ليبيا بين الخارطة الثلاثية والمبادرة الأميركية: هل يعيد الحراك المصري رسم مسار التسوية؟

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الأفريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف:
تقديم: شهدت ليبيا خلال يونيو 2026 حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، تجسد في زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى طرابلس (21 يونيو)، واجتماع القاهرة الرباعي (20 يونيو) الذي ضم مصر والسعودية وتركيا وأميركا، وإعلان المجالس الثلاثة (عقيلة صالح، محمد تكالة، محمد المنفي) عن خارطة طريق سياسية جديدة (18 يونيو) تهدف إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة. تأتي هذه التطورات في أعقاب مبادرة أميركية (17 يونيو) تقوم على توحيد السلطة التنفيذية أولاً عبر تقاسم السلطة بين مراكز النفوذ الرئيسية، قبل الانتقال إلى الانتخابات. وتطرح هذه التطورات سؤالاً محورياً: هل يعيد الحراك المصري رسم مسار التسوية في ليبيا لصالح المسار الانتخابي، أم أن تعدد المبادرات يعكس تنافساً إقليمياً ودولياً حول شكل التسوية والجهة التي ستقودها؟
المعطيات الأساسية:

– الموقف المصري: في 21 يونيو 2026، أجرى رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد زيارة غير معلنة إلى طرابلس، التقى خلالها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، حيث ركزت المباحثات على التطورات السياسية والأمنية. تشير المعطيات إلى أن التحرك المصري ينسجم مع مقاربة إقليمية تتقاطع مع الرؤية السعودية، القائمة على أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها ووحدة أراضيها. وجاءت الزيارة بعد يوم واحد من اجتماع القاهرة الرباعي الذي شدد على دعم وحدة ليبيا وسيادتها، وضرورة تسريع العملية السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة.

– الخارطة الثلاثية: في 18 يونيو 2026، أعلن عقيلة صالح (رئيس مجلس النواب)، ومحمد تكالة (رئيس المجلس الأعلى للدولة)، ومحمد المنفي (رئيس المجلس الرئاسي) عن وثيقة مبادئ تقوم على: إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في موعد أقصاه 17 فبراير 2027، مع اعتماد قوانين لجنة (6+6)؛ وإنشاء لجنة سيادية عليا للإشراف على المسار الانتخابي تضم رئيس المفوضية وممثلين عن اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)؛ واستناد الوثيقة إلى الاتفاق السياسي في الصخيرات ومخرجات القاهرة.
– المبادرة الأميركية: في 17 يونيو 2026، أعلن مسعد بولس عن مبادرة لتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات المنقسمة عبر صيغة لتقاسم السلطة بين مراكز النفوذ الرئيسية، قبل الانتقال إلى الانتخابات. وقد أبدت القيادة العامة في بنغازي دعمها لهذه المبادرة، مما يعكس تفضيل حفتر لمسار تقاسم السلطة الذي قد يمنحه دوراً انتقالياً استثنائياً.

– الموقف الأممي: أبدت البعثة الأممية تحفظاً على الخارطة الثلاثية، معتبرة أن الخلافات حول القوانين الانتخابية لا تزال قائمة، وأن إجراء الانتخابات قبل معالجتها قد لا يؤدي إلى حل مستدام. وأكدت المبعوثة هانا تيتيه أن الأمم المتحدة قد تطرح مقترحات جديدة إذا تعذر تنفيذ المسار الحالي.

التحليل:
أولاً: تنافس المسارات وتباين الأولويات.
يكشف المشهد الليبي عن تباين واضح بين مسارين: الخارطة الثلاثية (بدعم مصري-سعودي) ترى في الانتخابات المدخل الرئيسي لتجديد الشرعية، بينما المبادرة الأميركية (بدعم من حفتر) تركز على توحيد السلطة أولاً عبر تقاسمها بين مراكز النفوذ. هذا التباين يعكس مصالح متضاربة: فحفتر يفضل مسار تقاسم السلطة الذي قد يمنحه دوراً انتقالياً، بينما يرى المجلسان في الانتخابات وسيلة لتجاوز مراكز النفوذ القائمة.

ثانياً: التقاطعات والاختلافات الإقليمية والدولية.
– الخلاف المصري-التركي: رغم حضور تركيا اجتماع القاهرة، فإن التباين مع الموقف المصري (الداعم لحفتر) لا يزال قائماً. مصر تريد تسوية تضمن استقرار حدودها، بينما تركيا ترى في ليبيا بوابة لتوسيع نفوذها في المتوسط.
– التقاطع السعودي-الإماراتي: السعودية تريد استقراراً شاملاً وهي أكثر مرونة من الإمارات التي تدعم حفتر بقوة وتعادي الإسلام السياسي. هذا التباين قد يظهر عند التفاصيل التنفيذية.
– الموقف الروسي: روسيا تدعم حفتر وترى في ليبيا قاعدة لنفوذها في أفريقيا. المبادرة الأميركية قد تصطدم بحسابات موسكو إذا شعرت بأنها تستهدف تقليص نفوذها.
– الموقف الأوروبي: أوروبا منقسمة بين إيطاليا الداعمة لطرابلس وفرنسا الأكثر ميلاً لحفتر، مما يضعف قدرتها على تقديم موقف موحد.
– الموقف الجزائري: الجزائر، الجارة المباشرة، قد لا ترى بعين الرضا التحرك المصري المكثف إذا شعرت بأنه يتجاوز دورها الإقليمي.

ثالثاً: التحدي الميداني – الميليشيات المسلحة في طرابلس.
تمثل الميليشيات المسلحة في طرابلس العقبة الأكبر أمام أي انتقال سياسي. هذه الميليشيات (مليشيات مصراتة، الزاوية، والقوات المرتبطة بوزارة الداخلية سابقاً) تملك قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة، وتستمد قوتها من تهريب الوقود والهجرة غير الشرعية، ولن تتنازل عن نفوذها بسهولة. أي خارطة طريق تتجاهلها محكوم عليها بالفشل. كما أن غياب الأمن في الجنوب الليبي يهدد أي عملية انتخابية في تلك المناطق.

رابعاً: تصفية الميليشيات – الشرط الأمني لأي انتقال سياسي.
أي خارطة طريق ناجحة يجب أن تتضمن: برنامجاً زمنياً لإعادة هيكلة القوات المسلحة ودمج الميليشيات في مؤسسة عسكرية مهنية؛ وحزمة حوافز اقتصادية للميليشيات التي توافق على نزع سلاحها؛ وآلية دولية-محلية لمتابعة عملية نزع السلاح؛ ومعالجة الجذور الاقتصادية لوجود الميليشيات عبر تعزيز السيادة على المنافذ الحدودية والموارد الطبيعية.

خامساً: غياب التوافق حول القيادة المقبلة.
لم تعد المشكلة الرئيسية في ليبيا نقص المبادرات، بل غياب التوافق حول القوى التي ستقود المرحلة المقبلة. فنجاح الخارطة الثلاثية قد يقلص فرص حفتر في دور انتقالي، وهو ما يفسر دعمه للمبادرة الأميركية. وتعدد المبادرات يكشف عن تنافس حول شكل التسوية والجهات التي ستستفيد منها، بينما يتفق معظم الفاعلين على منع عودة الصراع والحفاظ على قطاع الطاقة.

خلاصة واستنتاجات:
** تشهد ليبيا تزاحماً غير مسبوق للمبادرات والمسارات السياسية في ظل محدودية التقدم نحو تسوية شاملة، وهو ما يعكس غياب مرجعية سياسية موحدة للحل وتباين تصورات الأطراف المحلية والدولية بشأن أولويات العملية السياسية وآليات تنفيذها.
**يعكس تعدد المبادرات والمسارات السياسية تنافساً إقليمياً ودولياً حول الجهة التي تقود العملية السياسية وشكل التسوية النهائية، في ظل اختلاف المقاربات بين أولوية الانتخابات وتجديد الشرعية السياسية (الخارطة الثلاثية المدعومة مصرياً-سعودياً) ، وأولوية توحيد المؤسسات وتقاسم السلطة بين مراكز النفوذ القائمة (المبادرة الأميركية المدعومة من حفتر).
** تظل الميليشيات المسلحة في طرابلس العقبة الأكبر أمام أي انتقال سياسي سلمي، حيث تملك قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة، ولن تتنازل عن نفوذها بسهولة. أي خارطة طريق تتجاهل هذه الميليشيات أو لا تقدم خطة واضحة لنزع سلاحها محكوم عليها بالفشل.
**يشكل غياب الأمن في الجنوب الليبي، بسبب تهريب السلاح والبشر والمخدرات، تهديداً لأي عملية انتخابية في تلك المناطق، مما يجعل استعادة السيطرة على الحدود الجنوبية شرطاً أساسياً لأي تسوية سياسية.
** قد يؤدي نجاح الخارطة الثلاثية إلى ترجيح المسار الانتخابي بوصفه مدخلاً لإنهاء المرحلة الانتقالية، بما يقلص فرص منح أدوار انتقالية استثنائية لبعض مراكز النفوذ (كحفتر)، بينما يمنح نجاح المبادرة الأميركية وزناً أكبر للقوى المسيطرة فعلياً على الأرض ضمن ترتيبات تقاسم السلطة وإعادة هيكلة السلطة التنفيذية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.