“مجلس سلم” و “لجنة تكنوقراط فلسطينية”: الوقائع والشروط والآفاق:

” ورقة سياسات.

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

ملخص تنفيذي:

-يمثل “مجلس السلم” برئاسة ترامب هيكلا إقليميا دوليا يشرف على تنفيذ خطة غزة الواعدة بمسار موثوق لقيام دولة فلسطينية.

-يعكس الحدث جدية في إشراف مباشر لواشنطن على خطة من شأنها، عبر ملف غزة، تغيير المعادلات في الشرق الأوسط.

-تعيب الخطة غياب الوضوح، ورمادية الأهداف، وتعدد الفاعلين، وعدم التأكد من دعم أممي كامل يتسق مع مصالح الفاعلين.

-يبدو موقف إسرائيل متعاملا مع الخطة على مضض مع استعداد لإجهاضها حالما تتوفر ظروف ذلك.

-تغيّب الخطة الطرف الفلسطيني عن عضوية “مجلس السلم”، فيما تثير “لجنة التكنوقراط الفلسطينية” قلقا وريبة لدى السلطة الفلسطينية وحماس على السواء مما توحي به من مصير للهياكل الفلسطينية الحالية.

تقديم:

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبناء على خطته لوقف الحرب في غزة، عن تشكيل “مجلس السلم” المتعدد الجنسيات و”لجنة التكنوقراط الفلسطينية”. تؤسس تلك الهياكل الدولية والفلسطينية لمسار يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ونشر “قوة استقرار” دولية، ونزع سلاح حماس، وإعادة الإعمار، واستطلاع “مسار موثوق” لإقامة دولة فلسطينية. فما هي شروط وظروف التطور وتداعياته؟

هياكل الخطة: مجلس ولجنة ووعود:

يبرز تشكيل الرئيس دونالد ترامب لـ”مجلس السلم” ولجنة التكنوقراط الفلسطينية، في 15 يناير 2026، كمحور رئيسي لخطته لوقف الحرب في غزة والتي دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025. وتشكل هذه الخطة إطارا شاملا يهدف إلى إنهاء الحرب في القطاع، مع التركيز على إعادة الإعمار، وتمهيد الطريق نحو قيام دولة فلسطينية. ويرأس ترامب “مجلس السلم” بنفسه، بما يجعل مشروعه شخصيّ الطابع، مشرفا على مصير غزة وما يتجاوزها. ويشمل أعضاء المجلس على شخصيات من دول متعددة تجمع بين الثقل الأمريكي والإقليمي.

ويتكون المجلس من خليط دولي إقليمي يضم شخصيات أميركية مثل صهر ترامب ومستشاره،جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص، ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية، وماركو روبيو، إلى جانب ممثلين عن دول عربية، مثل قطر ومصر والإمارات، وتركيا وإسرائيل ودول غربية أخرى. ويعكس هذا الهيكل محاولة لجمع نفوذ متنوع، لكنه يظل غامضا في تفاصيله، لجهة أن ترامب قدم تصميما عاما دون الخوض في مهامه الدقيقة أو أدواته التنفيذية.

ويشرف المجلس المتعدد الجنسيات على “لجنة التكنوقراط الفلسطينية” التي تتكون من 15 شخصية من الكفاءات التقنية المستقلة، برئاسة المهندس علي شعث، مكلفة بإدارة القطاع بعد إنهاء الحرب. كما عين ترامب الجنرال جاسبر جيفرز قائدا لقوة استقرار دولية في غزة. وتؤلف هذه العناصر جوهر خطة من 20 بندا قدمها ترامب، تتضمن رسم “مسار موثوق لإنشاء دولة فلسطينية”، مع الوعد بإنهاء الصراع وإعادة بناء المنطقة.

الولايات المتحدة: القيادة والقرار والإشراف:

تبدو إمكانية تنفيذ الخطة غير واضحة بسبب غموض كثير من تفاصيلها واعتمادها على ارتجال لا يقوم على نصوص تأسيسية. ولئن يمكن أن يؤدي التنفيذ الناجح إلى إعادة إعمار غزة من خلال مشاريع بنية تحتية مدعومة دوليا، ممهدا لدولة فلسطينية محدودة النطاق، فإن التحديات اللوجستية والسياسية تقلل من الفرص.

كذلك، يعتمد الوصول إلى قيام الدولة الفلسطينية على قبول إسرائيلي وعربي، حيث ينظر إلى الخطة كبند يقنع عواصم مثل الرياض بأن واشنطن ملتزمة بمبدأ الدولة قبل أي تطبيع إضافي. ومع ذلك، في ظل عدم وجود آليات تنفيذية مفصلة، قد تتحول الخطة إلى هيكل شكلي يفتقر إلى الآفاق الواضحة، خاصة إذا استمرت الاعتراضات من الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية.

لكن الخطة مع ذلك تظهر جدية واشنطن من خلال تولي ترامب شخصيا الرئاسة المباشرة للمجلس، مدعوما بمؤسسات الولايات المتحدة وجيشها (جنرال أميركي يقود “قوة الاستقرار” الدولية)، ما يعكس انخراطا غير مسبوق في رعاية مشروع سلم إقليمي.

هياكل الخطة: مجلس ولجنة ووعود:

تدور بنود الخطة حول تحول غزة من منطقة صراع إلى نموذج للاستقرار، حيث تقسم إلى مراحل محددة دخلت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بإقامة آليات الاستقرار من خلال قوة دولية وإدارة مؤقتة عبر اللجنة التكنوقراطية، تهدف إلى تسليم زمام الأمور في القطاع وتجنب الاحتكار السابق للسلطة. تليها مرحلة ثانية تركز على الإعمار الشامل، مع الضغط نحو حل سياسي يؤدي إلى دولة فلسطينية.

وتعتمد الخطة على نفوذ واشنطن لفرض الضغوط، مستفيدة من الدعم العربي والدولي لتقديم نموذج إداري جديد يقصي الواجهات التقليدية. ويُعد هذا النهج بديلا عن أفكار سابقة مثل التهجير الجماعي أو المشاريع العقارية، مثل فكرة إنشاء ريفييرا في غزة، التي تم التخلي عنها بعد رفض إقليمي. بدلا من ذلك، يركز البرنامج على بناء سلم يبدأ بإنهاء الحرب ويمتد إلى إعادة الإعمار، معتمدا على تمويل دولي ومراقبة أمريكية مباشرة.

ومع ذلك، يظل الغموض في خريطة الطريق تحديا، إذ لا توجد نصوص مرجعية واضحة توضح كيفية الوصول إلى الدولة الفلسطينية، مما يجعل الخطة تعتمد بشكل كبير على مرونة ترامب في تدوير الزوايا، كما في استبدال توني بلير بنيكولاي ملادينوف كمنسق للمجلس لتجنب الاعتراضات.

الظروف الجيوسياسية الدولية والمحلية:

أتى توقيت الإعلان عن قيام “مجلس السلم” واللجنة الفلسطينية، في سياق أوسع يشمل هجمات كان ترامب وعد بها ضد إيران، ومحاولاته لحل قضايا أخرى مثل أوكرانيا، أو الاستعداد لخطط للاستيلاء على جزيرة غرينلاند. ويكشف التطور عن تحول نوعي لمقاربة ترامب لحرب غزة والمسألة الفلسطينية عامة. ورغم اهتمام ترامب برعاية مشروع سلم في الشرق الأوسط، غير أن تعدد وتناقض الأهداف التي يريد تحقيقها في العالم تطرح أسئلة بشأن القدرة على جذب كافة الأطراف إلى خطته.

وتأتي خطة ترامب في لحظة جيوسياسية تُظهر تراجع نفوذ إيران وخطابها ومحورها على نحو يقلل من قدرات عرقلة مشروع واشنطن للسلم في المنطقة. بالمقابل يظهر تضخم قوة إسرائيل الإقليمية مستفيدة من التضامن الدولي بعد عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023.

وتتباين المواقف الإسرائيلية بين الدعم المشروط والحذر. فتقليديا، ترفض إسرائيل أي مؤتمر دولي، مفضلة الولايات المتحدة كوسيط حصري، وهو ما يحققه ترامب بجلب المؤتمر (مجلس السلم) تحت رعايته. ومع ذلك، يستنكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية تشكيل اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية من دون استشارة إسرائيل، معتبرين إياها تهديدا للسيطرة الإسرائيلية. وطالما أن ترامب يوصف بأنه أكثر الرؤساء الاميركيين دعما لإسرائيل، وفق تصريحات نتنياهو نفسه، فإن إسرائيل مضطرة لمجاراة الخطة بانتظار ظروف مواتية لإجهاضها، خاصة إذا لم تتوافق مع أهدافها الأمنية.

وتتباين مواقف دول العالم من خطة ترامب. فرغم مشاركة دول غربية داعمة لواشنطن في “مجلس السلم”، لكن الغموض في المهام يثير حذرا عاما خصوصا أنه ينظر إلى الخطة كمحاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. ويسبب عدم وضوح الخطة وتفاصيلها وآفاقها تتردد دول العالم في المساهمة بإرسال قوات لصالح “قوة الاستقرار” الدولية إلى غزة.

وفيما تفيد المعطيات عن دور مناط بتركيا وقطر ومصر لحل مسألة سلاح حركة حماس في القطاع، فإن ترامب، من خلال دعوة العاهل الأردني والرئيسين المصري والتركي (حتى تاريخ إعداد الورقة) إضافة إلى شخصيات محتملة مثل رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للانضمام إلى “مجلس السلم” يحرص على توسيع مروحة الحضور الإقليمي والدولي ورفع مستواه، ما يرفع من حظوظ نجاح الخطة ومفاعيلها.

الخطة في الحسابات الفلسطينية:

تسود قيادة السلطة الفلسطينية حالة ارتباك في التعامل مع الأمر الواقع الذي تفرضه إدارة الرئيس ترامب في واشنطن، كما ينسحب الأمر نفسه على حركة حماس التي تقارب الخطة بحذر وتحفظ. ولئن يعبر الطرفان بشكل دبلوماسي خجول عن الترحيب وعقد الآمال على السلم النهائي وقيام الدولة، غير أن للحراك الفلسطيني السياسي أسئلة وتحفظات تظهر علاماتها التالية:

1-لا يشارك الجانب الفلسطيني في عضوية “مجلس السلم” الذي تشمل عضويته، إضافة للراعي الأميركي، أطرافا عربية وإقليمية ودولية من دون أن يكون الجانب الفلسطيني طرفا مقررا في شؤون يفترض أنها مصيرية بالنسبة لمستقبل فلسطين والفلسطينيين.

2-تمثل “لجنة التكنوقراط الفلسطينية” حالة مستقلة عن قرار السلطة الفلسطينية وحماس. ويشتبه في أن نجاح تجربتها في مجالات الإدارة والحوكمة والتنمية وإعادة الإعمار، يمكن أن تكون مرجعا لاحقا لحالات فلسطينية تنسحب على الضفة الغربية، وتكون بديلا للقيادة الحالية في الضفة والقطاع.

3-تشتبه السلطة الفلسطينية، وفق مصادر إعلامية فلسطينية، بأن عددا من أعضاء لجنة التكنوقراط هم مقربون من التيار الذي يرأسه القيادي الفلسطيني محمد دحلان والذي يعتبر من الوجوه الأساسية المعارضة للسلطة وللرئيس محمود عباس.

4-رغم امتناعها عن الخروج بموقف واضح بشأن تسليم سلاحها ورفضها للأمر، تتخوف حركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى في غزة من ضغوط سوف تمارسها دول مثل تركيا ومصر وقطر، إضافة لوجود جهة فلسطينية مستقلة، تفرض اضطرارها إلى التخلي عن السلاح لصالح هياكل الإدارة الجديدة لغزة.

5-يفرض “المجلس” و”اللجنة” تحولات كبرى على الحالة الفلسطينية وقواعدها المعروفة منذ اتفاق أوسلو لعام 1993، ويدفع بها باتجاه احتمالات غير واضحة لا تتناسب مع الهياكل القائمة والقوى المستفيدة منها منذ عقود.

6-يعوز الكلام عن “مسار موثوق” لقيام دولة فلسطينية خطة واضحة، ومرجعيات ثابتة، تحدد سبل وخرائط ومعايير تلك الدولة، ومدى وجاهة الدور الأميركي في رعاية قيام كيان فلسطيني يلبي الطموحات السياسية التاريخية.

7-من جانب السلطة الفلسطينية، يسود الرفض للجنة التكنوقراطية، التي تعتبر اختراعا يهدد شرعيتها ونفوذها في رام الله، خاصة مع قرب بعض أعضائها من تيار محمد دحلان الإصلاحي.

8-اعترضت حماس على تعيين شخصية امنية متقاعدة من المخابرات الفلسطينية كمنسق للشؤون الأمنية في القطاع ، لكن الامر حل سريعا بلقاء بين قياديين في حماس وتيار الإصلاح في حركة فتح، ولهذا باركت حماس تشكيل اللجنة وأبدت استعدادا للتعامل مع اللجنة الإدارية وحملت إسرائيل مسؤولية المماطلة ومحاولة تخريب الجهود الدولية والإقليمية.

خلاصة واستنتاجات:

**يؤسس تشكيل “مجلس السلم” و”لجنة التكنوقراط الفلسطينية” الهياكل العملية لتنفيذ خطة ترامب بشأن غزة ومستقبل المسألة الفلسطينية.

**يعبر إعلان ترامب عن بدء المرحلة الثانية لخطة غزة وقيام “المجلس” و”اللجنة” عن جدية أميركية وعزم ترامب على الإشراف شخصيا (ترؤس “المجلس”) على إنجاح مشروع السلم الذي يقترحه.

**يحيط استشراف نهايات خطة ترامب الغموض في تفاصيل الأدوات التنفيذية، والقدرة على فرض الأمر الواقع على إسرائيل، وتدجين الظروف الدولية في خدمة ذلك.

**من غير الواضح ماهية مهام وقدرات “المجلس” و”اللجنة” على الشروع بتحقيق إنجازات من دون موقف إقليمي دولي حازم في غياب خرائط طريق لا تعرقلها الأجندات المحلية والخارجية.

**يكشف احتجاج نتنياهو على قيام لجنة فلسطينية لإدارة غزة عن إمعان إسرائيل في رفض الطابع الفلسطيني لمستقبل غزة، والرفض الإيديولوجي لفكرة قيام كيان فما بالك إذا كان بمستوى دولة فلسطينية.

**ما زال غياب السعودية عن عضوية “مجلس السلم” يطرح شكوكا بشأن احتضان خليجي عربي لورشة ترامب والشروط من أجل ذلك.

-**تمثل دعوة ترامب لعاهل الأردن والرئيسين المصري والتركي وربما قيادات عربية وإقليمية ودولية أخرى، تمرينا لتوفير أكبر بيئة إقليمية دولية حاضنة لخطة ترامب.

**تغيب معطيات بشأن قواعد تشجع الدول على المساهمة بـ”قوة الاستقرار” الدولية لغزة، ما يطرح أسئلة بشأن الطابع التنفيذي للسيطرة على أمن القطاع.

**تطرح خطة ترامب أسئلة على السلطة الفلسطينية وحركة حماس بشأن مستقبل الواجهات الفلسطينية الحالية ودورها، في ظل غياب الطرف الفلسطيني الرسمي عن عضوية “مجلس السلم” وإيلاء إدارة القطاع لفريق فلسطيني مستقل عن هياكل السلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.