ماكرون في سوريا: رسائل انفجارات دمشق
وحدة الشؤون الإقليمية، مركز تقدم للسياسات – دمشق
تقدير موقف:
تمهيد:
في 7 يوليو 2026، هز انفجاران متتاليان العاصمة السورية دمشق، ليس بعيداً عن فندق “فورسيزونز” الذي يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وذلك بعد خمسة أيام فقط من انفجار آخر استهدف مقهى في منطقة الحجاز قرب القصر العدلي. ورغم عدم إعاقة هذه الأحداث لجدول أعمال الزيارة، فإن توقيتها ودقتها المكانية يطرحان تساؤلات جوهرية حول مصادرها وأهدافها، خاصة أنها تتزامن مع زيارة أول زعيم غربي لسوريا منذ سنوات، ومع تحولات كبرى تشهدها سوريا الجديدة ومشاركتها المرتقبة في قمة الناتو بأنقرة. في هذا السياق، تسعى هذه الورقة إلى قراءة الأبعاد المحتملة للانفجارات، وتفكيك رسائلها المحلية والإقليمية والدولية.
المعطيات:
– الحدث الأول (2 يوليو 2026): انفجار عبوة ناسفة بدائية الصنع داخل مقهى في شارع النصر بمنطقة الحجاز قرب القصر العدلي بوسط دمشق، أسفر عن 10 قتلى و21 مصاباً. أعلنت وزارة الداخلية السورية أنه عمل إرهابي، وتعهدت بكشف الجناة، ولم تتبنَّ أي جهة المسؤولية.
– الحدث الثاني (7 يوليو 2026): انفجاران متتاليان وسط دمشق، تزامناً مع زيارة ماكرون. أوقعا 18 إصابة على الأقل بينهم 4 عناصر أمنية، ووقعا خارج المنطقة الأمنية المخصصة لإقامة الرئيس الفرنسي. أكد مصدر أمني سوري أن العبوات بدائية الصنع، إحداها داخل مركبة والأخرى في حاوية قمامة قرب فندق فورسيزونز (مقر إقامة ماكرون) وبالقرب من وزارة السياحة. لم تتبنَّ أي جهة المسؤولية.
– الموقف الفرنسي: أعلن الإليزيه أن ماكرون لم يسمع الانفجارات وأنه آمن، واستمرت الزيارة كما هو مخطط. وصف الجانب الفرنسي الزيارة بأنها “تاريخية” تهدف لتعزيز الشراكة، وبناء سوريا حرة وتعددية، والتركيز على إعادة الإعمار والاستثمارات، مع التأكيد على الالتزام باستقرار سوريا ومكافحة الإرهاب.
– الموقف السوري: أدانت الحكومة السورية الانفجارين ووصفتهما بعملين إرهابيين يستهدفان استقرار سوريا الجديدة، وتعهدت الداخلية بمحاسبة المتورطين.
– سياق إضافي: تزامنت الانفجارات مع تشكيل البرلمان الجديد ومسارات العدالة الانتقالية، واستعداد سوريا للمشاركة في قمة الناتو بأنقرة (7-8 يوليو). حيث تشهد سوريا تحولات كبرى تشمل مشاريع ربط اقتصادي مع العراق وخرائط جديدة للتجارة والطاقة.
التحليل:
أولاً: السياق العام – سوريا ساحة تنافس دولي:
بعد سقوط نظام الأسد، تحولت سوريا إلى ساحة تقاطع مصالح دولية وإقليمية معقدة، مع وجود رعاة متعددين (واشنطن، أنقرة، موسكو، تل أبيب، وعواصم عربية) يتنافسون على النفوذ. في هذا السياق، تأتي زيارة ماكرون كأول زيارة لزعيم غربي، حاملة رسائل سياسية واقتصادية قد تكون أزعجت أطرافاً ترى في النفوذ الفرنسي تهديداً لمصالحها، خاصة أن باريس تحاول تعويض غيابها عن الملف اللبناني (بعد تعليق عملها في “الخماسية” وخروج مبادرة عون-إسرائيل بدعم أميركي) عبر سوريا كمنفذ بديل.
ثانياً: دوافع الانفجارات وقراءة توقيتها:
لم يكن توقيت الانفجارين صدفة. فانفجار 2 يوليو قرب القصر العدلي (رمز العدالة الانتقالية) جاء متزامناً مع تشكيل البرلمان وبدء مسارات المحاكمات، مما يوحي برغبة في تعطيل مسار المصالحة والمحاكمات، وإظهار فشل الدولة الجديدة في تأمين العاصمة.
أما انفجار 7 يوليو، فتوقيته بالتزامن مع وجود ماكرون في دمشق وقربه من فندق إقامته، وقبل ساعات من قمة الناتو، يمنحه أبعاداً تتجاوز السياق المحلي، ويجعله أداة رسائلية بامتياز.
ثالثاً: مصادر الانفجارات المحتملة:
الفرضية الأولى (جماعات إرهابية محلية – داعش/فلول الأسد): استهداف أماكن مدنية بعبوات بدائية يتناسب مع نمط داعش، وقد تستفيد فلول الأسد من زعزعة الاستقرار لإفشال المصالحة. غير أن توقيت الانفجار الثاني ودقته (قرب فندق ماكرون) يتطلب معلومات استخباراتية وتنسيقاً يتجاوز قدرات الجماعات المحلية، كما أن غياب التبني يجعل الفرضية غير حاسمة.
الفرضية الثانية (رسالة إسرائيلية ضد ماكرون وفرنسا): تعد إسرائيل المرشح الأبرز، وذلك لعدة اعتبارات: العداء الشخصي بين نتنياهو وماكرون بسبب مواقف الأخير الداعمة لحل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ حرص إسرائيل على إبقاء فرنسا خارج ملفي سوريا ولبنان اللذين تعتبرهما مجالاً حيوياً لها؛ ورغبتها في إرسال رسالة لماكرون مفادها أن النفوذ الفرنسي غير مرحب به في هذه المنطقة. غير أن استهداف مدنيين ليس نمطاً إسرائيلياً معتاداً، وإسرائيل عادة ما تترك بصمات واضحة (ضربات جوية) بدلاً من العمليات الغامضة.
الفرضية الثالثة (جهات داخلية/فصائل معارضة): قد تكون الانفجارات نابعة من فصائل غير راضية عن مسار التحولات أو توزيع السلطة، لكن استهداف مناطق تابعة للدولة الجديدة يضر بمصلحة هذه الفصائل نفسها، وغياب التبني يجعل الفرضية ضعيفة.
الفرضية الرابعة (رسالة متعددة الأهداف): قد تكون الانفجارات رسالة موجهة إلى كافة الفاعلين عشية قمة الناتو، لإظهار أن استقرار سوريا هش، وأن أي ترتيبات إقليمية جديدة قد تواجه بعراقيل أمنية، وأن هناك جهات قادرة على ضرب أمن دمشق متى شاءت. في هذا السيناريو، قد تكون الجماعات المحلية مجرد غطاء لأجندات خارجية لا تريد الجهات الراعية لها كشف هويتها.
رابعاً: قراءة في التعامل الفرنسي:
تعاملت باريس مع الحدث باستمرار الزيارة دون تغيير، مما يشير إلى إدراكها لطبيعة وربما مصدر الرسالة، وحرصها على عدم منح الحدث أبعاداً أكبر مما يستحق، وإظهار القوة وعدم الخضوع للترهيب.
الخلاصات:
1. الانفجارات ليست حوادث معزولة، بل أدوات في صراع أوسع بسبب تضخم أهمية سوريا وتضارب مصالح خارجية وداخلية مع أدوار سورية جديدة.
2. الانفجار الثاني يحمل رسالة لماكرون قبل أن تكون للشرع، بشأن محاولة باريس منافسة عواصم أخرى على النفوذ في سوريا، خاصة في سياق إبعاد فرنسا عن الملف اللبناني.
3. إسرائيل تبرز كمرشح رئيسي للوقوف وراء الانفجار الثاني، بالنظر إلى عدائها لماكرون، ورفضها تدخل فرنسا في ملف تعتبره مجالاً حيوياً لها، وخلافها العميق مع باريس بسبب مواقفها الداعمة لحل الدولتين.
4. استخدام أدوات محلية (كفلول الأسد وداعش) لا ينفي الصفة الدولية للرسائل، إذ قد تكون تلك الجماعات مجرد غطاء لأجندات خارجية لا تريد الجهات الراعية لها كشف هويتها.
5. قابلية دمشق لمزيد من الانفجارات واردة، بسبب كثرة أعداء التحولات السورية في الداخل والخارج، ومحاولة ضبط الأدوار السورية في العلاقة مع العراق ولبنان ومستقبل خرائط التجارة والطاقة.
6. التعامل الفرنسي باستمرار الزيارة دون تغيير يشير إلى إدراك باريس لطبيعة الرسالة وربما لمصدرها، ورغبة في عدم منح الحدث أبعاداً تخدم مرسليه.
7. لا يُستبعد وجود حيثيات محلية أيضاً (فلول الأسد، داعش، فصائل متضررة)، مما يجعل المشهد معقداً بتداخل الأدوات المحلية مع الرسائل الدولية، ويصعّب الفصل بين الأبعاد الداخلية والخارجية للحدث.
8. قد تكون الانفجارات موجهة إلى كافة الفاعلين في داخل سوريا وخارجها عشية قمة الناتو، كرسالة تحذيرية مفادها أن استقرار سوريا لا يزال هشاً، وأن أي ترتيبات إقليمية جديدة قد تواجه بعراقيل أمنية.
في الختام، تبقى انفجارات دمشق مؤشراً على أن الطريق إلى الاستقرار في سوريا الجديدة لن يكون سهلاً، وأنها ستواجه تحديات أمنية معقدة في ظل تنافس إقليمي ودولي متصاعد على النفوذ، حيث تتداخل الأدوات المحلية مع الرسائل الدولية في مشهد يصعب فك خيوطه بسهولة.