لهذه الأسباب هزمت استنبول أردوغان
أسعد كنجو
مركز تقدم للسياسات – لندن
لأول مرة منذ ربع قرن استنبول لن يديرها حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان. المدينة الأكبر في تركيا والتي تحتضن ربع سكان البلاد وتشكل ثلث الناتج القومي الإجمالي. خسارة كبرى تكاد تكون تاريخية بأثارها العميقة على مستقبل الحياة السياسية في تركيا، اضافة لما لها من رمزية خاصة بالنسبة لشخص الرئيس التركي الذي تولى منصب عمدتها عام ١٩٩٤ والذي شكل رافعة وصوله إلى سدة الحكم. يدرك أردوغان حجم الخطر الذي يخلقه وصول خصومه إلى منصب لدارة العاصمة الاقتصادية، مضافا اليها الاثار المعنوية على شعبيته وجماهيرية حزبه. فقد جاءت جولة الإعادة لتشكل صفعة أخرى بعد أن قفزت النسبة المئوية بين المرشحين من أقل من ربع بالمئة إلى نحو ٩ بالمئة خلال أقل من شهرين، كاشفة عن بداية تأكل قاعدة حزب العدالة والتنمية في أهم معاقله التاريخية، وتحديدا في حاضنته الاجتماعية في الاحياء المحافظة والتي لطالما شكلت خزانا بشريا للرئيس وحزبه الاسلامي، كالفاتح وأيوب سلطان وبايرم باشا وباهتشلي أوفلار واوسكودار. ويعيد محللون هذه القفزة الحادة للفارق بين المرشحين في فترة وجيزة إلى عدة أخطاء ارتكبها اوردوغان تجعل ما بعد فوز إمام أوغلو لن يكون ولن يعود كما قبله.
أول هذه الأخطاء كان قرار الرئيس التركي بإعادة الانتخابات وهو ما خلف استياءا شعبيا واسعا، نظرا لأنها جاءت دون أسباب منطقة أو مقنعه للشارع التركي الذي شعر بقابلية الحزب الحاكم للالتفاف على الديمقراطية حين لا تأتي على هواه ووفق مصالحه، وعزز قرار الاعادة من نظرية المظلومية لمرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو وأكسبه مزيدا من التعاطف.
ثانيها تمثل في اللهجة التي انقاد إليها الرئيس التركي وانحداره لمستوى متدن في سوق الاتهامات المفضوحة التي أفقدته المزيد من المصداقية حتى ضمن قاعدة المؤيدين، حين اتهم مرشح المعارضة بأنه يدعم الإنقلابيين في اشارة لحركة فتح الله غولن وهو اتهام أثار تساؤلات عن توقيته ولماذا جاء قبل الانتخابات بأيام فقط، وكان مكشوفا أنه يصب في اطار البرباغندا وخلف مزيدا من الاستياء وعمق الصورة التي باتت تترسخ لدى الشارع التركي بأن تهمة الانقلاب أو التعاون مع فتح الله غولن باتت شماعة أو حجة الرئيس التركي للاطاحة بمعارضيه.
ووصل التخبط ذروته حين تم تسريب رسالة قبل يومين من الانتخابات، نسبت لعبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني من محبسه، يدعو فيها الاتراك الى الوقوف على الحياد في معركة استنبول ، رسالة غامضة في توقيت مشبوه ، خاصة وانها لم تصدر كما جرت العادة عبر محاميه وانما نشرها أحد الأكاديميين الأتراك، ونشرتها وكالة الأناضول للأنباء والتي يهيمن عليها حزب العدالة والتنمية. وبدلا من أن تساعد الرسالة الرئيس التركي بتحييد الكرد في التصويت لصالح خصمه، دفعت بحزب الشعوب الديمقراطية للاستنفار الواسع لحشد أنصاره ومعظمهم من الكرد للتصويت لصالح مرشح المعارضة بعد أن استشعروا بأن الرسالة محاولة لشق الصوت الكردي، بالإضافة لأن الرسالة ذاتها خلفت مزيدا من النقمة لدى القلة القومية المؤيدة لحزب العدالة والتنيمة حيث اعتبروا أن الرئيس التركي يستعين بمن يفترض أنه إرهابي وعدو لأمتهم ويسوق له حين يحتاجه لأغراض ومكاسب سياسية.
وفي سياق تحليل أسباب الهزيمة يعيد محللون تأثير المناظرة التلفزيونية التي جرت بين بن علي يلدرم وامام أوغلو ، حيث أظهرت تركيزا في خطاب بن علي يلدرم على إنجازات جزبه وماضيه المجيد ، دون أن يقدم أي تصور أو خطط مستقبلية معقولة لمواجهة التردي الاقتصادي وانحدار الليرة وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، في وقت كان هذا هو تحديدا ما استغله وركز عليه امام أوغلو الذي حملت حملته الانتخابية شعار ”كل شيء سيكون على ما يرام“. بالإضافة لتسليطه الضوء على الأخطاء التي ارتكبها حزب العدالة والتنمية والفساد واهدار المال العام لصالح الحزب ومكاسبه السياسية.
الفشل الاقتصادي:
لا يمكن اعتبار خسارة بن علي يلدرم مفاجئة ، فالحزب الذي رشحه يتعرض لسلسة من الهزائم السياسية والانحسار في شعبيته منذ عام ٢٠١٥ عندما خسر الأغلبية البرلمانية لأول مرة منذ العام ٢٠٠٢، لكن الانتخابات المحلية الأخيرة، ترجمت هذا التراجع على أرض الواقع بعد أن خسر حزب العدالة والتنمية سيطرته على العاصمة أنقرة وأبرز المدن الرئيسية كأزمير وبعدها استنبول، ويعتبر العامل الاقتصادي الذي كان السبب في سطوع نجم حزب العدالة والتنمية والرئيس التركي، هو ذاته السبب الأول الذي عصف بشعبية الحزب مجددا وأدى لتراجعها بشكل حاد، فأردوغان وحزبه كان لهم الفضل في نهضة وانتعاش الاقتصاد التركي منذ توليهم السلطة في ٢٠٠٢ واحداثهم طفرة بناء في تركيا مع سياسات اقتصادية وتنموية ناجحة رفعت الدخل السنوي للفرد من ٣٥٠٠ دولار سنويا إلى نحو ١٠ آلاف سنويا، وخفضت معدلات البطالة والتضخم، ووضعت تركيا في مصاف الدول ذات الاقتصاد القوي والمستقر والذي ساهم بجذب المستثمرين من كافة أرجاء المنطقة، لكن مع وصول أردوغان لسدة الرئاسة بعد تحويل النظام السياسي في البلاد إلى الرئاسي واحكام قبضته على السلطة، لاسيما بعد عملية الانقلاب الفاشلة التي ساعدته في استئصال الأصوات المعارضة تحت طائلة قانون الطوارئ . انتهج الرئيس التركي أسلوبا سيئا في التعاطي مع الاقتصاد
جاءت بمردود عكسي على شعبيته ، داخليا كانت السياسيات الاقتصادية التي انتهجها اردوغان كارثية لاسيما بعد الضغوط والتدخلات في سياسات البنك المركزي التركي في أسعار الفائدة، جاء ذلك مصحوبا بفرض قانون الطوارئ الذي خلف حالة من عدم الاستقرار وأفقد المستثمرين الثقة في الأسواق التركية وساهم بانخفاض قيمة الليرة التركية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم.
الخلاف مع الولايات المتحدة
مع تعمق الازمة الاقتصادية ، انفتح نزاع مفتوح مع الولايات المتحدة بعد محاولة الانقلاب، حيث وجهت أنقرة أصابع الاتهام لفتح الله غولن الذي يعيش في الولايات المتحدة بالوقوف وراء الانقلاب وطالبت واشنطن بتسليمه، قامت على أثرها بتصعيد الخلاف عبر اعتقال القس الأمريكي أندرو برانسون بتهمة ممارسة أنشطة “إرهابية” والقيام بالتجسس، وهو ما أشعل فتيل أزمة قامت على أثرها واشنطن بفرض عقوبات على تركيا شملت وزيري العدل والداخلية، وهو الأمر الذي انعكس على الفور بهبوط سعر الليرة التركية مقابل الدولار ، رافقها تهديدات أمريكية بفرض مزيد من العقوبات، بسبب الخلاف الأمريكي التركي على الملف السوري وتهديدات أنقرة المستمرة بنيتها شن عملية عسكرية على القوات الكردية الحليفة لواشنطن، . في آب من العام الفائت، أعلن ترامب مضاعفة الرسوم على واردات بلاده من الفولاذ والألمنيوم التركيين لتصل إلى 50 بالمائة للفولاذ و20 بالمائة للألمنيوم، وكتب على تويتر “علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا الوقت“، بنفس اليوم هبط سعر صرف الليرة التركية وخسرت 16 بالمائة من قيمتها مقابل الدولار، ورغم اطلاق سراح القس الأمريكي وتهدئة النزاع مع واشنطن بخصوص الملف السوري إلا أن الليرة لم تكد تستعيد عافيتها حتى أشعل الرئيس التركي أزمة جديدة مع الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي، بسبب اتفاقية شراء منظومة صواريخ اس ٤٠٠ الروسية، والتي يمكن اعتبارها أزمة فاصلة ستغير شكل العلاقة بين واشنطن وحليفتها التاريخية أنقرة، وعلى أثرها لم تتوقف التهديدات الأمريكية بفرض مزيد من العقوبات على الاقتصادية على تركيا، الامر الذي فرض ظلالا من الشكوك على أهلية ومكانة الحزب الحاكم ، فقد نشرت محطة بلومبرغ تقريرا عن أن ادارة الرئيس الأمريكي تدرس فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على تركيا، والذي كان كافيا لتنحدر الليرة نحو ١.٥ بالمئة قبل أيام قليلة من الانتخابات.
النزاع مع الاتحاد الأوربي:
كان انفتاح حزب العدالة والتنمية على الغرب والسعي لتعزيز العلاقات التجارية والسياسية ميزة للحزب الإسلامي المحافظ استطاع عبرها كسب تأييد الشارع التركي الذي استشعر أملا بجهود أردوغان وحزبه للانضمام للمنظومة الأوربية، ولطالما شكلت عملية الانضمام للاتحاد حلما وهدفا بالنسبة لطبقة رجال الاعمال والتجار وللعاصمة الاقتصادية ، وكانت تركيا قطعت شوطا في المفاوضات حول أهليتها للانضمام وسنت العديد من القوانين الإصلاحية لاستيفاء الشروط والمعايير الأوربية، إلا أنه مجددا شكل وصول رجب طيب أردوغان إلى سدة الرئاسة والصلاحيات الواسعة التي منحها لنفسه انتكاسة لتلك الجهود، حيث عزز فوز أردوغان وحزبه العدالة والتنمية في انتخابات البرلمانية الأخيرة مخاوف بروكسل بشأن احتكاره لمزيد من السلطات، وساءت العلاقات بشكل أكبر بعد سلسلة خلافات حول ملفات تتعلق بحقوق الإنسان وحكم القانون، ، إلى أن وصلت لمرحلة تعليق المفاوضات بين الطرفين، بعد أن صادق البرلمان الأوربي في مارس من العام الحالي أي قبل أقل من شهر من الانتخابات البلدية على تقرير يضم مقترحا لـ “التعليق الرسمي لمفاوضات الانضمام بين تركيا والاتحاد الأوروبي”، ورغم أن القرار لم يكن نهائيا وحمل صفة توصية إلا أنه ترك انطباعا لدى الشارع التركي بأن حلم الانضمام للاتحاد الأوربي أصبح بعيدا مرة أخرى، خصوصا أن سياسات الرئيس التركي لا توحي بقرب عودة الاتصالات الى مسارها الصحيح سيما بعد أن ارسال انقرة سفينتين للتنقيب عن الغاز في السواحل القبرصية ، وهي خطوة خلفت مزيدا من التوتر بين دول الاتحاد وتركيا، وهددت على أثرها بروكسل بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على تركيا، وتعليق المحادثات حول توسيع الاتحاد الجمركي بين أنقرة والاتحاد الأوربي.
العداء للكرد:
يبدو أن الكرد الأتراك وجدوا في القوميين عدوا أقل شراسة مما شهدوه من سياسات حزب العدالة والتنمية مؤخرا، خصوصا بعد أن أظهرت نزعة عدائية ضد الكرد، توجت باعتقال زعيم حزب الشعوب الديمقراطية صلاح الدين ديمرتاش، وايقاف عملية المصالحة التي بدأها أردوغان مع حزب العمال والتي اكسبته تعاطف الكرد حينها قبل ان ينقلب مجددا ، مع العودة لسياسة القبضة الأمنية وحشد الحملات العسكرية على المناطق الكردية في ديار بكر وعمليات عفرين وما تبعها من مجازر وتهجير للكرد السوريين بمشاركة وتغطية من القوات التركية وحلفائها في المعارضة السورية، ولهذا وجدت دعوة حزب الشعوب الديمقراطية ذو الأغلبية الكردية لناخبيه الذين يزيد عددهم عن ثلث الجمعية الانتخابية في استنبول اذانا صاغية ، وصوت الكرد بكثافة لصالح ممثل المعارضة وضد مرشح الحزب الحاكم بين علي يلدرم
توحد المعارضة:
منذ الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام الفائت، شكلت المعارضة تحالفا ضمنيا وغير متوقع بين قوى المعارضة، فهذا التحالف جمع النقيضين ، إذ تحالف حزب الشعوب الديمقراطية اليساري ذو الأغلبية الكردية ويترأسه ديمرتاش مع حزب الشعب الجمهوري اليميني المعروف بمواقفه المعادية للكرد والقوميات الأخرى في تركيا، فقد تخطت أحزاب المعارضة خلافاتها الايدولوجية العميقة في سبيل انهاء هيمنة حزب العدالة والتنمية على الحياة السياسية في تركيا لأكثر من ٢٥ عاما، وهو ما بث الأمل بإمكانية الاطاحة بهذا الحزب المتجذر بعد أن كان مجرد التفكير في ذلك ضربا من الخيال، نظرا لحالة التشظي والانقسام بين قوى المعارضة، وتعزز هذا التحالف في الانتخابات البلدية الأخيرة بعد أن قام رئيس حزب الشعوب الديمقراطية صلاح الدين ديمرتاش، بالدعوة بشكل علني لدعم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري القومي، وكانت هذه الدعوة حاسمة في ترجيح الكفة لمرشح المعارضة.
في ذات الوقت أظهر حزب الشعب الجمهوري مؤخرا حنكة سياسية في منافسة الرئيس التركي وحزبه داخل قاعدته الشعبية المسلمة والمحافظة، بعد أن بدأ يختار بعناية مرشحيه والمنافسين الذين يصدرهم امام أردوغان وحزبه، وتمثل هذا التوجه منذ السنة الفائتة حين اختار الحزب محرم أنجه لمنافسة أردوغان على سدة الرئاسة، وكان اختيارا موفقا كون محرم من عائلة سنية ويعتبر من القوميين المعتدلين، حيث استطاع استمالة أصوات المحافظيين الأتراك وشريحة من مؤيدي حزب العدالة والتنمية دون أن يفقد أو يثير حفيظة حاضنته الأصلية من القوميين، وهو الأمر الذي تكرر في ترشيح إمام أوغلو، فالرجل السني المتدين والمواظب على أداء الشعائر الدينية من صلاة وصيام، والقادم من خلفية محافظة ، أتاحت له التواصل مع شرائح واسعة من الأتراك المحافظين أيضًا وأفقدت حزب العدالة والتنمية ومرشحه ورقة طالما استغلوها في تصوير القوميين أعداء للدين الإسلامي.
خلاصة:
من المبكر القول ان انتخابات الإعادة في استنبول، ستفضي الى بداية انهيار حزب العدالة والتنمية في المدى القريب، لكن صدعا قد حصل في شعبية هذا الحزب وثقة الناخبين وقاعدته الصلبة، لكن الثابت ان تفاقم الازمة مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وذهاب ابرز القامات المؤسسة لحزب العدالة والتنمية احمد داوود اوغلو والرئيس السابق عبدالله غول في اعلانهما تشكيل أحزاب جديدة، سيضع حجز الأساس لبداية تفسخ وأفول نجم حزب إسلامي محافظ شكل ولعقدين من الزمن نموذجا لما سمي بالمرحلة الإخوانية الذهبية.