ماذا يعني سقوط العاصمة المالية باماكو المحتمل بالنسبة للجوار والعالم؟
ورقة سياسات
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
-تحرّك تنظيم القاعدة صوب باماكو، يؤسّس لسقوط أول دولة في يد التنظيم، وانتشار فوضى الإرهاب والانقسام الفصائلي.
-التطوّر ينذر منطقة الساحل وأفريقيا بحملة دولية ضد الأرهاب تنقل الصراع ضد القاعدة وداعش من الشرق الأوسط إل أفريقيا.
-التطوّر يعد نكسة لروسيا وحلفائها في المنطقة، ويرفع من مستوى المنافسة بين الغرب ونفوذ موسكو وبكين في أفريقيا.
-التطوّر يرفع من مستوى القلق لدى دول المنطقة ويُبرز موقع الجزائر في العودة للعب دور، من ضمنه عودة شخصية مالية معارضة تستضيفها كمدخل لحلّ أزمة مالي.
تقديم: تراقب العواصم القريبة والبعيدة المعنية بشؤون أفريقيا ومنطقة الساحل التطورات الأمنية الخطيرة في مالي، بما في ذلك أمن العاصمة باماكو، واحتمالات تهديد ذلك للاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.
وفيما تُبرز المعلومات تحركات مقلقة لتنظيم القاعدة مع ما يعنيه ذلك من توسّع لنفوذ التنظيم في أفريقيا، إلا أن التطورات تشمل فصائل اخرى معادية لنظام الحكم، ما يهدد بسقوط النظام، ويعيد رسم خرائط التوازنات داخل مالي كما خرائط نفوذ الدول المجاورة عامة، ويعيد تعويم دور الجزائر خاصة.
مشهد التدهور:
أمكن للباحثين في شؤون المنطقة رصد تدهوّر أمني خطير في الصراع في مالي منذ سبتمبر 2025. فقد فرضت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، التابعة لتنظيم القاعدة في الساحل، حصاراً اقتصادياً على العاصمة باماكو، ما أدى إلى نقص حاد في الوقود والطاقة، وشل حركة الاقتصاد. ولاحظ الباحثون أن هذا الحصار ليس مجرد عمل عسكري، بل استراتيجية مدروسة تهدف إلى إضعاف النظام العسكري الحاكم بقيادة العقيد عاصمي غويتا، الذي تولى السلطة بعد انقلاب 2020.
وتعكس العمليات العسكرية للجماعة استراتيجية توسّع أدت إلى السيطرة على مناطق واسعة في الشمال والوسط. كما هاجمت الجماعة قوافل الإمدادات القادمة من دول مجاورة مثل ساحل العاج. وأثار هذا التطوّر مخاوف من سقوط العاصمة، باماكو، أو تحول مالي إلى دولة إسلامية متطرفة، لا بل كأول دولة يمكن أن يسيطر عليها تنظيم القاعدة.
ويندرج التدهور العسكري داخل سياق أزمة متعددة الأبعاد تتعلق بالأزمة السياسية لنظام الحكم العسكري الذي يتعرض لمعارضة عسكرية متعددة الأطراف، كما يتعرض لعداء خارجي على علاقة بنفوذ دول الإقليم، كما تنافس الدول الكبرى، لا سيما منذ انسحاب القوات الفرنسية من الصراع وبروز لاعبين مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين. كما يجري التطوّر العسكري على خلفية أزمة اقتصادية كان من أهم مؤشراتها تراجع انتاج الذهب بنسبة 32 بالمئة في عام 2025.
الفصائل والجماعات:
تشكلت جماعة JNIM عام 2017 كتحالف لفصائل جهادية في الساحل، وأصبحت الآن تشكّل أكبر تهديد أمني في مالي. وقد بدأ تقدمها الفعلي نحو الجنوب في أواخر 2024، فيما يركّز التصعيد الحالي على غرب مالي، من خلال شنّ هجمات على الطرق الرئيسية أدت إلى تدمير عشرات الشاحنات المحملة بالوقود. وقد أدى هذا الحصار إلى شلل في العاصمة، مع انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، مما فاقم من الاستياء الشعبي ضد المجلس العسكري الحاكم.
ووفق مراقبين فإن تنظيم JNIM يهدف إلى استغلال الفراغ الأمني الناتج عن انسحاب القوات الفرنسية عام 2022، وسط فشل الدعم الروسي عبر مجموعة فاغنر (التي ورث مهامها “الفيلق الإفريقي”) في وقف هذا التقدم. وتسيطر الجماعة حاليا على أجزاء كبيرة من الشمال والوسط، وتهاجم مناجم الذهب، مصدر الدخل الرئيسي لمالي. ويشمل التقدم العسكري للجماعة فرض قوانين الشريعة الإسلامية على المناطق التي تخضع لسيطرتها، ما يشي بخطط التنظيم لحكم سياسي ومدني وديني. كما يقدم التنظيم لتلك المناطق الخدمات الأساسية التي باتت حكومة باماكو عاجزة عن تقديمها.
ويعتبر هذا التطوّر مؤشرا إلى احتمال تحوّل مالي إلى مركز للإرهاب القابل للانتشار داخل الدول المجاورة والتوسّع ليشمل فضاءات جيوسياسية أوسع في إفريقيا، وفق تقديرات لمؤسسات أممية.
ولا يقتصر التطوّر العسكري على تنظيم القاعدة، بل أن فصائل أخرى ذات طبيعة ودوافع مختلفة تنشط بحيوية ضد النظام العسكري في باماكو، بحيث تتنوع الفصائل المسلحة بين جهادية وإثنية، ومواقفها تجاه تقدم JNIM معقدة.
ويعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” (ISGS)، المنافس الرئيسي لـ JNIM، ويخوض اشتباكات معها في الوسط، لكنه يستفيد من الضعف الحكومي لتوسيع نفوذه. ففي 2025، حقق ISGS تقدماً في مناطق مثل ميناكا، مما يعيق تقدم JNIM جزئياً.
ومن بين الفصائل وأهمها وأكثرها قدما “تنسيقية حركات أزواد” (CMA)، التي تضم مجموعات من الطوارق. ورغم صراع الحركة مع باماكو، إلا أنها ترفض سيطرة JNIM على الشمال، مفضلة فتح الحوار مع الحكومة. ومع ذلك، فإن الأمور متحركة بحيث لا يستبعد خبراء تحالف بعض فصائل التنسيقية مع JNIM ضد الجيش المالي إذا استمر التصعيد.
بالمقابل فإن الفصائل الموالية للحكومة، مثل مليشيات الدفاع الذاتي، تواجه صعوبات في التصدي، مما يجعل JNIM أكثر قوة وفتكا. ويعتبر الخبراء أن التنافس بين الفصائل قد يعيق تقدم JNIM، بينما قد يؤدي انضمام بعض فصائل التنسيقية إلى إضعاف المعارضة غير الجهادية، ويشوه أهدافها ويفاقم من تفتت الوحدة الوطنية في البلاد.
مواقف العواصم:
يتخوّف المراقبون من الطابع الشمولي لهجمات تنظيم القاعدة، بحيث تواجه الدول المجاورة لمالي تهديداً مباشراً من تقدم JNIM. في هذا السياق تشهد بوركينا فاسو والنيجر، شريكتا مالي في “تحالف دول الساحل” (AES)، زيادة في الهجمات الإرهابية، مع تقدم جماعة JNIMنحو حدودهما.
وقد اقترحت موريتانيا نفسها أن تكون وسيطا لتهدئة النزاع وإقامة بنى تحتية لمفاوضات، مستفيدة من علاقاتها مع جميع الأطراف، لا سيما الفصائل غير الجهادية. من جهتها تشعر كل من ساحل العاج وبنين وتوغو، بالقلق من امتداد الحصار، لاسيما بعد تمكن JNIM من تدمير قوافل الوقود القادمة من موانئها. أما الجزائر، بصفتها دولة حدود رئيسية لمالي، فلها موقف معقّد بدأ يأخذ أبعادا قد تتداعى على مستقبل الحكم في البلاد، غير أن جهات البحث ترى أنه لا مفر من تعزيز التعاون الإقليمي تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.
وتراقب العواصم الدولية الأزمة بحذر، مع مخاوف من تحول الساحل إلى مركز إرهاب عالمي. ففرنسا، التي تدخلت سابقاً عبر عملية “برخان”، طالبت مواطنيها بمغادرة مالي فوراً، معتبرة أن جماعة JNIM تهديد مباشر لها ولمواطنيها. وترى واشنطن في التقدم خطراً على غرب أفريقيا، وتدعم جهود مكافحة الإرهاب عبر برامج تدريبية، لكنها تتجنب التدخل المباشر. تواجه موسكو، شريكة المجلس العسكري في مالي والجوار، انتقادات لفشلها في وقف التقدم، ووقع خسائر في صفوف قواتها (الفيلق الإفريقي/فاغنر).
وتحذر الأمم المتحدة، عبر تقاريرها الشهرية، من زيادة التهديد في الساحل، مطالبة بتعزيز الدعم الإنساني. ويركز الاتحاد الأوروبي على المساعدات الإنسانية متخوفا من انتقال الإرهاب في جنوب القارة إلى بلدانها لا سيما الجنوبية منها. بالمقابل تعزز بكين استثماراتها الاقتصادية دون تدخل عسكري.
وكان لافتا إجراء نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو، اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية مالي عبودلاي ديوب في 6 نوفمبر 2025 ليناقشا إمكانية “تعاون أمني” بين البلدين خلال الفترة المقبلة، ما اعتبر إشارة دعم لباماكو.
الجزائر: الدور المحتمل
تلعب الجزائر دوراً محورياً في أزمة مالي، كوسيط تاريخي ودولة مجاورة لها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية وجيوسياسية مع مالي. فمنذ عام 2015، رعت الجزائر “اتفاق الجزائر” للسلام بين باماكو والطوارق، لكن إلغاءه من قبل المجلس العسكري في مالي أدى إلى توترات بلغت ذروتها عام 2025 إثر إسقاط الدفاعات الجزائرية طائرة مسيّرة مالية. ويركّز الخطاب الرسمي الجزائري على دعم وحدة واستقرار مالي، فيما تتهم باماكو النظام الجزائري بالتدخل في شؤونها عبر استضافة شخصيات معارضة مثل الإمام محمود ديكو.
وقد أطلق معارضون لنظام غويتا في نوفمبر 2025 نداءات جديدة تدعو الإمام محمود ديكو، المقيم في الجزائر منذ أواخر 2023، إلى العودة إلى مالي لتولي زمام المبادرة في حل الأزمة السياسية والأمنية المتفاقمة في البلاد بعد وصول الجماعات المسلحة إلى أبواب باماكو. ويُعتبر ديكو الشخصية القادرة على إخراج البلاد من حالة الانسداد التي تعيشها منذ 5 سنوات من الحكم العسكري.
جاءت هذه الدعوات في وثيقة تداولها ناشطون عبر الإنترنت، بعنوان “الإمام محمود ديكو، الرجل القادر على إنقاذ مالي من المأزق”، دعت فيها الحكومة الانتقالية إلى إلقاء السلاح وفسح المجال أمام ديكو لقيادة مرحلة جديدة قائمة على الشرعية الأخلاقية والمصالحة الوطنية.
وتدعو الوثيقة إلى انتقال جديد يعتمد على القيادة الأخلاقية، معتبرة أن ديكو، المعروف بدعوته للحوار والمصالحة، يمتلك شرعية شعبية تؤهله لتوحيد الماليين بكل أطيافهم الدينية والسياسية والعرقية، كونه رجل إيمان وشجاعة وحكمة قادر على مخاطبة العسكريين والمدنيين والمنظمات الشبابية والنسوية وزعماء المجتمعات، وحتى ممثلي الجماعات المسلحة.
اقترحت الوثيقة خمس ركائز أساسية:
1-دور القيادات الروحية في استعادة الثقة.
2-إشراك القوى السياسية المعتدلة المؤمنة بالدولة المدنية.
3-الاعتماد على كفاءات تكنوقراطية وشبابية من المجتمع المدني والقطاع الخاص.
4-تمكين الوسطاء المحليين من المكونات العرقية للتفاوض مع الجماعات.
5-تعبئة القوى الاجتماعية والاقتصادية من نقابات ونساء وشباب لإعادة بناء الدولة.
وتؤكد الوثيقة أن مالي بحاجة إلى صدمة أخلاقية وسياسية تعيد الثقة، وأن ديكو يتحمل مسؤولية تاريخية في توحيد القوى الوطنية وإلهام عملية إنقاذ.
كان ديكو، أحد أبرز وجوه الحراك الشعبي الذي أطاح بإبراهيم بوبكر كيتا في 2020، قد دخل في خلاف مع المجلس العسكري بعد رفضه انحرافاً عن المسار الديمقراطي واحتكار السلطة. وبعد تضييق عليه في باماكو، غادر إلى الجزائر في نهاية 2023، حيث أثار استقباله من الرئيس عبد المجيد تبون في خريف 2023 غضباً من المجلس العسكري، الذي اتهم الجزائر بالتدخل في الشؤون الداخلية واستدعى سفيرها احتجاجاً على اجتماعات مع شخصيات معادية وجماعات مسلحة موقعة على اتفاق 2015. ردت الجزائر باستدعاء سفير مالي، مؤكدة موقفها الداعم لوحدة مالي والسيادة، وتمسكها باتفاق الجزائر كإطار للحل.
خلاصة واستنتاجات:
**يعتبر تقدم تنظيم القاعدة باتجاه العاصمة المالية، باماكو، أعراض تدهور أمني قد يؤدي إلى سقوط نظام المجلس العسكري في مالي وتهديد وحدة وأمن واستقرار البلاد.
**احتمال سقوط مالي بيد تنظيم القاعدة، يعني سقوط أول دولة بيد التنظيم، ما يثير القلق بشأن توسّع الإرهاب في أفريقيا وانتقال تنظيمي القاعدة وداعش من الشرق الأوسط باتجاه القارة السمراء.
**الاحتمال الإرهابي في مالي سيعيد تموضع التحالف الدولي ضد “داعش” من ميادين سوريا والعراق إلى أفريقيا، ما سيعني تظهيرا أكثر بروزا للصراع الغربي مع نفوذ روسيا والصين في المنطقة.
**بحكم الجغرافيا، تخشى أوروبا، لا سيما الدول الجنوبية للاتحاد الأوروبي من انتقال موجات الإرهاب الجهادي من الجنوب الأفريقي بعد مرحلة عانت بها من انتقاله من الشرق الأوسط عبر موجات الهجرة.
**سقوط مالي يعيد رسم خريطة توازنات القوى السياسية في مالي، مع إمكانية تحوّل الصراع ضد نظام باماكو إلى صراع بين الفصائل المتعددة، ما قد يحوّل مالي إلى حالة متشظية متعددة النفوذ على نحو ما عرفته سوريا وليبيا واليمن ودول أخرى.
**يؤدي سقوط نظام مالي المحتمل إلى ضعف أنظمة عسكرية أفريقية مجاورة شريكة مع مالي في “تحالف دول الساحل” والتي تحظى بدعم عسكري روسي.
**قد يؤدي التطوّر في مالي إلى دفع الولايات المتحدة وحلفائها بقوات عسكرية وجهود سياسية إلى المنطقة تحت عنوان مكافحة الإرهاب، ما يعزز المنافسة الغربية الميدانية مع دول نفوذ كبرى مثل روسيا والصين.
**رغم أن ضعف نظام المجلس العسكري في مالي يعتبر مكسبا للجزائر بسبب خلافات الطرفين، غير أن ليس للجزائر مصلحة في غياب الدولة وانتشار الفوضى الجهادية والانقسام الفصائلي على حدودها.
**تعد الوثيقة التي أطلقها معارضون ماليون والتي تنادي بعودة الإمام محمود ديكو المتواجد في الجزائر لإنقاذ مالي، تعويما لدور جزائري أجهضه قيام نظام باماكو بإلغاء “اتفاق الجزائر” المبرم بين الحكومة والطوارق.
*كان لافتا إجراء نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو، اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية مالي عبودلاي ديوب ليناقشا إمكانية “تعاون أمني” بين البلدين خلال الفترة المقبلة، ما اعتبر إشارة دعم لباماكو