ما بعد زيارة الشرع الى واشنطن:
الدمج الأمني واللامركزية الإدارية كركيزتين للدولة السورية
خلف عثمان – مركز تقدّم للسياسات- دمشق
تقديم: تمثّل التصريحات الأخيرة لقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، حول الاستعداد لدمج قواته ضمن أجهزة الدولة السورية، تطورًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الأهمية في سياق المسار الجديد الذي انفتح بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن.
إذ باتت العلاقة بين دمشق وواشنطن تدخل طورًا جديدًا يقوم على الشراكة العملية في مكافحة الإرهاب، مع تبلور تفاهماتٍ ضمنية حول إدارة الملف الكردي ومستقبل الشمال السوري.
هذا التطور يُعيد رسم خريطة العلاقات الداخلية والخارجية لسوريا، ويفتح الباب أمام مقاربة براغماتية جديدة تسمح بدمج “قسد” تدريجيًا في بنية الدولة، بما يضمن حفظ السيادة السورية من جهة، وضمان المصالح الأمنية الأمريكية من جهة أخرى، دون العودة إلى صيغ الصدام السابقة.
في المعطيات:
1. زيارة الشرع إلى واشنطن: إعادة بناء الثقة
زيارة الرئيس الشرع إلى العاصمة الأمريكية شكّلت تحولًا نوعيًا في التواصل السوري–الأمريكي منذ أكثر من عقد.
فالبيان المشترك الذي أعقبها، والذي ركّز على “تطوير الشراكة في مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار الإقليمي”، أعاد واشنطن إلى دور الوسيط الضامن، بدل الطرف المعادي.
هذه الزيارة وضعت الأساس لتفاهمٍ عملي حول إعادة هيكلة الأمن الوطني السوري بما يشمل شمال وشرق البلاد.
2. اتصال مظلوم عبدي بالسفير الأمريكي توم باراك
جاءت مكالمة عبدي مع المبعوث الأمريكي عقب زيارة الشرع لواشنطن لتؤكد أن هناك رعاية أمريكية مباشرة لعملية الدمج، وأن التنسيق يجري على مستويين:
• فني/أمني: يتعلق بكيفية استيعاب قوات قسد ضمن هيكل الجيش السوري دون تفكيكها الكامل.
• سياسي: يتعلق بضمان تمثيلٍ إداريٍّ وحقوقيٍّ وثقافي للأكراد ضمن الإطار الوطني.
هذا الاتصال كشف أن واشنطن تتعامل مع الملف كجزء من الاستراتيجية المشتركة لمكافحة تنظيم داعش، وليس كملفٍ انفصالي.
3. رسالة عبدي لترامب: دلالات سياسية مزدوجة
خطاب مظلوم عبدي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي شكره فيه على “منح الشعب السوري فرصة لتحقيق عظمة مستقبله”، هو إشارة رمزية لاستمرار الاعتماد على المظلة الأمريكية في ضبط الانتقال السياسي، لكنه أيضًا رسالة تطمين لدمشق بأن عملية الدمج تتم بالتنسيق وليس بالوصاية.
قراءة في السياق الإستراتيجي:
1. دمج “قسد” كآلية استقرار:
يُنظر إلى مشروع دمج “قسد” في مؤسسات الدولة على أنه الخطوة المفصلية لإنهاء الانقسام العسكري – الإداري في سوريا.
فالدمج يوفّر للدولة ما يلي:
• توسيع السيطرة السيادية على كامل الجغرافيا السورية.
• توحيد القرار الأمني والعسكري بما يعزز الاستقرار والمنعة للحكم في دمشق في وجه المتشددين.
• تعزيز القدرات في مواجهة بقايا “داعش” والخلايا العابرة للحدود.
وفي المقابل، يقدّم لـ“قسد” شرعية قانونية وحماية سياسية داخل الإطار الوطني، ويُنهي حالة “اللايقين” التي سادت منذ زمن.
2. البعد الأمريكي: من الرعاية إلى الشراكة:
واشنطن، التي عانت من سياسة الغموض في الملف السوري منذ إدارة بايدن، تجد في هذا التفاهم فرصة لإعادة تموضعٍ عملي :
• تجنّب الفراغ الأمني الذي قد تستغله موسكو أو طهران.
• الاستثمار في إعادة الإعمار عبر قنواتٍ شرعية ودون مواجهة مباشرة مع دمشق.
• إعادة تعريف “التحالف الدولي ضد الإرهاب” بصفته منصة تعاونٍ لا أداة ضغط.
هذا يعكس تحوّل السياسة الأمريكية من سياسة الإقصاء إلى سياسة الاحتواء المشروط.
3. دمشق: من الصراع إلى التكيّف:
الحكومة السورية تدرك أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يتطلب تسويةً ذكيةً مع القوى الكردية، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
لذلك يُنظر إلى مشروع الدمج كفرصة لتثبيت الأمن المحلي في الشمال الشرقي، وفتح الباب أمام عودة الاستثمارات وإعادة الإعمار تحت مظلة وطنية موحّدة.
4. اللامركزية الإدارية كمسهل للحلول المقيدة واندماج القوات:
يشير تطور الموقف الرسمي في دمشق خلال العام 2025 إلى تحوّل تدريجي في فلسفة إدارة الحكم باتجاه اللامركزية الإدارية المقيدة، أي تفويض صلاحياتٍ محدودة للإدارات المحلية ضمن إطارٍ وطني موحد يخضع لإشراف السلطة المركزية.
هذا التوجه لم يأتِ في فراغ، بل تبلور نتيجة التجارب الميدانية والسياسية التي أثبتت أن المركزية المطلقة لم تعد قادرة على ضبط المشهد المعقّد بعد أكثر من عقد من الصراع.
1. اتفاق عمّان: نقطة تحوّل في الإدراك السياسي
لقد شكّل اتفاق عمّان بين الحكومة السورية ووفد الزعامات الدرزية في الجنوب محطةً فاصلة في إعادة تعريف العلاقة بين المركز والمجتمع المحلي.
فالاتفاق، الذي أتاح للمجالس المحلية في السويداء إدارة شؤون الخدمات والموارد البلدية تحت إشراف وزارة الإدارة المحلية، مثّل أول تطبيقٍ فعليٍّ لمفهوم الإدارة المحلية الموسّعة.
وقد منح دمشق نموذجًا ناجحًا في الاحتواء بدل المواجهة، وأثبت أن الاستقرار المحلي لا يتحقق عبر السيطرة العسكرية فقط، بل من خلال إشراك المكوّنات في القرار التنموي والإداري.
2. اللامركزية كإطارٍ مؤسسي لدمج “قسد”
من هذا المنظور، بات دمج قوات سوريا الديمقراطية ممكنًا سياسيًا وإداريًا بفضل تطوّر هذا المفهوم.
– فبدل أن يُطرح الدمج كاستيعابٍ أمني أو نزع سلاحٍ قسري، يمكن أن يتم في إطار لامركزي إداري يتيح لقسد التحوّل إلى قوات محلية منضبطة ضمن هيكلية الجيش السوري، على غرار الحرس الوطني أو قوات الشرطة الإقليمية في بعض الدول المتعددة المكوّنات.
– يضمن هذا الإطار للدولة سيطرة استراتيجية على القرار الأمني، ويمنح المناطق الكردية شعورًا بالشراكة الوطنية دون المساس بمفهوم السيادة.
– تتحول اللامركزية إلى أداة تكاملٍ لا انقسام، وإلى مساحةٍ لإعادة توزيع السلطة بما يحافظ على وحدة القرار السيادي. وهي لا تعني أيضا تفكيك الدولة، بل إعادة هندستها وفق منطقٍ إداري جديد، يقوم على التفويض لا الانفصال، والمساءلة المتبادلة لا السيطرة الأحادية.
وتبرز هنا ثلاثة مكاسب مباشرة:
خفض تكاليف الصراع الداخلي عبر إشراك المجتمعات في إدارة شؤونها. تحسين فعالية الحكم المحلي في إعادة الخدمات والإعمار. تحقيق توازنٍ سياسي جديد يخفّف العبء عن المركز ويمنح الأطراف شعورًا بالملكية الوطنية.
3. نحو عقد إداري – أمني جديد
إن التحول نحو اللامركزية الإدارية يشكّل الركيزة السياسية لنجاح أي عملية دمج أمني أو عسكري.
فاللامركزية تتيح للدولة الاحتفاظ بالقرار الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه تمنح “قسد” فضاءً مؤسسيًا للاندماج التدريجي دون الإحساس بالإقصاء أو التهديد.
بهذا، تُصبح اللامركزية الإدارية هي الحل المقيد الواقعي الذي يسمح ببناء تسويةٍ سورية متوازنة تجمع بين:
السيادة الوطنية، والتمثيل المحلي، والتعاون الدولي ضد الإرهاب.
الخلاصة:
** اللحظة السياسية الراهنة تتيح لسوريا فرصة نادرة لتجاوز عقدٍ من الجمود والانقسام.
**التقاطع بين إرادة دمشق في استعادة السيطرة، ورغبة واشنطن في ضبط الإرهاب، واستعداد “قسد” للاندماج، قد يشكّل نقطة ارتكازٍ لبناء الدولة السورية الجديدة.
** القناعة التي بدأت تترسخ في دمشق هي، إن دمج “قسد” ليس تنازلًا سياسيًا، بل إعادة إنتاجٍ للسيادة بأدواتٍ حديثة،
والتفاهم مع واشنطن ليس ارتهانًا، بل استثمار في الأمن والتنمية.
**في ذلك، تكمن البداية الواقعية لمرحلة إعادة الإعمار والاستقرار في سوريا.