسباب متعددة: البعد الجغرافي الهائل وما يترتب عليه من بطء في الاستجابة، وتراجع الإرادة السياسية الأمريكية لخوض مواجهات مباشرة مكلفة، وتغير الأولويات الاستراتيجية الأمريكية نحو منطقة الباسيفيك والمواجهة مع الصين، وخضوع القرار الأمريكي لاعتبارات داخلية معقدة تجعله بطيئاً وغير حاسم في اللحظات الحرجة.
الخلاصة الحتمية: لا المنظومة العربية ولا المظلة الأمريكية قادرتان على توفير الأمن الحقيقي للمنطقة. من هنا تبرز الضرورة الاستراتيجية لبناء بديل جديد يقوم على قوى إقليمية إسلامية فعلية تمتلك القدرات العسكرية والبشرية والصناعية الحقيقية، وعلى قرب جغرافي يضمن سرعة الاستجابة والفهم العميق للتهديدات، وعلى مصالح مشتركة حقيقية لا خطابات أيديولوجية فارغة، وعلى إرادة سياسية مستقلة غير مقيدة برضا قوى خارجية.
ثانياً: الثلاثية العربية – الإسلامية – القوى الإقليمية البديلة:
تمثل تركيا اليوم القوة الإسلامية الأكثر تطوراً عسكرياً وصناعياً في المنطقة. على المستوى العسكري، تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بقوام يقارب 800 ألف عنصر، مع خبرة عملياتية واسعة اكتسبتها في مسارح عمليات متعددة من سوريا إلى ليبيا إلى أذربيجان. الميزة الأكثر أهمية هي قاعدتها الصناعية الدفاعية المتقدمة، حيث نجحت في تطوير صناعة محلية متقدمة للمسيّرات القتالية “بيرقدار وأكينجي” التي أثبتت فعاليتها في صراعات متعددة، إضافة إلى قدرات في إنتاج الدبابات والمدرعات ومنظومات الدفاع الجوي والسفن الحربية، مع قدرة مثبتة على نقل التقنية وتوطين الصناعات. جيوسياسياً، تسيطر تركيا على مضائق البوسفور والدردنيل الاستراتيجية، وتشكل جسراً بين أوروبا وآسيا، وتمتلك عمقاً استراتيجياً يمتد من البحر الأسود إلى المتوسط، مع قدرة مثبتة على إسقاط القوة في مسرح عمليات واسع.
تمثل مصر الكتلة الحرجة البشرية والجغرافية في أي معادلة أمنية إقليمية. فهي تمتلك ما يقرب من 120 مليون نسمة يشكلون احتياطاً بشرياً استراتيجياً هائلاً، وجيشاً كبيراً بـ 440 ألف نظامي و480 ألف احتياطي يتمتع بخبرة عملياتية ممتدة عبر عقود. لكن الميزة الأكثر أهمية هي موقعها الجيوسياسي الفريد الذي لا يمكن تعويضه: السيطرة على قناة السويس التي يمر عبرها 12% من التجارة البحرية العالمية، وكونها حلقة الوصل الطبيعية بين آسيا وأفريقيا، والإشراف على البحر المتوسط والبحر الأحمر، مع عمق استراتيجي جغرافي يسمح بالصمود طويل الأمد. إضافة إلى قاعدة صناعية عسكرية متنامية وبنية تحتية صناعية ضخمة قابلة للتوسع السريع.
اما باكستان فتمثل القوة الإسلامية النووية الوحيدة في العالم، وهي حقيقة استراتيجية تغير جوهرياً من طبيعة أي منظومة أمنية تنضم إليها. فباكستان تمتلك ترسانة نووية مقدرة بـ 165-200 رأس نووي، ومنظومات إطلاق متنوعة، ما يوفر قدرة ردع استراتيجي حقيقية. على مستوى القوة التقليدية، تمتلك سابع أكبر جيش في العالم بـ 650 ألف عنصر نظامي، مع خبرة قتالية واسعة وقوات خاصة SSG عالية التدريب بسمعة عالمية. صناعياً، حققت إنجازات ملحوظة في تطوير طائرة JF-17 Thunder المقاتلة، وإنتاج دبابات ومدرعات وصواريخ باليستية وكروز، مع قدرة على الإنتاج الكمي بتكلفة منخفضة. ديموغرافياً، تمتلك 240 مليون نسمة، وموقعاً جغرافياً يربط الشرق الأوسط بجنوب آسيا، وعلاقات استراتيجية عميقة مع الصين توفر عمقاً إضافياً.
ثالثاً: من التشظي العربي إلى التكامل الإسلامي الاستراتيجي
يتطلب البناء الاستراتيجي الجديد مراجعة فكرية واضحة مع منطق العمل العربي المشترك الذي أثبت عقمه. هذه المراجعة لا تعني العداء للدول العربية، بل تعني التوقف عن الرهان على مؤسسات عربية أثبتت عجزها المطلق، والاعتراف بأن الروابط اللغوية والثقافية وحدها لا تكفي لبناء منظومة أمنية فعالة. المطلوب هو البحث عن شركاء إقليميين يمتلكون القدرات الفعلية لا الخطابات الرنانة، والتحرر من القيود الأيديولوجية التي تمنع التحالف مع قوى إسلامية غير عربية رغم امتلاكها للقدرات المطلوبة.
يقوم النموذج البديل على منطق براغماتي واضح: القدرة العسكرية الفعلية هي المعيار الأول للشراكة، والقرب الجغرافي والقدرة على الاستجابة السريعة معيار حاسم، والمصالح الاستراتيجية المشتركة الحقيقية هي أساس التحالف لا الشعارات الأيديولوجية، والاستقلال النسبي عن المظلات الخارجية شرط للفعالية. لا يُقصد بالبعد الإسلامي بعداً أيديولوجياً ضيقاً، بل هوية حضارية جامعة توفر أرضية مشتركة، ومصالح استراتيجية مشتركة في مواجهة تهديدات مشتركة، وشبكة علاقات تاريخية عميقة، وبديلاً عن الإطار القومي العربي الفاشل دون الخضوع لمظلات خارجية.
رابعاً: إعادة تعريف الأمن الخليجي في إطار مختلف:
تحتاج دول الخليج إلى إعادة جذرية لمعادلة أمنها القومي: انتقال من نموذج قائم على الاعتماد شبه الكامل على واشنطن وشراء أنظمة دفاع متقدمة دون قدرة على صيانتها والرهان على ردع خارجي ثبت قصوره، إلى نموذج جديد يقوم على شراكة استراتيجية عميقة مع الثلاثية الإسلامية تتضمن بناء قدرات دفاعية محلية ومشتركة عبر نقل التقنية والتصنيع المشترك، وتطوير منظومة ردع إقليمية أصيلة لا تخضع لتقلبات السياسة الدولية.
يقوم التكامل الاستراتيجي على خمسة محاور رئيسية: أولاً، منظومة دفاع جوي وصاروخي مشتركة تجمع بين القدرات التركية المتقدمة والانتشار الجغرافي المصري والخبرة الباكستانية، مع مركز قيادة موحد وتطوير قدرات محلية للإنتاج. ثانياً، قوة بحرية إسلامية مشتركة تعمل في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، مع تكامل بين القدرات البحرية للدول الأربع وتطوير صناعة بحرية مشتركة. ثالثاً، تكامل صناعي دفاعي يجمع بين التقنية التركية والطاقة الإنتاجية المصرية والباكستانية والتمويل الخليجي، مع التركيز على نقل التقنية في المسيّرات والصواريخ والدفاع الجوي والذخائر الدقيقة. رابعاً، قوة تدخل سريع مشتركة تضم ألوية تركية ومصرية وباكستانية تحت قيادة موحدة. خامساً، منظومة استخبارات وإنذار مبكر متطورة تعمل في الزمن الحقيقي.
العنصر الأكثر جذرية هو البعد النووي الباكستاني الذي يمثل تحولاً نوعياً في معادلة الأمن الإقليمي. هذا الإدماج لا يعني نقل الأسلحة النووية، بل إقامة تفاهمات استراتيجية عميقة تتضمن إعلاناً باكستانياً واضحاً باعتبار أمن الخليج امتداداً للأمن القومي الباكستاني، وتفاهمات حول الخطوط الحمراء والردود الممكنة بما في ذلك الخيارات النووية في الحالات القصوى. هذا الردع النووي غير المباشر قد يكون أكثر فعالية وأقل إثارة للحساسيات الدولية من محاولات تطوير قدرات نووية خليجية خاصة.
خامساً: الهندسة الأمنية الجديدة – منظومة متعددة المستويات:
المستوى الأول هو النواة الصلبة التي تضم دول الخليج الست إضافة إلى تركيا ومصر وباكستان. هذه النواة ليست مجرد تحالف سياسي، بل شراكة استراتيجية عميقة تقوم على اتفاقية دفاع مشترك ملزمة قانونياً، وقيادة عسكرية موحدة دائمة، ومنظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة، وقوات تدخل سريع مشتركة، وتكامل صناعي دفاعي شامل، ومنظومة استخبارات وإنذار مبكر موحدة. المستوى الثاني هو الدائرة الإسلامية الموسعة التي تشمل دولاً كإندونيسيا وماليزيا والأردن والمغرب، توفر عمقاً استراتيجياً إضافياً دون أن تكون جزءاً من النواة الصلبة. المستوى الثالث يتعلق بالشراكات الدولية المتوازنة، حيث تحافظ المنظومة على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى دون الاعتماد الكامل على أي منها أو الوقوع في فخ الاستقطاب الثنائي.
سادساً: تجاوز الخطاب القومي العربي – قطيعة معرفية ضرورية:
يتطلب التحول الاستراتيجي مواجهة صريحة مع الإرث الفكري مع جمود الفكر القومي العربي ومقارباته. في الأكاديميا، تتطلب القطيعة تفكيكاً منهجياً للافتراضات النظرية التي تقوم عليها أدبيات الأمن القومي العربي، ونقد الفجوة بين الخطاب النظري والواقع العملي، وتطوير أدبيات جديدة حول الأمن العربي – الإسلامي الاستراتيجي. سياسياً، تتطلب توقفاً عن الرهان على مؤسسات عربية فاشلة، واعترافاً علنياً بإخفاق التجربة العربية، وتبني خطاب جديد قائم على المصالح الاستراتيجية الحقيقية.
فشلت القومية العربية لأسباب بنيوية: غياب قوة محورية قادرة على القيادة، وتباين جذري في الأولويات، وافتقار لقاعدة صناعية، وخضوع معظم الأنظمة لمظلات حماية خارجية متباينة. ولأسباب سياسية: انقسامات حادة، وغياب الثقة، وتحول الخطاب القومي إلى أداة للشرعية الداخلية لا للسياسة الفعلية. البديل الإسلامي أكثر واقعية لأنه يقوم على قوى فعلية تمتلك القدرات الحقيقية، ويتجاوز الحدود اللغوية الضيقة دون فقدان الأرضية الحضارية، ويوفر عمقاً استراتيجياً هائلاً، ويتحرر من القيود الأيديولوجية الضيقة، ويقدم طريقاً ثالثاً بين الهيمنة الخارجية والعزلة الدولية.
خاتمة: من الخطاب إلى الفعل – طريق صعب لكنه ضروري:
– إعادة هندسة الأمن الإقليمي على أساس الثلاثية الإسلامية ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية وجودية تفرضها معطيات الواقع الجيوسياسي الجديد. هذا التحول يواجه مقاومة هائلة من النخب التقليدية المتمسكة بالخطاب القومي، ومن القوى الخارجية التي تستفيد من التشظي الإقليمي، ومن الأنظمة المرتبطة بمظلات حماية خارجية، ومن التيارات الأيديولوجية التي ترفض أي بديل عن الوحدة العربية. لكن الاستمرار في النموذج الفاشل ليس خياراً عقلانياً. الثمن الذي دفعته المنطقة يشمل احتلالات متكررة، وحروباً مدمرة، وتدخلات أجنبية سافرة، وتشظياً متزايداً، وعجزاً مزمناً عن حماية المصالح الحيوية.
– الطريق نحو المنظومة الجديدة صعب لكنه ممكن. يتطلب شجاعة فكرية للقطيعة مع الأوهام القومية، وإرادة سياسية لبناء تحالفات غير تقليدية، واستثمارات ضخمة في التكامل الصناعي الدفاعي، ورؤية استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الحسابات الآنية. النموذج المقترح يجمع بين الواقعية والطموح، بين الاعتماد الذاتي والانفتاح على الشراكات الفعالة، بين احترام الخصوصيات الوطنية وبناء المصالح الإقليمية المشتركة. إنه السبيل الوحيد في تقديرنا لضمان أمن حقيقي ومستدام في منطقة شديدة التعقيد تشهد تحولات عميقة. الخيار واضح: إما مواصلة الرهان على نماذج فاشلة، أو الانتقال الشجاع نحو منظومة أمن خليجي – إسلامي استراتيجي قادرة على حماية المنطقة. التاريخ لن يرحم من يتمسك بالأوهام في مواجهة الحقائق القاسية.