ما حدود عودة تهديدات الحوثيين للبحر الأحمر؟
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
تقديم: تطرح عودة جماعة الحوثي إلى استهداف إسرائيل وتهديد الملاحة في البحر الأحمر أسئلة بشأن حدود هذا التحرك وظرفيته بين المؤقت والدائم خدمة لتلويح إيران بإغلاق باب المندب اسوة بمضيق هرمز. فهل من أسباب حوثية للانتقال من حالة الهدنة إلى استئناف الصراع أم أن الأمر عرضي يقدم خدمة رمزية لطهران؟
في المعطيات:
• في 8 يونيو 2026، أعلن المتحدث العسكري لجماعة الحوثيين يحيى سريع إطلاق دفعة صاروخية استهدفت أهدافاً في منطقة تل أبيب، وإعادة فرض حظر على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، معتبراً أي تحرك إسرائيلي هدفاً عسكرياً.
• جاء الإعلان بعد يوم من تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل عقب الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت بتاريخ 7 يونيو. ووفق الرواية الإسرائيلية، تم اعتراض أحد الصاروخين بينما سقط الآخر دون وقوع إصابات.
• كانت هجمات الحوثيين على إسرائيل قد توقفت في أبريل 2026 بعد هدنة هشة ارتبطت بوقف إطلاق النار في غزة، وسبقتها هدنة بين الولايات المتحدة والحوثيين في مايو 2025.
• استمرت حملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب من نوفمبر 2023 حتى أواخر عام 2025، وأدت إلى تنفيذ الولايات المتحدة وبريطانيا عمليات عسكرية واسعة ضد مواقع الجماعة.
• في 8 يونيو 2026، تساءل السياسي اليمني علي البخيتي عن أسباب عدم إغلاق الحوثيين لباب المندب خلال المراحل الأخطر من المواجهة المرتبطة بإيران، معتبراً أن الجماعة تتجنب الذهاب إلى مواجهة مباشرة واسعة.
• في اليوم نفسه، قال أحمد المسيبلي، المستشار الإعلامي في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إن الحوثيين ينفذون تحركاتهم استجابة لتوجيهات إيرانية، محذراً من جر اليمن إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل.
• تفيد مصادر مقربة من الجماعة بأن استئناف العمليات العسكرية جاء بعد التطورات الأخيرة في لبنان، وما رافقها من ضغوط داخلية وتعاطف شعبي مع حلفاء الحوثيين في محور المقاومة.
• تشير تقارير بحثية متخصصة إلى أن الحوثيين ما زالوا يحتفظون بقدرات عسكرية مؤثرة رغم الخسائر التي تعرضوا لها خلال السنوات الماضية.
• يسيطر الحوثيون على مناطق تطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، والذي تمر عبره نسبة مهمة من حركة التجارة الدولية.
• أدت الهجمات السابقة في البحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وإعادة توجيه عدد من خطوط الملاحة الدولية نحو مسارات أطول وأكثر كلفة.
• تؤكد دراسات وتقارير متخصصة أن الحوثيين يمتلكون القدرة على تنفيذ هجمات محدودة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف بحرية أو مرتبطة بإسرائيل، لكن قدرتهم على فرض إغلاق كامل ومستدام للممرات البحرية تبقى موضع شك.
في التحليل:
تبدو عودة الحوثيين إلى استهداف إسرائيل وتهديد الملاحة في البحر الأحمر مرتبطة بالسياق الإقليمي أكثر من ارتباطها بتحول استراتيجي مستقل في حسابات الجماعة. فالتوقيت المتزامن مع التصعيد بين إيران وإسرائيل يوحي بأن الحوثيين يسعون إلى إعادة تأكيد حضورهم داخل محور المقاومة وإظهار استمرار تماسكه في لحظة تتعرض فيها طهران وحلفاؤها لضغوط متزايدة.
ومن المرجح أن تحمل هذه التحركات أبعاداً سياسية ورمزية أكثر من كونها مقدمة لمواجهة عسكرية واسعة. فالجماعة تدرك أن الانتقال إلى إغلاق فعلي وممتد لباب المندب سيستجلب ردوداً أمريكية وإسرائيلية وربما دولية واسعة النطاق، بما يهدد بنيتها العسكرية والبنية التحتية الواقعة تحت سيطرتها. كما أن اليمن نفسه سيكون أول المتضررين من أي تعطيل شامل للملاحة أو خطوط الإمداد والتجارة.
في الوقت نفسه، تحتاج الجماعة إلى الحفاظ على صورتها أمام جمهورها المحلي باعتبارها جزءاً فاعلاً من محور المقاومة، وإلى تأكيد استمرار التزاماتها السياسية والأيديولوجية تجاه إيران وحزب الله والقضية الفلسطينية. كما أن التصعيد الخارجي يوفر وسيلة فعالة لتعبئة القاعدة الشعبية وصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة في مناطق سيطرتها.
وتشير المعطيات إلى أن الحوثيين ما زالوا يمتلكون قدرة على إحداث اضطراب مؤثر في حركة الملاحة الدولية، إذ إن هجوماً محدوداً أو استهدافاً ناجحاً لسفينة قد يكون كافياً لرفع تكاليف التأمين وإرباك الأسواق العالمية. إلا أن هذه القدرة تختلف عن القدرة على فرض حصار كامل أو إغلاق طويل الأمد لباب المندب، وهو هدف يتجاوز إمكاناتهم الحالية ويصطدم باعتبارات عسكرية واقتصادية وسياسية متعددة.
السيناريو الأرجح يتمثل في استمرار عمليات محدودة ومحسوبة ضد أهداف إسرائيلية أو ضد سفن مرتبطة بإسرائيل، بهدف توجيه رسائل سياسية وتعزيز الموقع التفاوضي لمحور إيران، من دون الانزلاق إلى مواجهة بحرية شاملة. وبذلك تبدو عودة التهديدات الحوثية أقرب إلى سياسة ضغط مدروسة ومحدودة السقف منها إلى محاولة حقيقية لإغلاق البحر الأحمر أو تغيير قواعد الملاحة الدولية بصورة دائمة.
خلاصة:
**تحرّك جماعة الحوثي محدود ومحسوب وليس انخراطا كاملًا في حرب إيرانية مفتوحة.
**توازن الجماعة ما بين حساباتها الإيرانية وحساباتها اليمنين والإقليمية-الدولية والتزامها بالهدنة مع الولايات المتحدة.
**لا يبدو الحوثيون راغبين أو قادرين على تحويل البحر الأحمر إلى ساحة إغلاق شامل ومستمر، لكنهم قادرون على إرباك الملاحة ورفع المخاطر وتسجيل حضور سياسي وعسكري عند الحاجة.
**التحرّك يجعل من ورقة الحوثيين مفيدة لإيران لجهة تلويحها التفاوضي بالقدرة على إغلاق باب المندب.
**عودة الحوثيين للتحرّك ليست بالضرورة دليل قوة مطلقة، بل دليل على أن الجماعة ما زالت تملك قدرة إزعاج استراتيجية في باب المندب، لكنها ليست في وضع يسمح لها بفرض حصار شامل دون أن تدفع ثمنًا قد يهدد بقاءها نفسه.
**تهدف عودة الحوثيين إلى بعث رسالة دعم لإيران واستعادة الحضور الإعلامي بعد غياب قرابة أربعة أشهر، أكثر من كونها استعداداً لتنفيذ إغلاق كامل لباب المندب.
**استمرار التوتر الإيراني-الإسرائيلي قد يدفع الحوثيين تدريجياً نحو انخراط أعمق، مما يحول البحر الأحمر إلى مسرح مواجهة دولية مفتوح.
**يسجل ظهور معارضة حتى من قبل حوثيين سابقين بجرّ البلاد إلى التدمير خدمة لإيران مؤكدين أن الجماعة تخشى الولايات المتحدة وتخشى ضرباتها.
**تهديدات الحوثيين الملاحية استهدفت تلك الإسرائيلية وحدها ما يبعث برسالة إلى واشنطن بعدم انخراطها في تهديد للملاحة الدولية الشاملة.