ماذا وراء إعادة هيكلة الجسم القيادي لحزب الله؟
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
تقديم: تكشف المعلومات عن إعادة هيكلة طرأت على الجسم السياسي والعسكري والأمني لحزب الله في لبنان. ويثير هذا التطور أسئلة بشأن الخطط والتوجهات والأسباب التي تقف وراء القيام بورشة شاملة طالت استبعاد وجوه، وتقديم وجوه، وإلغاء وحدات، وتوزيع مهام، والتقدم بنسخة يغلب فيها الطابع السياسي.
في المعطيات:
-يشهد حزب الله ورشة تعيينات وتغييرات شاملة في هيكليته العسكرية والأمنية والسياسية، وهي الأولى منذ انتهاء حرب الـ66 يوما في نوفمبر 2024.
-تهدف الورشة، وفق محللين، إلى تعديل طريقة اتخاذ القرار، وتقليص البيروقراطية، وسد الثغرات الأمنية التي أدت إلى اغتيال العديد من قادته العسكريين البارزين.
-تقول المعلومات إن الأمين العام الشيخ نعيم قاسم يشرف على الورشة سياسيا، فيما يشرف عسكريا فريق من ضباط فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
-تضيف المعلومات أن قاسم يحاول أن يمسك بمفاصل الحزب بربط كل المؤسسات الحزبية بالأمانة العامة للحزب، بعد أن كان هذا الموقع سابقاً يتولى القيادة من دون الخوض في التفاصيل التي كانت من مسؤولية الهيئة التنفيذية.
-تسرّبت أخبار التعيينات الجديدة بعد الإعلان عن إقالة وفيق صفا من رئاسة وحدة “الارتباط والتنسيق”. وكانت أنباء تحدثت قبل ذلك عن إصدار زعيم الحزب قرارات إدارية حددت صلاحيات الوحدة وقلصتها، مما أحرجه ودفعه للاستقالة.
-تعرّض صفا لمحاولة اغتيال من خلال موجة القصف الإسرائيلية التي طالت قياديين آخرين أثناء الحرب الأخيرة، كما تم التلميح إلى دور ملتبس له في إطار الإشاعات بشأن مسؤوليته في الانكشاف الأمني الذي وقف وراء نجاح إسرائيل باغتيال قادة الحزب.
-مثّل صفا في مرحلة سطوة الحزب على النظام السياسي اللبناني الجهة التي تتولى التواصل مع المؤسسات الأمنية والسياسية اللبنانية وترتيب وتدبير المناورات السياسية والأمنية، واتهم بتهديد القاضي المكلف بالتحقيق.
-باتت وحدة “التنسيق” تابعة للمكتب السياسي برئاسة إبراهيم أمين السيد، ولم تعد مستقلة، وفقدت صلاحياتها الأمنية والقضائية السابقة، وأصبح دورها محصورا بالتنسيق السياسي مع الأحزاب (غير أمني).
-شملت التعيينات وحدات سياسية على علاقة بالانتخابات النيابية في مايو 2026، ووحدات أمنية وعسكرية.
-شملت إعادة الهيكلة تفكيك ودمج وحدات أمنية وعسكرية سابقة مستقلة (مثل وحدة الارتباط والتنسيق، الأمن الوقائي، وحدة 910، وغيرها) تحت إشراف جهة مركزية واحدة. كما سيتوقف التعامل الأمني المباشر مع الدولة اللبنانية عبر اللجنة الأمنية أو وحدة الارتباط، وتحويل العلاقة إلى شخصيات سياسية.
-يعتبر مراقبون أن التغييرات ليست مجرد توزيع نفوذ أو تمكين مقربي قاسم، بل استجابة لتحولات كبرى في المنطقة تشمل الضغوط على إيران، والحصار المالي والعسكري، والضغوط الدولية لتفكيك التنظيم العسكري.
-لفتوا إلى دخول العديد من السياسيين إلى مركز القرار بدلاً من رجال الدين الذين سيطروا في المرحلة السابقة على المشهد القيادي في الحزب، مع دخول شخصيات جديدة إلى مركز القرار من الذين رافقوا قاسم في حزب الدعوة واللجان الإسلامية قبل دخولهم الحزب بعد تأسيسه.
-توقع المراقبون تعيين محمد رعد، رئيس كتلة الحزب البرلمانية، في وقت لاحق على الانتخابات النيابية، نائبا لقاسم على رأس الحزب.
-تحدثت المعلومات عن تولي الوزير والنائب السابق محمد فنيش مسؤولية المجلس التنفيذي للحزب، حيث يخوض في مهمة إعادة تنظيم الجسم الإداري والمؤسساتي للحزب.
-تلفت مصادر إلى سعي الحزب للتكيف مع واقع جديد يشمل الحفاظ على الوجود، وحماية البيئة الحاضنة، وتجنب حرب جديدة أو تهجير.
-ترى المصادر أن هذه التغييرات لا تقتصر على سد النقص في الكوادر، بل تهدف كذلك إلى “كسر الجليد” مع مؤسسات الدولة اللبنانية، والتمهيد لمرحلة حوار معها.
-لاحظ خبراء تغليب الجانب السياسي على العسكري-الأمني تدريجيا، مع رؤية للاتفاق الشامل مع الدولة اللبنانية والاندماج فيها.
-يضيف هؤلاء أن الهيكلة تستجيب للضغوط (بما فيها من دول الجوار والولايات المتحدة) والتي تشمل حصر السلاح بيد الدولة، وهو شرط في مفاوضات محتملة مع إيران.
الخلاصات والتقديراتك
** تشير المعطيات إلى أن إعادة هيكلة الجسم القيادي والتنظيمي لحزب الله لا تمثل مجرد تعديل إداري أو إعادة توزيع نفوذ داخلي، بل تعكس انتقالاً مدروساً في نمط الحكم داخل التنظيم فرضته عوامل داخلية وإقليمية ودولية متقاطعة. فمن جهة، جاءت الضربات الأمنية والانكشافات التي طالت قيادات الصف الأول لتدفع الحزب إلى مركزة القرار وترشيد بنيته التنظيمية وسد الثغرات الاستخباراتية، ومن جهة أخرى فرضت كلفة الحرب والضغط الاجتماعي داخل البيئة الحاضنة. ** الحاجة إلى تعزيز الوظائف السياسية والإدارية والخدماتية للحفاظ على الشرعية الداخلية. إقليمياً ودولياً، يتفاعل الحزب مع ضغوط متزايدة مرتبطة بملف سلاحه وبموقع إيران التفاوضي، ما يدفعه إلى تقديم إشارات تكيف عبر تغليب السياسيين وتقليص الاحتكاك الأمني المباشر مع مؤسسات الدولة، دون أن يعني ذلك تحولاً جوهرياً في مسألة السلاح. ** ترجّح التقديرات أن الهيكلة تعكس انتقالاً من عقيدة توسعية–هجومية إلى مقاربة دفاعية احتوائية تركز على حماية البقاء والبيئة وتجنب مواجهة واسعة، مع السعي لتحسين التموضع داخل النظام السياسي اللبناني استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
**في المدى المنظور، يُتوقع أن يستمر الحزب في اختبار مسار مزدوج يقوم على تعزيز الانخراط السياسي الداخلي وإدارة “كسر جليد” محسوب مع الدولة، مقابل الحفاظ على قدرته الردعية كأداة استراتيجية مرتبطة بمآلات التوازنات الإقليمية، ما يجعل مرونة الحزب أو تشدده رهناً بتطور العلاقة بين طهران وواشنطن أكثر مما هي انعكاس مباشر للساحة اللبنة وحدها.
** ثمة تقديرات بأن انضباط الفصائل الولائية في العراق واحتمال غياب “قسد” لصالح الاندماج في الدولة السورية كما قرار عبدالله أوجلان بحل حزبه هي ظواهر تنسحب على نزوع الحزب نحو التخلي عن وضعه الميليشيوي.
**قد يستفيد هذا التحول من اعتراف، لا سيما أميركي، وعلى لسان المبعوث الخاص توم باراك، بالثقل السياسي الذي يمثله الحزب داخل المشهد السياسي في لبنان.
** في الختام التقدير الاولي بأن الحزب يتحضر لمرحلة الاندماج الكامل داخل الدولة اللبنانية من خلال هيكلة ذات جانب سياسي أكثر من عسكري أمني.