لماذا تفتح دمشق أبواب الحوار مع حزب الله؟

تقدير موقف.
وحدة الشؤون الإقليمية، مركز تقدم للسياسات- لندن- دمشق

المعطيات:
– في 2 يونيو وبداية يوليو 2026، قام وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بزيارة رسمية إلى بيروت، التقى خلالها الرؤساء الثلاثة، وبشكل خاص رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف السياسي الأبرز لحزب الله، وأكد أن دمشق “منفتحة على لقاء حزب الله إذا اقتضت المصلحة”، ولم يستبعد اللقاء مستقبلاً. وجاءت هذه الزيارة استكمالاً لمواقف الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان قد أكد في 21 يونيو 2026 أن دمشق “مستعدة للجلوس مع جميع الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، إذا كان ذلك يصب في مصلحة سوريا ولبنان”، مشدداً على رفض أي تدخل عسكري فوري في لبنان.

– وصف النائب السابق في حزب الله، نواف الموسوي، في 13 مايو 2026، الشرع بـ”الأخ أحمد الشرع”، معبراً عن توافق جزئي مع مواقفه. وتتحدث معلومات عن وساطة تركية بين دمشق والحزب، ونصيحة من أنقرة بعدم صدام سوريا مع الحزب، وفي ظل أنباء عن مساعي تقرب بين الخليج وإيران، قد لا تمانع الرياض حواراً سورياً مع حزب الله.

– تحدثت صحافة بيروت عن مبادرة سورية بشأن لبنان تقوم على دعم الدولة وتعزيز مؤسساتها وحصر السلاح وفق الطائف، غير أن هذه المعلومات لم توضح وجاهة المبادرة ومؤهلات دمشق لطرحها، فيما ينظر البعض بقلق إلى ما يشاع عنها تذكيراً بتجربة “المبادرات الأخوية” التي تحولت إلى تدخل عسكري (1976-2005). وتوقفت مصادر عند التناقض بين اقتراح الرئيس الأميركي تدخل سوريا ضد حزب الله، مع سياسة سورية تدعو إلى حوار مع الحزب.

التحليل:
• يعكس تحول الخطاب السوري نحو الانفتاح على حزب الله عدة عوامل متداخلة، يأتي في مقدمتها أولوية الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار في سوريا، حيث تمثل مرحلة ما بعد النزاع تحدياً هائلاً يتطلب استقراراً داخلياً وإقليمياً، والانخراط في مواجهة جديدة مع حزب الله في لبنان من شأنه أن يفتح جبهة إضافية تستنزف الموارد ويعقّد جهود إعادة الإعمار.
• ويرتبط بهذا الاعتراف بالترابط الجغرافي والأمني مع لبنان، إذ تدرك القيادة السورية الجديدة أن لبنان ليس مجرد جار، بل هو امتداد استراتيجي وأمني، وأي اضطراب فيه سينعكس مباشرة على الأمن السوري، خاصة في ملفات الحدود واللاجئين والتهريب.
• يضاف إلى ذلك التأثير التركي، حيث تشير المعلومات إلى أن تركيا نصحت الشرع بعدم الانخراط في أي تحرك يضعف حزب الله لأن انهياره قد يعزز النفوذ الإسرائيلي، وهذا الموقف التركي، رغم دعمه الظاهر لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، يتسق مع رغبة أنقرة في تهدئة إقليمية تمنع تعزيز النفوذ الإسرائيلي على حساب مصالحها.
• كما تسعى سوريا الجديدة من خلال هذا التوجه إلى إرسال إشارات إيجابية للمجتمع الدولي بأنها تفضل الحوار على المواجهة، مما يعزز صورتها كدولة تسعى للاندماج والتعاون الإقليمي بدلاً من الاستقطاب، خاصة في ظل سعيها لكسر العزلة الدولية وإعادة بناء علاقاتها مع الدول العربية والغربية.
• يتصل بذلك قراءة دقيقة لديناميكية التواصل مع حزب الله عبر بوابة نبيه بري، حيث يُعد لقاء الشيباني مع رئيس مجلس النواب اللبناني نقلة نوعية في العلاقات السورية مع المكون الشيعي في لبنان، إذ يجعل هذا اللقاء بمثابة قناة اتصال غير مباشرة مع الحزب تسمح بتبادل الرسائل واختبار النوايا دون الحاجة إلى لقاء مباشر قد يكون محفوفاً بتداعيات سياسية وإعلامية. وتتسق مع ذلك تصريحات الشرع والشيباني المتكررة برفض التدخل العسكري في لبنان، والتي تحمل رسالتين: الأولى طمأنة داخلية للشيعة في سوريا، والثانية رسالة إلى حزب الله بأن دمشق لا تنوي فتح جبهة جديدة، مما يخلق مناخاً مناسباً للحوار.

• على المستوى الإقليمي، ففي ظل أنباء عن مساعي تقرب بين الخليج وإيران واحتمال استضافة السعودية لقمة في هذا الصدد، قد لا تمانع الرياض حواراً سورياً مع حزب الله، بل قد ترى فيه جزءاً من عملية تهدئة إقليمية أوسع، خاصة أن روحية رباعي تركيا والسعودية ومصر وباكستان، والحوار مع إيران، تشكل عاملاً يدفع الشرع لخيار الحوار مع الحزب، حيث تنسجم هذه الديناميكية مع التوجه العام نحو خفض التوترات الإقليمية.
• غير أن هذا المسار يواجه تحديات جوهرية، أبرزها التناقض الكبير بين اقتراح الرئيس الأميركي تدخل سوريا ضد حزب الله، مع سياسة سورية لا ترفض الأمر ولا تتحفظ عليه، بل تدعو إلى حوار مع الحزب نفسه، مما يُظهر أن دمشق تمارس توازناً دقيقاً بين استرضاء واشنطن والحفاظ على خياراتها الإقليمية. ويضاف إلى ذلك القلق اللبناني الموروث من تجربة “المبادرات الأخوية” في عهد الأسد الأب، والتي تحولت إلى تدخل عسكري مباشر استمر ثلاثة عقود، وهذا الإرث الثقيل يلقي بظلاله على أي تحرك سوري تجاه لبنان، مهما كانت نواياه، ويتطلب جهوداً مكثفة لبناء الثقة وطمأنة الأطراف اللبنانية كافة، لا سيما في ظل غياب وضوح حول مضمون المبادرة السورية وقدرتها على حشد توافق لبناني، وفي ظل ضعف مؤهلات النظام السوري نفسه، المنشغل بإنعاش بلاده داخلياً.
• إن الخطاب السوري الجديد تجاه حزب الله وإن كان يحمل إشارات إيجابية ورغبة حقيقية في التهدئة، فإنه يظل محكوماً بمعادلة معقدة بين المصالح السورية الداخلية، والحسابات الإقليمية، والمخاوف اللبنانية المشروعة، والضغوط الدولية المتناقضة.

الخلاصات:
أولاً: تهدف زيارة الشيباني وتصريحات الشرع إلى طمأنة لبنان والشيعة وحزب الله بعدم وجود نية للتدخل العسكري، مع التأكيد على احترام السيادة اللبنانية، وقد كرر الشيباني استعداد سوريا للحوار مع الحزب إذا كان ذلك لمصلحة البلدين.
ثانياً: استهدف لقاء الشيباني-بري فتح صفحة جديدة مع بري كحليف سياسي أول لحزب الله، مما شكل مدخلاً عملياً للحوار غير المباشر مع الحزب.
ثالثاً، تشير تصريحات الموسوي إلى وجود أجواء داخل حزب الله منفتحة على الحوار مع دمشق، مما يعزز فرص نجاح أي مسار حوار مستقبلي.
رابعاً، تتحدث المعلومات عن وساطة تركية ونصيحة بعدم صدام سوريا مع الحزب، مما يشير إلى تنسيق سوري-تركي في الملف اللبناني.
خامساً، في ظل مساعي تقرب بين الخليج وإيران، قد لا تمانع الرياض حواراً سورياً مع حزب الله، بل قد ترى فيه جزءاً من تهدئة إقليمية أوسع.
سادساً، يبرز تناقض بين دعوة ترامب لتدخل سوريا ضد حزب الله، وموقف سوريا الداعي للحوار، مما يعكس تعقيد التوازنات السورية بين واشنطن والخيارات الإقليمية.
سابعاً، يظل القلق اللبناني من تكرار تجربة المبادرات التي تحولت إلى تدخل عسكري عقبة رئيسية تتطلب جهداً لبناء الثقة.
أخيراً، يعكس التحول في الخطاب السوري إدراكاً استراتيجياً بأن الاستقرار في لبنان جزء من الاستقرار السوري، وأن الحوار، رغم تعقيداته، هو السبيل الأنجع لتحقيق المصالح المشتركة في مرحلة إقليمية تتسم بالتغير والتهدئة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.