ما بعد الضربات المتبادلة: حدود القوة الإسرائيلية وصعود إيران كلاعب تفاوضي

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:

تقديم: تكشف الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل عن دخول الصراع الإقليمي مرحلة مختلفة نوعياً عما سبقها. فالمواجهة لم تعد مجرد جولة عسكرية محدودة بين خصمين تقليديين، بل تحولت إلى اختبار شامل لموازين القوة والإرادة السياسية والتحالفات الدولية في الشرق الأوسط. وإذا كانت إسرائيل قد راهنت على أن يؤدي التصعيد العسكري إلى تغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية في المنطقة، فإن المؤشرات المتراكمة حتى الآن توحي بأن النتائج جاءت أكثر تعقيداً، بل وربما معاكسة لبعض الأهداف التي سعت إليها.

تبرز أهمية هذه المرحلة في أنها تكشف للمرة الأولى منذ سنوات طويلة حدود القوة العسكرية الإسرائيلية عندما تُستخدم منفصلة عن أفق سياسي واضح، كما تكشف في الوقت ذاته قدرة إيران على توظيف عناصر الصمود الجيوسياسي والاقتصادي والعسكري لتحويل الاستنزاف إلى أداة تفاوضية واستراتيجية.

أولاً: إيران من موقع الدفاع إلى موقع فرض الشروط:
تتفق غالبية القراءات الغربية الحديثة على أن إيران لا تتصرف بوصفها طرفاً مهزوماً أو مضطراً إلى تقديم تنازلات جوهرية. فعلى الرغم من العقوبات الممتدة والضغوط الاقتصادية الكبيرة، ما زالت القيادة الإيرانية تتعامل مع المفاوضات الجارية من منطلق أن الزمن يعمل لمصلحتها أكثر مما يعمل لمصلحة خصومها.

ويستند هذا التقدير إلى عدة عوامل. أولها أن طهران نجحت في الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة والنظام السياسي رغم الحرب والعقوبات. وثانيها أنها ما زالت تحتفظ بأدوات تأثير إقليمية متعددة تمتد من العراق ولبنان إلى اليمن والخليج العربي. أما العامل الثالث، والأكثر أهمية، فهو امتلاكها ورقة الطاقة والممرات البحرية، وتحديداً مضيق هرمز، الذي يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العالمي.

ومن منظور استراتيجي، تدرك طهران أن قدرة الاقتصادات الغربية على تحمل اضطرابات طويلة الأمد في أسواق الطاقة تبقى أقل من قدرة النظام الإيراني على تحمل المزيد من الضغوط الاقتصادية. ولذلك تبدو القيادة الإيرانية أكثر استعداداً للمراهنة على عامل الوقت والاستنزاف المتبادل، انطلاقاً من قناعة بأن خصومها يواجهون قيوداً سياسية واقتصادية وانتخابية أكبر من تلك التي تواجهها هي.

وبهذا المعنى، فإن إيران لا تفاوض من موقع الضعف، بل من موقع يسعى إلى تثبيت وقائع جديدة في الإقليم، وإجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على الاعتراف بها باعتبارها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

ثانياً: تصدّع متزايد في الرؤية الأمريكية – الإسرائيلية:
أحد أهم التحولات التي كشفتها الأزمة يتمثل في اتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الحرب وأهدافها النهائية.
ففي حين ما زالت حكومة بنيامين نتنياهو تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها الأداة الرئيسية لتحقيق الأمن الإسرائيلي، تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر اهتماماً بمنع توسع الحرب ومنع انعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

لا يعني ذلك وجود قطيعة بين الحليفين، فالتنسيق العسكري والأمني ما زال قائماً، لكن الخلاف بات يدور حول السؤال الجوهري: ماذا بعد الحرب؟
إسرائيل تسعى إلى استكمال سياسة الضغط العسكري أملاً في تحقيق تغيير جذري في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، بينما تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى تسوية توقف النزيف وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن السيطرة على نتائجها.
تدرك إيران هذا التباين جيداً، بل يبدو أنها تبني جزءاً من استراتيجيتها الحالية على استثماره وتعميقه. فكلما ازدادت الفجوة بين أولويات واشنطن وأولويات تل أبيب، ازدادت قدرة طهران على المناورة السياسية والتفاوضية.

ثالثاً: مأزق نتنياهو الاستراتيجي:
لعل أكثر ما يلفت انتباه المراقبين الغربيين هو التحول المتزايد في تقييم أداء بنيامين نتنياهو. فبعد سنوات طويلة نجح خلالها في تسويق نفسه باعتباره الضامن الأول للأمن الإسرائيلي، بات يواجه اتهامات متصاعدة بأنه قاد إسرائيل إلى سلسلة من الحروب التي لم تحقق أهدافها المعلنة.

ففي غزة لم تُنه الحرب وجود حركة حماس. وفي لبنان لم تؤد العمليات العسكرية إلى إنهاء نفوذ حزب الله. أما في إيران، فلم يتحقق الهدف الأكبر المتمثل في إضعاف النظام أو تقويض قدراته الاستراتيجية.

وبذلك يجد نتنياهو نفسه أمام معضلة مركبة: فهو لا يستطيع إعلان النصر بصورة مقنعة، كما لا يستطيع الاستمرار في الحرب إلى ما لا نهاية دون تكاليف متزايدة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية، حيث سيجد نفسه مضطراً للدفاع عن حصيلة استراتيجية يصعب تقديمها للرأي العام الإسرائيلي باعتبارها نجاحاً واضحاً.

رابعاً: تحولات في ميزان الردع الإقليمي:
ربما تكون النتيجة الأهم لهذه الجولة من الصراع هي التغير التدريجي في مفهوم الردع السائد في المنطقة.
فلسنوات طويلة استندت إسرائيل إلى فرضية التفوق العسكري المطلق وقدرتها على فرض قواعد الاشتباك من جانب واحد. غير أن المواجهة الحالية أظهرت أن خصومها باتوا أكثر قدرة على امتصاص الضربات والرد عليها، وأكثر استعداداً لتحمل تكاليف المواجهة طويلة الأمد.

ولا يعني ذلك أن إيران أو حلفاءها حققوا انتصاراً حاسماً، لكنه يعني أن قدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية واستراتيجية أصبحت موضع تساؤل متزايد، حتى داخل الأوساط الغربية والإسرائيلية نفسها.

الخلاصات:
– تشير مجمل التحليلات الغربية إلى أن المنطقة تدخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها فاعلية الحلول العسكرية الصرفة لصالح معادلات أكثر تعقيداً تقوم على الاستنزاف المتبادل وإدارة موازين القوة السياسية والاقتصادية.
– تبدو إيران اليوم أكثر ثقة بقدرتها على الصمود والتفاوض، فيما تواجه إسرائيل أزمة استراتيجية تتعلق بالفجوة بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية. أما الولايات المتحدة فتجد نفسها أمام معضلة متزايدة تتمثل في الحفاظ على تحالفها مع إسرائيل من جهة، ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة من جهة أخرى.
– بغض النظر عن المسار الذي ستتخذه المواجهة خلال الأسابيع المقبلة، فإن الدرس الأبرز الذي تكشفه هذه المرحلة هو أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط أو فرض ترتيبات أمنية مستقرة. فبعد سنوات من الحروب في غزة ولبنان وإيران، ما زالت القوى المستهدفة قائمة، وما زالت مصادر التهديد قائمة، بينما تتزايد كلفة الحرب على جميع الأطراف. و
– في هذا السياق، تبدو إسرائيل أبعد من أي وقت مضى عن تحقيق الوعد المركزي الذي رفعته حكوماتها المتعاقبة: أن الأمن يتحقق عبر التفوق العسكري وحده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.