ماذا يخفي مطلب ترامب بتطبيع دول المنطقة مع إسرائيل؟
أمير مخّول – مركز تقدم للسياسات، لندن
تقديم:
طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الرابع والعشرين من مايو 2026 قادةَ عدد من دول المنطقة بتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل بعد إبرام الاتفاق مع إيران. ووفقاً لموقع “أكسيوس”، فقد أبلغ ترامب في مكالمة جماعية مع قادة كلٍّ من المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين أنه يتوقع منهم، عند انتهاء الحرب، الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية.
فيما أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية، وحصراً القناة الثانية، إلى أن ما يسمى “درّة التاج” في هذا المسعى هي المملكة العربية السعودية، وأن الضغط ينصبّ على دفعها للقبول بمعادلة تقوم على إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وتوابعها الإقليمية، مقابل الانضواء في الاتفاقات الإبراهيمية.
قراءة:
يشكّل هذا المسعى الأمريكي لتطويع السعودية وحملها على قبول استحقاقات الاتفاقات الإبراهيمية موضعَ إجماع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إذ سعى إليه الرئيس بايدن أيضاً ولم يتحقق له ما أراد. كما يشكّل هذا المسعى أحد أهم طموحات نتنياهو في سياسته الخارجية ونظرته الإقليمية.
وحتى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير، كان اهتمام نتنياهو بهذه العلاقة قد تراجع نتيجة إدراكه أنها لن تتحقق، إذ إنه شخصياً وإسرائيل بمجملها غير معنيَّين بدفع استحقاقات التطبيع مع المملكة العربية السعودية. فالمملكة هي المؤتمَنة على مبادرة السلام العربية الصادرة عام 2002، التي تقوم على التطبيع مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق المحتلة عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.
وتفيد التقديرات السعودية بأن أثر إسرائيل في المنطقة، لا سيما في ظل الحكومة الحالية، أثرٌ تدميري يقوم على الحروب المستدامة، ويعبث بإرادة دول المنطقة في الاستقرار، ويسعى إلى تفكيك القضية الفلسطينية وشطبها. وبموازاة ذلك، ترى المملكة أن نفوذ إسرائيل يتراجع في المنطقة نتيجة سياساتها، وأن وضعية الولايات المتحدة تتراجع هي الأخرى بعد أن أعلنت الحرب مع إسرائيل على إيران ضاربةً عرض الحائط بمصالح دول الخليج، ومتسببةً في توريطها في تبعات هذه الحرب. كما أن القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج لم تشكّل منظومة حماية، بل تحوّلت إلى مدعاة استهداف من إيران. وفي لبنان، ترى المملكة أن جهودها وجهود مصر تنصبّ على التهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار وإسناد الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها تجاه الخارج والداخل، على النقيض من دور إسرائيل واحتلالها.
ويبدو الطلب الأمريكي من الدول المذكورة قابلاً للتطبيق في حال اقتصر على اعتبارها ضامنةً للاتفاق، وقد ينطوي على استحقاقات مالية يطالب بها ترامب ليتجاوز عبرها مطلب إيران من الولايات المتحدة بالتعويض. إذ ستكون هناك، كما هو متوقع، معارضة حادة داخل الحزب الجمهوري، وحصراً من تيار “أمريكا أولاً” الذي يرى في الحرب على إيران تورطاً أمريكياً في حروب الآخرين، وقد امتدت تداعياتها لتؤدي إلى تراجع كبير في شعبية ترامب يؤثر على مصير الحزب الجمهوري.
غير أن الغاية الأمريكية، كما يبدو، لا تتوقف عند الجانب المالي وضمانات الاتفاق، بل تتجاوز ذلك إلى مسعى لترميم دور الولايات المتحدة ووضعيتها إقليمياً ودولياً بعد أن اهتزت نتيجة الحرب على إيران والإخفاق في تحقيق أهدافها وتحولها إلى حرب استنزاف بنطاق أمريكي وعالمي. كما تسعى واشنطن من خلال ذلك إلى احتواء المبادرات الخليجية والمصرية والإقليمية الرامية إلى إعادة الاعتبار للأمن الإقليمي، بما في ذلك إعادة النظر في وضعية القواعد العسكرية الأمريكية في الدول المذكورة، فضلاً عن التوجه المتنامي نحو تعددية التحالفات في نظام عالمي متعدد الأقطاب يتعارض مع ما تريده واشنطن.
ويكمن الاختلاف الجوهري بين التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية في أن الأخيرة تقوم على تحالف إقليمي تتموضع إسرائيل في مركزه، مسنودةً بالولايات المتحدة والقيادة الوسطى للقوات الأمريكية، فيما للتطبيع استحقاقات لا تريد إسرائيل الالتزام بها كالانسحاب من جنوب لبنان أو من سوريا أو من غزة. كما تخشى إسرائيل المطالبة السعودية بإنهاء احتلال 1967 وإقامة دولة فلسطينية. بينما تأتي مطالبة ترامب بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية مقابل توصّل بلاده لاتفاق مع إيران، وفي المقابل التنكر للقضية الفلسطينية.
وتدرك الإدارة الأمريكية أن المملكة العربية السعودية كانت قد بادرت عام 2025 بالشراكة مع فرنسا إلى إطلاق مسعى دبلوماسي وأممي لدفع دول العالم نحو تبني قرار بإقامة دولة فلسطين في إطار جدول زمني محدد وإجراءات واضحة. وقد لاقى هذا المسعى اعتراضاً حازماً من الولايات المتحدة، وبطبيعة الحال من إسرائيل كما كان متوقعاً، فيما سعت إدارة ترامب إلى إحباط المشروع السعودي الفرنسي.
في الخلاصة
** يدرك ترامب من خلال مستشاريه أن التطبيع بين المملكة السعودية وإسرائيل غير وارد، وأن انضمام المملكة إلى الاتفاقات الإبراهيمية أمر مستبعد أكثر. غير أن مطالبته دولَ المنطقة بإطاعة رغبته تبدو هي الأخرى للاستهلاك السياسي، وفي جزء منها موجَّهة للضغط على نتنياهو كي لا يُقدم على أي فعل من شأنه عرقلة إنهاء الحرب مع إيران وتشعباتها الإقليمية، وقد تكون ضغطاً لإحراج نتنياهو ودفعه إلى الكفّ عن التمترس وراء الترتيبات الأمنية بديلاً عن الأفق السياسي.
** مطلب ترامب من الدول الإقليمية موجَّه أيضاً إلى الرأي العام في الولايات المتحدة، ومفاده أن الحرب ليست عبثية ولا هي حرب الآخرين، بل جاءت لفتح أفق سياسي يُحسّن من وضعية الولايات المتحدة إقليمياً ودولياً وفي مجال الطاقة، وأنها حرب من أجل السلام وفقاً لمفاهيمه.
** من أبرز المؤشرات على عدم جدية مطلب ترامب من الدول التي تحدث إلى قادتها، أن الرئيس الأمريكي لم ينسّق مسبقاً مع أيٍّ منهم. بينما تتساوق هذه المطالب مع مواقف نتنياهو الذي يسعى إلى تطبيع وضمّ دول إلى الاتفاقات الإبراهيمية دون أي استحقاقات إسرائيلية.
** تُشير مطالب ترامب من الدول الإقليمية إلى إخفاق الحرب على إيران في تحقيق أهدافها، التي تغيّرت واستُبدلت مع إطالة أمدها دون الحسم في أيٍّ من الملفات الجوهرية: إسقاط النظام، والملف النووي والصاروخي، والتنظيمات المسنودة من إيران، فضلاً عن تحولها إلى حرب استنزاف حول الطاقة ومضيق هرمز.
** في ربط ترامب إنهاءَ الحرب مع إيران بالاتفاقات الإبراهيمية دلالةٌ على ما وصفه معارضو سياسته في واشنطن بـ”الضياع الاستراتيجي”. فهذه الاتفاقات في جوهرها أقرب إلى الأحلاف الأمنية منها إلى صناعة السلام.
** عربياً وفلسطينياً، تشكّل مطالب ترامب بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية مقابل التسوية الأمريكية الإيرانية مناسبةً لإحداث انطلاقة في الجهود السعودية الفرنسية والمصرية والأردنية، نحو إعادة توجيه البوصلة الدولية نحو فلسطين، بما يشمل إنجاز مراحل إنهاء الحرب على غزة وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.