لماذا ضغط الخليج على ترامب لوقف الحرب؟

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات -لندن
تقدير موقف :

تقديم:
برّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل هجوم ضد إيران بوصفه استجابةً مباشرة لطلب المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من غياب تفاصيل خليجية علنية بشأن طبيعة التواصل مع قادة الدول الثلاث، فإن تقارير بدأت تكشف أن موسم الحج برز عاملاً ضاغطاً أساسياً في قرار التهدئة، إلى درجة ظهور تعارض علني في المواقف بين واشنطن وتل أبيب بشأن المسار العسكري.

المعطيات:
– التسلسل الزمني للأحداث:
• في السابع عشر من مايو 2026، أشارت تقارير إلى أن قادة الخليج طلبوا من ترامب منح المفاوضات مهلة قصيرة إضافية، واعتبروا أن الإيرانيين “يتصرفون بعقلانية”. وفي اليوم ذاته، نقلت وكالة رويترز أن باكستان كانت تمارس دور الوسيط النشط مع دول الخليج والولايات المتحدة في آنٍ واحد، في محاولة لمنع الانزلاق إلى ضربات جديدة، مشيرةً إلى أن الوساطة الباكستانية تواجه ضيق وقت وأن الهدف يتغير باستمرار بين واشنطن وطهران.
• في الثامن عشر من مايو، نقلت رويترز أن باكستان سلّمت الولايات المتحدة اقتراحاً إيرانياً معدّلاً لإنهاء الحرب، وأن طهران أكدت أن وجهة نظرها وصلت إلى الجانب الأمريكي عبر إسلام آباد.
• في التاسع عشر من مايو، أعلن ترامب أنه أوقف الهجوم الذي كان مقرراً في اليوم التالي على إيران بشكل مؤقت بسبب محادثات مهمة تجري مع طهران، مؤكداً أن قادة السعودية وقطر والإمارات طلبوا منه التريث يومين أو ثلاثة أيام لأنهم يعتقدون أن التوصل إلى اتفاق بات قريباً. وأفادت تقارير بأن هذا الطلب الخليجي لم يكن تقنياً فقط، بل استند إلى اعتبارات موسم الحج بوصفه فترة حساسة دينياً وأمنياً، مع تدفق أعداد كبيرة من الحجاج إلى مكة المكرمة.
• في العشرين من مايو، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن المملكة تُقدّر عالياً تجاوب الرئيس الأمريكي بمنح المفاوضات فرصةً إضافية للتوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إنهاء الحرب واستعادة أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز كما كان عليه الوضع قبل الثامن والعشرين من فبراير 2026، ومعالجة جميع قضايا الخلاف بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها. وأضاف أن بلاده تُقدّر عالياً جهود الوساطة المستمرة لباكستان، وتتطلع إلى أن تغتنم إيران الفرصة لتجنب التداعيات الخطيرة للتصعيد، وتتجاوب عاجلاً مع الجهود المبذولة للتقدم في المفاوضات وصولاً إلى اتفاق شامل يحقق سلاماً مستداماً في المنطقة والعالم.

– الخلفية الإقليمية السابقة للأزمة:
في السابع من أبريل 2026، تحدثت تقارير عن تحذيرات أمنية أمريكية مرتبطة بموسم الحج وإجراءات سعودية مشددة تبدأ في الثامن عشر من أبريل وتستمر حتى منتصف يونيو، مما يوضح أن موسم الحج كان معروفاً مبكراً بوصفه نافذةً أمنية بالغة الحساسية. وفي الرابع والعشرين من أبريل، بدأت المملكة العربية السعودية بإعادة استقبال الحجاج الإيرانيين بصورة لافتة بعد سنوات من القطيعة، وهو تطور كشف أن مسار التهدئة الإقليمي كان قد أخذ شكلاً عملياً قبل أزمة مايو.

– موقف الإمارات:
برز موقف الإمارات لافتاً بين دول الخليج الثلاث، إذ كانت الأكثر تعرضاً للاستهدافات الإيرانية والأكثر صقورية في الدعوة للرد، ومع ذلك انضمت إلى الموقف الخليجي الموحد في طلب وقف الهجوم، وهو ما اعتُبر تعبيراً عن تماسك الموقف الخليجي وأولوية التنسيق الجماعي على الحسابات الثنائية.

– التداعيات على العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية:
كشفت المعلومات المتاحة أن ترامب تخلى عن خطط كانت قد وضعت مع إسرائيل استجابةً للضغط الخليجي والمعطيات الباكستانية، مما أسفر عن اتصال وُصف بـ”الصعب” جرى بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، تبعه تصريح للرئيس الأمريكي يقول إن نتنياهو “سيفعل ما أريد”.

التحليل:
– موسم الحج بوصفه ورقة ضغط استراتيجية:
يُجمع المراقبون على أن موسم الحج لم يكن مجرد ذريعة آنية، بل جاء فوق أرضية سياسية سبقت التصعيد الأخير وأعطت الرياض حافزاً إضافياً لعدم السماح بانفجار عسكري في وقت أكبر تجمع ديني في العالم الإسلامي. فالسعودية لا تتعامل مع موسم الحج كحدث ديني فقط، بل بوصفه اختباراً للسيادة والإدارة والسمعة العالمية. وأي ضربة أمريكية لإيران خلال هذه الفترة كانت ستضع الرياض أمام تساؤلات صعبة حول تأمين ملايين التنقلات الدينية ومنع الارتداد الأمني الذي يهدد إدارة موسم معقد حتى في أوقات السلم. وقد عزّزت عودة الحجاج الإيرانيين ضمن ترتيبات رسمية صورة الرياض بوصفها جهةً جامعة للمسلمين، مما أضفى بُعداً سياسياً إضافياً على حساباتها.

– النفوذ الخليجي داخل الإدارة الأمريكية:
يرى المراقبون أن السعودية قادت بالتشاور مع قطر والإمارات ضغوطاً خليجية مارسها زعماء الدول الثلاث الذين يتمتعون بعلاقات ممتازة وخاصة مع الرئيس الأمريكي. وقد أتاح هذا النفوذ المباشر للدول الثلاث تحقيق تأثير فعلي في القرار الأمريكي تجاوز ما كانت إسرائيل قادرة على تحقيقه في هذه اللحظة بالذات.

– المخرج المناسب لترامب:
ترى مصادر أمريكية أن واشنطن استجابت للضغوط الخليجية المرتبطة بموسم الحج التي وفّرت لترامب مخرجاً يسمح له بالاحتفاظ بالتهديد العسكري دون دفع ثمن فوري. وقد تزامنت هذه الضغوط مع ورود معطيات عبر باكستان بشأن تقدم في المحادثات ومرونة إيرانية، مما منح البيت الأبيض مبرراً إضافياً لتعليق الخيارات العسكرية واختبار نافذة تفاوضية. ويُرجّح المراقبون أن ترامب استجاب أيضاً لاعتبارات تتعلق بسمعته داخل العالم الإسلامي وعلاقاته مع دوله.

– حدود الهدنة وآفاقها:
يستبعد المراقبون تنفيذ ترامب وعيده بشن حملة عسكرية قبل انتهاء موسم الحج تماماً، إذ إن التهديد بهدنة لأيام يبدو أكثر انسجاماً مع منطق الاحتفاظ بأوراق الضغط دون استخدامها. كما يُشير تعارض المواقف العلني بين واشنطن وتل أبيب إلى أن الضغط الخليجي نجح في تغيير موازين التأثير على القرار الأمريكي، ولو مؤقتاً، على حساب الضغوط الإسرائيلية.

الخلاصات:
**يُعدّ موسم الحج عاملاً أساسياً وظّفته المملكة العربية السعودية ومعها قطر والإمارات للضغط على ترامب لوقف الهجوم العسكري المقرر ضد إيران، إذ عملت الرياض على استثمار نفوذها الديني والسياسي بوصفها خادمةً للحرمين الشريفين لمنع أي اضطراب يمس أكبر تجمع إسلامي سنوي في العالم.
** تواصل ترامب مع قادة السعودية والإمارات وقطر الذين يتمتعون بعلاقات ممتازة وخاصة معه وبنفوذ داخل إدارته، فوفّر الخليجيون له مبرراً أخلاقياً ودينياً لوقف الهجوم تصادف مع ورود معطيات من باكستان بشأن تقدم في المحادثات ووجود مرونة إيرانية تستحق حماية نافذة التفاوض.
**من المستبعد أن يُنفّذ ترامب وعيده بشن حملة عسكرية قبل انتهاء موسم الحج، فيما كشف هذا الحدث عن تمكّن الخليج من الضغط على ترامب على حساب الضغوط التي كانت تمارسها إسرائيل لاستئناف القتال، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى التأكيد علناً أن نتنياهو “سيفعل ما أريد”. وبقي موقف الإمارات لافتاً بجمعه بين كونها الأكثر تعرضاً للاستهداف الإيراني والأكثر صقورية في الدعوة للرد، ومع ذلك التزمت الموقف الخليجي الموحد في طلب وقف الهجوم، كاشفةً عن أولوية التضامن الخليجي الجماعي في لحظة القرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.