لندن توقف تعاونها الاستخباري مع واشنطن بشأن الكاريبي
تقدير موقف، مركز تقدم للسياسات
تقديم: أوقفت بريطانيا مشاركة أي معلومات استخبارية مع الولايات المتحدة بشأن مكافحة تهريب المخدرات في الكاريبي تجنّبا لتورط لندن في حرب تخطط لها واشنطن ضد فنزويلا ومناطق أخرى في أميركا اللاتينية. ويعد هذا التطوّر لافتا بالنظر إلى علاقة بريطانيا والولايات المتحدة التاريخية الخاصة لا سيما في مجالات الأمن والدفاع.
في المعطيات:
-في 11 نوفمبر 2025، كشفت مصادر أميركية أن بريطانيا توقفت عن مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة بشأن السفن المشتبه في تهريب المخدرات في الكاريبي. فسّر محللون بريطانيون الأمر بأن لندن لا تريد أن تكون شريكة في الضربات العسكرية الأمريكية وتعتقد أن الهجمات غير قانونية.
-يُعد هذا التعليق خطوة غير مسبوقة في تاريخ “العلاقة الخاصة” بين البلدين، مما يشير إلى تمزق في الشراكة الاستخباراتية التي استمرت لسنوات ضمن إطار “العيون الخمس” (Five Eyes)، حيث كانت بريطانيا توفر معلومات من أراضيها الكاريبية لدعم عمليات مكافحة التهريب.
-منذ سبتمبر 2025، بدأت الولايات المتحدة حملة ضربات جوية على قوارب قالت واشنطن إنه يُشتبه بها في تهريب المخدرات. وأسفرت الضربات عن مقتل عشرات الأشخاص من جنسيات مختلفة، بما في ذلك كولومبيين وإكوادوريين.
-اعتبر القرار البريطاني لافتا لجهة العلاقة الحميمية التاريخية التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا، بحيث كانت الأخيرة شريكة دائمة للولايات المتحدة في جلّ الحملات العسكرية الدولية التي خاضتها واشنطن في العالم. حتى أن واشنطن لم تجد غير لندن شريكا وحيدا في الضربات التي شُنّت ضد جماعة الحوثي في اليمن في مارس-مايو 2025.
-رأى دبلوماسيون أن لقرار لندن الأمني رسالة سياسة لواشنطن مفادها رفض المملكة المتحدة منح الولايات المتحدة ورئيسها شرعية ما فوق أميركية لحملة عسكرية قد يشنها الجيش الأميركي في أميركا اللاتينية تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات.
-تتواجد بريطانيا في منطقة الكاريبي من خلال أقاليم ما وراء البحار الخمسة التالية: أنغيلا، وجزر فيرجن البريطانية، وجزر كايمان، ومونتسيرات، وجزر تركس وكايكوس.
-قالت المعلومات إن بريطانيا ساعدت لسنوات الولايات المتحدة من خلال أصول استخبارية تقيمها في المنطقة. وساهمت المعلومات البريطانية في تحديد موقع السفن المشتبه في حملها المخدرات حتى يتمكن خفر السواحل الأميركي من اعتراضها.
-يعتبر خبراء عسكريون أن ما تحشده الولايات المتحدة من قوى عسكرية لا يوحي أن الأمر مقتصر على عصابات تهريب مهما اشتد شأنها. فتحدثت المعلومات عن نشر نحو 10 آلاف جندي أميركي، إضافة إلى نشر قطع بحرية عسكرية، في مقدمها بوارج حربية وطائرات “بي-52″، بما يؤشر إلى أن الأمر لن يقتصر على رسائله الاستعراضية وأن الأمر يشي بغزو واسع.
-يجد المراقبون أن للتصعيد سياق يُدرج في إطار العداء الساسي بين واشنطن وكراكاس، ولا يستبعدون، عزم واشنطن، في ظل إدارة ترامب، على العمل على إزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مع ما يعنيه هذا الاحتمال من إضعاف لنفوذ الصين وروسيا في أبعاد جيوسياسية واقتصادية بالنظر إلى ما تملكه فنزويلا من احتياطيات النفط والمعادن.
-قالت معلومات نقلها محللون أنه يعتقد أن المسؤولين البريطانيين يعتقدون أن الضربات العسكرية الأميركية، التي قتلت 76 شخصاً، تنتهك القانون الدولي، وأن لندن أوقفت تعاونها المخابراتي في هذا الملف منذ اكتوبر 2025.
-يرى مراقبون أن موقف لندن بنيّ على أساس تغير مقاربة واشنطن في التعامل مع مشكلة تهريب المخدرات بحيث انتقلت من إطار جنائي قانوني إلى إطار سياسي. فقد باتت إدارة ترامب تتيح للجيش الأميركي قتل المشتبه فيهم بالتهريب لأنهم “يشكلون تهديداً وشيكاً” للأمريكيين وهم “مقاتلون أعداء” في “صراع مسلح” مع الولايات المتحدة، وفقاً لمذكرة أرسلتها الإدارة إلى الكونغرس.
-كانت إدارة ترامب حددت عددا من كارتلات المخدرات كـ “جماعات إرهابية أجنبية”، واعتبرت أن سلوك الإدارة “يتوافق تماماً مع قانون النزاع المسلح”، وهو مجال القانون الدولي المصمم لمنع الهجمات على المدنيين.
-اعتبر مراقبون أن بريطانيا اتخذت هذا الموقف بسبب مخاوف من تورطها في حرب تخضع لأجندة واشنطن وحسابات ترامب والتي لا تشمل فقط مكافحة المخدرات واستهداف نظام فنزويلا، بل يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في أميركا اللاتينية لإخضاع “الدول المتمردة” داخل ما تعتبره واشنطن حديقتها الخلفية.
-يعتبر خبراء عسكريون أن ما تحشده الولايات المتحدة من قوى عسكرية لا يوحي أن الأمر مقتصر على عصابات تهريب مهما اشتد شأنها. فتحدثت المعلومات عن نشر نحو 10 آلاف جندي أميركي، إضافة إلى نشر قطع بحرية عسكرية، في مقدمها بوارج حربية وطائرات “بي-52″، بما يؤشر إلى أن الأمر لن يقتصر على رسائله الاستعراضية وأن الأمر يشي بغزو واسع.
-تضيف المعلومات أن لندن استفادت مما ظهر داخل الولايات المتحدة نفسها من شكوك بالحملة العسكرية التي يُحضر لها إلى درجة أن قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، الأدميرال ألفين هولسي، عرض الاستقالة خلال اجتماع متوتر في اكتوبر 2025 مع وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة بعد أن أثار أسئلة حول شرعية الضربات. وتقول المعلومات أن هولسي سيترك منصبه في ديسمبر 2025، بعد عام واحد فقط من توليه منصبه.
-أشارت معطيات إلى أن بريطانيا ليست الدولة الوحيدة التي تتحفّظ على السلوك الأميركي، كاشفة أن كندا، التي ساعدت خفر السواحل الأمريكي في اعتراض مهربي المخدرات المشتبه بهم في الكاريبي، أوضحت للولايات المتحدة أنها لا تريد استخدام معلوماتها الاستخباراتية للمساعدة في استهداف القوارب بضربات قاتلة.
-في 11 نوفمبر 2025، وفي هذا السياق أيضا، قال الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إنه أمر بشكل مشابه قوات الأمن في بلاده بتعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الوكالات الأمنية الأمريكية حتى تتوقف الهجمات في الكاريبي.
خلاصة:
**أوقفت بريطانيا مشاركة المعلومات بشأن قوارب الكاريبي، ما يكشف رفض لندن التورّط في خطط أميركية سياسة في أميركا اللاتينية تتجاوز إطار مكافحة الإرهاب.
**يُعد هذا التعليق خطوة غير مسبوقة في تاريخ “العلاقة الخاصة” بين البلدين، مما يشير إلى تمزق في الشراكة الاستخباراتية التي استمرت لسنوات ضمن إطار “العيون الخمس” (Five Eyes)، حيث كانت بريطانيا توفر معلومات من أراضيها الكاريبية لدعم عمليات مكافحة التهريب.
**يحرم قرار بريطانيا الولايات المتحدة من شرعية ما فوق أميركية تبرر للولايات المتحدة تحوّل مكافحة المخدرات الى حرب قد تستهدف إسقاط نظام فنزويلا وإخضاع البلدان “المتمردة” في أميركا اللاتينية.
**استفادت بريطانيا في قرارها من تشكيك داخل الولايات المتحدة بالحملة الأميركية في الكاريبي من قبل ديمقراطيين وجمهوريين، إضافة إلى خلاف بين قائد المنطقة الجنوبية والبنتاغون.
**ينضم موقف بريطانيا إلى موقف كندا التي أوقفت بدورها تعاونها في مجال ملاحقة قوارب الكاريبي احتجاجا على المعاملة القاتلة لتلك القوارب، كما الى موقف كولمبيا التي أعلن رئيسها وقف التعاون مع الولايات المتحدة في هذا المجال.
**سيسبب هذا التطوّر عزلة للولايات المتحدة في خططها لشنّ حملة عسكرية واسعة ضد فنزويلا تهدد بسقوط نظام مادورو، ويعزز جدلا أميركيا داخليا بشأن هذه الخطط.