مالي تسحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية”:

إعادة تموضع في غرب إفريقيا أم تكريس لتحول دولي أوسع؟

تقدير موقف، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات

تقديم: أعلنت جمهورية مالي سحب اعترافها بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، في خطوة لافتة ضمن مسار متدرّج تشهده قضية الصحراء المغربية على الصعيدين الإفريقي والدولي. جاء القرار عقب زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى باماكو، حيث أكدت مالي دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، واعتباره “الحل الأكثر واقعية وذي المصداقية”. لا تمثل هذه الخطوة براي مراقبين حدثاً معزولاً، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التحولات الجيوسياسية في غرب إفريقيا والساحل.

المعطيات والسياق:
أعلنت الحكومة المالية رسمياً سحب اعترافها بالكيان الصحراوي، بعد “تحليل عميق” لتداعيات الملف على الأمن الإقليمي، وأكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي كإطار وحيد وواقعي للتسوية، مشددة على دعمها لمسار الأمم المتحدة، بما في ذلك القرار 2797 (2025). جاء الإعلان عقب لقاء رسمي بين وزيري خارجية البلدين في باماكو، وتعهدت مالي بتعميم موقفها الجديد على المنظمات الإقليمية والدولية.

لم يأت القرار منقطعا عن سياق التحديات الأمنية الحادة التي تواجهها مالي مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتراجع الشراكات الغربية التقليدية. وقد شهدت منطقة الساحل انقلابات عسكرية (مالي 2020-2021، بوركينا فاسو 2022، النيجر 2023)، ما أدى إلى تشكيل تحالف دول الساحل الثلاث.

يندرج القرار المالي أيضا ضمن موجة أوسع، حيث سحبت أو جمدت أكثر من 20 دولة إفريقية اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” خلال العقد الأخير، بالتوازي مع افتتاح أكثر من 30 قنصلية في العيون والداخلة منذ 2019، ومواقف داعمة من قوى كبرى (الولايات المتحدة 2020، إسبانيا 2022، فرنسا 2024).

التحليل:
– إعادة تموضع مالي في سياق أمني مضطرب:
يعكس قرار مالي أولويات أمنية ملحة. فمع تراجع الوجود العسكري الغربي في الساحل، تبحث باماكو عن شركاء بديلين. يمثل التقارب مع المغرب خياراً براغماتياً، حيث يقدم الرباط نموذجاً “أمنياً–تنموياً” قائماً على الاستثمار المباشر، والتدريب الديني، والتعاون الاستخباري، والمشاريع الإقليمية (الطريق الأطلسي، خط أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب). هذه الأدوات باتت أكثر جاذبية من المقاربات العسكرية الغربية التي ارتبطت بنتائج محدودة.

– دينامية متصاعدة لصالح الطرح المغربي:
يأتي القرار ضمن موجة إفريقية متنامية. فخلال العقد الأخير، انخفض عدد الدول المعترفة بـ”الجمهورية الصحراوية” من أكثر من 80 دولة (في الثمانينيات) إلى أقل من 40 دولة حالياً، مع تجميد فعلي لدى عدد كبير منها. هذا التحول يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في إعادة تأطير النزاع من “تصفية استعمار” إلى “حكم ذاتي ضمن سيادة”، مدعوم بقرارات متتالية من مجلس الأمن تصف المقترح المغربي بأنه “جاد وذو مصداقية”.
كما يعكس تحولاً في الأولويات الإفريقية من قضايا “التحرر الوطني” (الستينيات والسبعينيات) إلى مكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي، وهي ملفات تجد في الشراكة مع المغرب قيمة مضافة أكبر.

– تآكل موقف البوليساريو والضغط على الجزائر:
يمثل القرار ضربة إضافية لجبهة البوليساريو التي تعاني من تآكل الدعم الدولي. فالجبهة لا تسيطر على الأقاليم المتنازع عليها (المغرب يسيطر على 80% منها منذ 1991)، وتواجه تقارير عن انتهاكات حقوقية في مخيمات تندوف، وانشقاقات داخلية متزايدة.
أما الجزائر، الداعم الرئيسي للبوليساريو، فتواجه ضغوطاً متصاعدة: تحديات اقتصادية داخلية، تراجع نفوذها الإفريقي، توتر العلاقات مع المغرب (قطع العلاقات 2021، إغلاق الحدود منذ 1994)، وتكاليف متصاعدة للدعم غير المشروط دون نتائج ملموسة. هذه الضغوط قد تدفعها مستقبلاً لإعادة تقييم استراتيجيتها أو التصعيد للحفاظ على نفوذها.

– تقاطع الأمن والتنمية كمدخل للحل:
ما يميز الموقف المالي ربطه الصريح بين قضية الصحراء والأمن الإقليمي. فبدلاً من النظر إليه كملف قانوني–سياسي منفصل، بات يُنظر إليه كعامل مؤثر في استقرار الساحل. إذ يقدم الطرح المغربي الحكم الذاتي كحل يحقق: الاستقرار السياسي (إنهاء نزاع مجمد)، والأمن الإقليمي (منع استغلال الفراغات الأمنية)، والتنمية الاقتصادية (فتح المجال للاستثمارات والمشاريع العابرة للحدود). هذا التقاطع يتوافق مع أولويات الدول الإفريقية الراهنة.

الخلاصات:
بناءً على ما تقدم، يخلص مركز تقدم للسياسات إلى:
أولاً: يمثل قرار مالي تحولاً نوعياً وليس حدثاً معزولاً، يعكس اتجاهاً متصاعداً داخل إفريقيا نحو دعم الطرح المغربي، مدفوعاً بتغير الأولويات من الاصطفافات الأيديولوجية إلى الاعتبارات الأمنية والتنموية.

ثانياً: ظهور براغماتية أمنية جديدة في الساحل. فالدول الإفريقية، خاصة تلك التي تواجه تهديدات أمنية مباشرة، باتت تعيد تقييم مواقفها بناءً على المصلحة الوطنية المباشرة، لا على الإرث التاريخي.

ثالثاً: تعزيز موقع المغرب دولياً وإفريقياً. القرار يكرّس نجاح الدبلوماسية المغربية في تحويل ميزان الاعترافات لصالحها، وفي إعادة تأطير النزاع ضمن سياق إقليمي أوسع.

رابعاً: تآكل تدريجي لمكانة البوليساريو. استمرار سحب الاعترافات يضعف الشرعية الدولية للجبهة ويقلص هامش تحركها الدبلوماسي.

خامساً: ضغط متزايد على الجزائر لإعادة تقييم استراتيجيتها. التحولات الجارية، إلى جانب التكاليف المتصاعدة، قد تدفعها لمراجعة موقفها أو التصعيد، مع ما يحمله ذلك من مخاطر.

التقدير المرجّح:
يتجه مسار قضية الصحراء المغربية نحو ترسيخ مقاربة “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية” كحل دولي شبه توافقي، مدفوعاً بتحولات إقليمية عميقة حيث تتقدم اعتبارات الاستقرار والأمن على السرديات التاريخية.

المؤشرات المحتملة:
• استمرار موجة سحب أو تجميد الاعترافات، خاصة من دول الساحل
• توسع شبكة القنصليات في العيون والداخلة
• تصاعد الضغوط على الجزائر للانخراط في حل تفاوضي
• تراجع الدعم للبوليساريو في المحافل الدولية
• فرض تسوية تدريجية ضمن الإطار الأممي، بشروط أقرب للرؤية المغربية

العوامل الحاسمة: موقف القوى الكبرى، وقدرة الجزائر على استيعاب الضغوط أو التصعيد، وتطورات الوضع الأمني في الساحل، ونجاح المغرب في ترجمة الزخم الدبلوماسي إلى خطوات عملية.
فالنزاع حول الصحراء المغربية يدخل مرحلة جديدة قد تكون الأقرب إلى الحسم منذ عقود، لكن الانتقال من الاعتراف الدبلوماسي إلى التسوية النهائية سيتطلب مساراً تدريجياً وجهداً دبلوماسياً مستمراً، وربما تسويات إقليمية أوسع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.