لماذا تسرّب إدارة ترامب مضامين اتصالاته مع نتنياهو؟

ورقة سياسات.

أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات – لندن

تقديم: دأبت إدارة ترامب في الفترة الأخيرة على تسريب مقاطع من اتصالات ترامب ونتنياهو، بما في ذلك التشديد على مضمون الاتصالات وأسلوبها. إذ حذر الرئيس ترامب نتنياهو من مغبة شن الجيش الإسرائيلي غارة مكثفة على إيران قد تدفع إلى التدهور نحو حرب واسعة، بما في ذلك الضغط على الولايات المتحدة للانخراط فيها، بدلاً من احتمالية توقيع اتفاقية إطار لإنهاء الحرب بين طهران وواشنطن، والتي يصفها ترامب بالوشيكة.

وفقاً لترامب، فقد ألزم نتنياهو بوقف الغارة الوشيكة على إيران يوم 7 حزيران، وأعلن أنه هو صاحب القرار وليس نتنياهو، وأن الأخير ينفذ ما يقرره. ثم أضاف عبارته التي أربكت المشهد الإسرائيلي بقوله: “كن حذراً فيما تفعل، لأنه إذا استمريت هكذا، فستبقى قريباً جداً وحيداً مع إيران”. إذ تدرك إدارة ترامب أن إسرائيل غير قادرة بمفردها على تحقيق إنجازات عسكرية لم تنجح الحرب الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة في تحقيقها على مدار أربعين يوماً.

وسبق هذه المحادثة الهاتفية بين الرجلين الاتصال الذي جرى في 3 حزيران، أو ما جرى تداوله باعتباره “محادثة الصراخ”، حين حذر ترامب نتنياهو من استهداف العاصمة اللبنانية بيروت. كما أعاب عليه ما اعتبره نكراناً للجميل، مشيراً إلى أن الأخير لولا مساعدة ترامب لكان في السجن، في إشارة إلى الضغوط التي يمارسها ترامب لمنح نتنياهو عفواً رئاسياً وإلغاء محاكمته في ملفات الفساد. ليتابع ترامب كلامه قائلاً: “… الجميع يكرهك الآن، الجميع يكره إسرائيل بسببك”.

في القراءة:

من البديهي أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب دولة إسرائيل ومصالحها العليا وفقاً لما تراه الإدارة الأمريكية صحيحاً، ولم ولن تتخلى عن الدعم شبه المطلق لإسرائيل. إلا أن ذلك لا ينسحب بالضرورة على موقف ترامب من نتنياهو، إذ بات هناك تباعد واضح بين أولويات إدارة الأول وحكومة الثاني. وقد بدأ هذا التباعد بعد إخفاق الضربة الأولى للحرب المشتركة على إيران في 28 شباط في تحقيق أهم أهدافها المتمثلة في تقويض النظام الإيراني من خلال حرب ساحقة وسريعة ومباغتة. وكلما امتد أمد الحرب وابتعدت عن احتمالات الحسم، وانتقلت إلى حرب الطاقة ومضيق هرمز، اتسعت الهوة بين الطرفين.

عانى ترامب سياسياً على مستوى الرأي العام الأمريكي وداخل حزبه، ولا سيما من تيار “أمريكا أولاً”، بسبب الفرضية السائدة بأنه أذعن لنتنياهو وانجر إلى الحرب على إيران استناداً إلى معلومات استخبارية إسرائيلية لا تتطابق مع تقديرات المؤسسات الأمريكية. وقد تراجعت شعبيته إلى أدنى مستوى منذ بداية ولايته، بما يهدد قدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بسيطرته على الكونغرس.

واتسم تراجع شعبية ترامب بتعمق الفجوة في الأولويات بينه وبين نتنياهو، ولا سيما في الملفين الإيراني واللبناني. وفي المقابل، وفي أعقاب إعلان ترامب وقف إطلاق النار في الخليج ولبنان وتمديده عدة مرات، ارتفع منسوب التذمر الإسرائيلي من إذعان نتنياهو أمام هيمنة ترامب على مفاتيح القرار الإسرائيلي، وفقاً لما أعلنه ترامب نفسه عندما أكد أنه صاحب القرار وعلى نتنياهو التنفيذ. كما أولى ترامب اهتماماً كبيراً لمساعيه الرامية إلى دحض الرواية السائدة بأنه خاض حرب الآخرين ضد إيران. وفي المقابل، بدأ يستعيد جزءاً من مكانته بعد استقرار الأسواق العالمية، ولا سيما أسعار الطاقة، نتيجة إدارته لملف هرمز وإيحائه بإمكانية إنهاء الحرب مع إيران.

– الإعلام الإسرائيلي: حرب “اليوم الواحد” كارثية بالنسبة لنتنياهو:
في مراجعة لمعظم وسائل الإعلام الإسرائيلية في اليوم التالي لإيقاف ترامب الحرب التي كادت أن تتدحرج بين إيران وإسرائيل، وحرصه على النأي بالولايات المتحدة عن التورط المباشر فيها، برز إجماع على أن ترامب هو من استعاد مكانته بوصفه “مانع الحروب”. في المقابل، حققت إيران خلال يوم واحد، وفقاً لهذه القراءة الإسرائيلية، إنجازات استراتيجية مست معادلات الردع والإمساك بزمام المبادرة في التحركات العسكرية ذات البعد الاستراتيجي، وأسهمت في تغيير بعض قواعد الردع السائدة في المنطقة.

كما عززت إيران، وفقاً للإعلام الإسرائيلي، موقعها التفاوضي أمام إدارة ترامب، بما يجعل احتمالات التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب أقرب وأسرع فيما يتعلق بالملفات الإيراني واللبناني والإقليمي. كذلك اتهمت وسائل الإعلام الإسرائيلية المركزية، بما فيها “يسرائيل هيوم” و”واينت”، سياسة نتنياهو بأنها حققت ما لا تريده إسرائيل، أي إعادة الاعتبار لوحدة الساحات وربط الملف اللبناني بالمفاوضات الأمريكية–الإيرانية التي أُبقيت إسرائيل خارجها.

في هذا السياق، اعتبر الصحفي يوسي فيرتر في صحيفة هآرتس بتاريخ 9 حزيران أن تدهور العلاقات مع ترامب يشكل تطوراً كارثياً بالنسبة لنتنياهو وحزب الليكود في إدارة معركتهما الانتخابية الحاسمة. ويأتي ذلك على النقيض من الخطة الأصلية التي سعى إليها نتنياهو، والقائمة على حضور ترامب إلى إسرائيل ومنحه جائزة إسرائيل، بما يكرس صورة التحالف بينهما ويساعد نتنياهو على تأمين دورة جديدة في رئاسة الحكومة.

كما رأى فيرتر أن غياب مساندة ترامب، إلى جانب عدم وجود حرب مستدامة يمكن أن تشكل ذريعة لتأجيل الانتخابات أو إلغائها، يضعف بصورة كبيرة فرص بقاء نتنياهو في منصبه.

في السياق ذاته، وصف الإعلامي رونين بيرغمان في موقع “واينت” الجولة الأخيرة من المواجهة بأنها بمثابة هزيمة كارثية، معتبراً أن الأزمة كان يمكن لإسرائيل احتواؤها، وأن موقف نتنياهو لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل إحراجاً استراتيجياً. وقد أخفقت رهانات نتنياهو، إذ فشلت إسرائيل تحت قيادته في تجديد الحرب، وفشلت في جر الولايات المتحدة إلى صراع أوسع، وأعادت ربط لبنان بإيران، وسمحت للإيرانيين بأن تكون لهم الكلمة الأخيرة، وقد تجد نفسها في نهاية المطاف أمام اتفاق أمريكي–إيراني تعارضه إسرائيل.

أشار بيرغمان إلى ما بات حديث الساعة في الرأي العام الإسرائيلي، والمقصود بذلك أن يوماً واحداً كان كافياً لإظهار “حدود القوة الإسرائيلية”، وعمق اعتمادها على الولايات المتحدة، وقدرة إيران على صياغة معادلة إقليمية جديدة، فضلاً عن الفجوة بين رغبة إسرائيل في التصعيد وعدم رغبة الولايات المتحدة في السماح بحرب شاملة.

– العلاقة بالانتخابات الإسرائيلية:
على مدى سنوات طويلة، استند نتنياهو إلى الملف الإيراني باعتباره رافعة سياسية أساسية لضمان بقائه في الحكم. وقد تحسنت حظوظه السياسية بصورة ملموسة بعد جولة الحرب في لبنان صيف عام 2024، وما رافقها من ضربات موجعة لحزب الله وتصفية عدد من قياداته، ثم تعززت أكثر بعد الجولة الأولى من الحرب ضد إيران في صيف عام 2025، حيث بلغت شعبيته مستويات قياسية عكستها استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية.

كما أن نجاحه منذ عام 2015 في قيادة حملة دولية لتقويض الاتفاق النووي مع إيران في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك اوباما، ثم تحقيق هذا الهدف خلال الولاية الأولى لترامب، شكل أيضاً إحدى أهم ركائز قوته السياسية مقارنة بمنافسيه.

في المقابل، ومنذ وقف إطلاق النار مع إيران بقرار أمريكي عقب حرب الأربعين يوماً، وبالتوازي مع وقف إطلاق النار الجزئي في لبنان الذي اعتبره الجيش قيداً على تحركاته، تتسع القناعة داخل الرأي العام الإسرائيلي، ولا سيما بين سكان الشمال، بأن مستوى الأمن والأمان قد تراجع بصورة جوهرية. وقد عززت المواجهة الأخيرة مع إيران، رغم قصر مدتها، هذه القناعة لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين.

وفي حال نجح ترامب في منع نتنياهو من الالتفاف على قراراته المتعلقة بعدم تجديد الحرب، فإن قضية إذعان نتنياهو للرئيس الأمريكي ستتقدم إلى واجهة الانتخابات الإسرائيلية. كما سيعود إلى الواجهة إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بوصفه أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل، وهو الملف الذي سعى نتنياهو إلى إبعاده عن النقاش العام.

في الوقت نفسه، فإن وقف الحرب يسحب من نتنياهو ذريعة تأجيل الانتخابات أو إلغائها بحجة الوضع الأمني، ما يضعه أمام مأزق سياسي تتقلص فيه هوامش المناورة التي طالما أتقن استخدامها.

يحظى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشعبية واسعة داخل الرأي العام الإسرائيلي تفوق ما يتمتع به نتنياهو. كما أن ترامب، بخلاف نتنياهو، يطرح نفسه باعتباره معنياً بإنهاء الحروب في إيران ولبنان، وحتى في غزة وفق رؤيته الخاصة، ويقدم للإسرائيليين أفقاً سياسياً. وفي المقابل، تتراجع شعبية نتنياهو، ويتراجع معها مستوى الرضا عن أهليته لرئاسة الحكومة وقدرته على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة.

كما بات التوتر بينه وبين المؤسسة العسكرية مرئياً بصورة متزايدة، وأصبح الجيش يسرّب تقديراته وتوصياته المخالفة للقرار السياسي الذي يتخذه نتنياهو.

– هل الإدارة الأمريكية معنية ببقاء نتنياهو في الحكم؟:
يبدو أن تكرار تسريب مضمون الاتصالات بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي وأسلوب إدارتها يشير إلى نهج أمريكي يهدف إلى إضعاف موقع نتنياهو السياسي، وربما الدفع تدريجياً نحو استبعاده من السلطة. وتملك الولايات المتحدة أدوات عديدة للتأثير في الرأي العام الإسرائيلي، وتُعد هذه التسريبات إحدى هذه الأدوات، إذ تسهم في تكريس صورة نتنياهو باعتباره زعيماً ضعيفاً ومذعناً لواشنطن، ومغامراً بالأمن القومي الإسرائيلي وبمصالح الولايات المتحدة.

وتبدو الإدارة الأمريكية معنية برئيس وزراء إسرائيلي ينسجم مع أولوياتها الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بقبول أفق سياسي للملفات الإيراني واللبناني والفلسطيني، وعدم جرّ الولايات المتحدة إلى صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. وهو ما لا ترى أن نتنياهو وائتلافه الحاكم قادران على توفيره في المرحلة الحالية.

في الخلاصة:

* التسريبات الأمريكية المتكررة لمحادثات ترامب ونتنياهو موجهة إلى الرأي العام الأمريكي للتأكيد أن إدارة ترامب لن تخوض “حروب الآخرين”، كما أنها موجهة بصورة خاصة إلى الرأي العام الإسرائيلي، متجاوزة نتنياهو نفسه، بما يضعفه سياسياً ويحرجه أمام جمهوره. ويبدو أنها تعبر عن مسعى أمريكي منهجي للضغط من أجل تغيير في القيادة السياسية الإسرائيلية بما ينسجم مع الأولويات الأمريكية الإقليمية.

* الولايات المتحدة ملتزمة بأمن إسرائيل ودعمها الاستراتيجي في مختلف الظروف، إلا أن الجديد يتمثل في اتساع الفجوة بينها وبين نتنياهو وائتلافه الحاكم، وعدم اقتناعها بأن سياساته تخدم المصالح الأمريكية أو حتى المصالح الإسرائيلية بعيدة المدى.

* شكلت جولة المواجهة القصيرة مع إيران نقطة تحول أقرب إلى الإحراج الاستراتيجي لإسرائيل، وبرزت داخل الإعلام والسياسة الإسرائيليين حالة واسعة من تحميل نتنياهو مسؤولية تدهور موقع إسرائيل الإقليمي والدولي، ولا سيما في علاقتها مع واشنطن.

* شكلت هذه المواجهة نقطة تحول في مساءلة نتنياهو شعبياً وإعلامياً بشأن حدود القوة الإسرائيلية القائمة على الحرب المستدامة وإغلاق أي أفق سياسي. ومع ذلك، لا تزال هذه التحولات غير مكتملة، في ظل غياب بديل سياسي واضح داخل المعارضة الإسرائيلية.

* أي تفاهم أمريكي–إيراني شامل من شأنه أن يضعف موقع نتنياهو السياسي ويعزز احتمالات نهاية حقبته في الحكم.

* لا تزال لدى نتنياهو مساحات مناورة مهمة في ملفات غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وهي ملفات تجعل من السابق لأوانه الجزم بأن نهاية حكمه أصبحت أمراً محسوماً، خاصة في ظل استمرار الانزياح اليميني العميق داخل المجتمع الإسرائيلي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.