لماذا تدخّل ترامب لوقف الهجوم الواسع على “الضاحية”؟
تقدير موقف – مركز تقدّم للسياسات، لندن
تقديم : في تطوّرٍ لافت، تحرّك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحزمٍ تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عبر اتصالٍ هاتفي أثار جدلاً واسعاً، بهدف وقف هجماتٍ موسّعة كانت إسرائيل قد جهّزت لها على الضاحية الجنوبية لبيروت بعد إصدارها أوامر إخلاءٍ للسكان. وقد فتحت التسريبات المتعلقة بهذا الاتصال، إلى جانب حديث ترامب عن تواصلٍ مع حزب الله عبر وسطاء، باب التساؤل حول حقيقة دوافع هذا التدخّل وملابساته والأطراف التي شاركت في صناعته.
المعطيات:
في الأول من مايو 2026، أعلن ترامب أنّ إسرائيل وحزب الله توصّلا إلى وقفٍ لإطلاق النار، كاشفاً عن قناةٍ غير مباشرة جمعته بالحزب عبر وسطاء. جاء هذا الإعلان ليكبح تصعيداً خطيراً كانت إسرائيل تستعدّ لتنفيذه في الضاحية، عقب نجاح قواتها في التوغّل البرّي وتجاوز نهر الليطاني.
ونشر ترامب على منصّته “تروث سوشال” أنّ نتنياهو التزم خلال مكالمةٍ وصفها بـ”المثمرة للغاية” بعدم الدفع بقوات نحو بيروت، مؤكداً أنّ أيّ وحداتٍ كانت في طريقها قد ارتدّت أصلاً، وأنّ اتصالاً “جيداً جداً” أُجري مع حزب الله عبر وسطاء انتهى بموافقة الحزب على وقف عمليات إطلاق النار كافة.
في المقابل، أوردت “أكسيوس” نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصدرٍ ثالث مطّلع على فحوى المكالمة أنّ ترامب نعت نتنياهو بـ”المجنون”، وأخذ عليه عدم تقديره للدعم الأميركي.
وفي الثلاثين من مايو، جمع ترامب فريقه للأمن القومي في “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض، وحضر الاجتماع وزير الخارجية روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس، لبحث الملف الإيراني، وكان ترامب قد أعلن عشيّته أنّ الغاية هي “اتخاذ قرارٍ نهائي”. وأفاد مسؤول في البيت الأبيض بأنّ اللقاء امتدّ نحو ساعتين، مجدداً التأكيد أنّ ترامب لن يوقّع أيّ تفاهمٍ ما لم يخدم المصلحة الأميركية ويستجِب لخطوطه الحمراء، وفي مقدّمتها ألّا تمتلك إيران سلاحاً نووياً تحت أيّ ظرف.
وقرأ محللون في غياب أيّ قرارٍ عن الاجتماع مؤشراً إيجابياً، ما دام ترامب قد امتنع عن التعليق ولم يبدِ أيّ تحفّظ على الورقة الإيرانية أو يرفضها، مرجّحين أنّ الرئيس وفريقه خلصا إلى أنّ طهران قدّمت تنازلاتٍ استحقّت اجتماعاً بهذا الطول.
وفي الحادي والثلاثين من مايو، لم يصدر عن ترامب قرارٌ حاسم، بل اكتفى بالقول إنه أدخل تعديلاتٍ على الورقة الإيرانية وأعادها إلى طهران من دون توجيه أيّ نقدٍ لمضمونها، مكرّراً أنّ “إيران تريد إبرام اتفاق”.
وتفيد معطياتٌ باكستانية بأنّ طهران بادرت فعلاً إلى تنازلاتٍ تستجيب لمطلب ترامب الجوهري المتمثّل في الحيلولة دون امتلاكها قنبلةً نووية، عبر القبول بإجراءاتٍ تخصّ تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون عالي التخصيب، فيما قابلتها واشنطن بتنازلاتٍ تتعلّق بالإفراج عن الأرصدة المجمّدة وتخفيف العقوبات ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
وترى مصادر أنّ إخراج الاتفاق يقتضي صياغاتٍ دقيقة تُقدّمه بوصفه “انتصاراً” قابلاً للتسويق داخلياً لدى الأميركيين والإيرانيين على السواء، وأنّ ترامب طلب تعديلاتٍ لغوية تُبرز موقفاً إيرانياً واضحاً يتيح له “بيع” الاتفاق للرأي العام الأميركي والعالم بوصفه إنجازاً استحقّ الحرب. وتضيف هذه المصادر أنّ إيران تتمسّك بإدراج بند وقف الحرب الإسرائيلية في لبنان ضمن نصّ الاتفاق، باعتباره حاجةً داخلية تؤكّد من خلالها أنها لم تتخلَّ عن أذرعها الإقليمية.
التحليل:
تذهب مصادر دبلوماسية إلى أنّ تدخّل ترامب الشخصي لوقف الهجوم المرتقب على الضاحية الجنوبية لبيروت استند إلى جملة عوامل متشابكة:
أولاً، تثبيت بند وقف حرب لبنان داخل الاتفاق مع إيران: يحرص ترامب على تذليل أيّ عقبةٍ قد تعرقل التفاهم النووي، وكانت الحرب على لبنان من أبرز هذه العقبات. ووقفُ التصعيد على الضاحية يمهّد لإدراج وقف الحرب اللبنانية بنداً ضمن الاتفاق المرتقب، بما يلبّي مطلباً إيرانياً داخلياً وازناً.
ثانياً، إظهار أنّ واشنطن وحدها قادرة على وقف الحرب: يبعث ترامب عبر هذا التحرّك برسالةٍ إلى طهران مفادها أنّ الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على لجم الحرب الإسرائيلية المدمّرة على أحد أذرع إيران وبيئته الحاضنة، وأنّ التفاهم مع واشنطن هو السبيل الوحيد لضبط السلوك الإسرائيلي.
ثالثاً، تذكير إسرائيل ونتنياهو بحدود الهامش المتاح: يعيد ترامب التأكيد لإسرائيل، ولنتنياهو تحديداً، أنّ مساحة التحرّك العسكري تتوقّف عند الإرادة الأميركية وقراره الشخصي في الملفّين الإيراني واللبناني، في رسالةٍ حازمة بأنّ واشنطن هي من ترسم مسار الصراع وسقفه.
رابعاً، إنقاذ المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي المباشر: كان مقرّراً عقد الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في الثاني والثالث من مايو 2026 بواشنطن، وقد نقلت السفارة الأميركية في بيروت أنّ لبنان يتّجه إلى تعليقها لتعذّر إجرائها في ظلّ عمليةٍ عسكرية كبرى على الضاحية. ومن ثمّ، فإنّ تدخّل ترامب أنقذ هذه المفاوضات وأبقى الباب مفتوحاً لاستمرارها.
خامساً، تضافر جهودٍ إقليمية في خفض التصعيد: لم يكن تحرّك ترامب منفرداً، بل ترافق مع حراكٍ دبلوماسي مكثّف شمل وساطةً قطرية نشطة واتصالاتٍ من عواصم كالرياض والقاهرة، نجحت مجتمعةً في تهدئة التصعيد والعودة إلى قواعد اشتباكٍ تُبقي جنوب لبنان مسرحاً للعمليات من دون توسيعها لتطال العاصمة.
سادساً، التمهيد لوقفٍ شامل لإطلاق النار: ثمّة رهانٌ على أن تُفضي المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية إلى قرار وقفٍ شامل لإطلاق النار، قد يسنده التفاهم الأميركي–الإيراني الذي لمّح ترامب إلى إبرامه في الأسبوع التالي. ويتقاطع داخل هذا المشهد جملةٌ من التحوّلات والإكراهات التي سيفرزها الاتفاق، إذ تنضبط إسرائيل بالإرادة الأميركية فيما يتّسع هامش المناورة أمام دول المنطقة في هندسة الواقع الجديد.
الخلاصة:
– عكس تدخّل ترامب لوقف الهجوم على بيروت والضاحية الجنوبية قدرته المتجدّدة على فرض الأجندة الأميركية بحزمٍ على إسرائيل وعلى نتنياهو شخصياً.
– يرجَّح أنّ تسريب واشنطن لأجواء غضب ترامب من نتنياهو خلال الاتصال يستهدف الداخل الأميركي، لا سيّما قياداتٍ جمهورية داعمة لإسرائيل كليندسي غراهام وتيد كروز، للتأكيد أنّ ترامب هو المرجع الأول في إدارة العلاقة مع إسرائيل وفي الدفاع عن المصالح الأميركية.
– يحمل التسريب رسالةً إلى الداخل الإسرائيلي في ذروة حملة انتخابات الكنيست المقبلة، توحي بإحباط ترامب من نتنياهو وبعدم اعترافه بفضل حمايته من الملاحقة بتهم الفساد، بما يترك لدى الناخبين والمعارضة انطباعاً بأنّ ترامب ليس بالضرورة سنداً لنتنياهو.
– يتقاطع تدخّل ترامب لوقف التصعيد في لبنان مع بندٍ محتمل في الاتفاق الأميركي–الإيراني يربط وقف الحرب في لبنان بإنجاز الاتفاق مع إيران، فيلبّي مطلباً إيرانياً شكلياً مقابل مطالب شكلية لترامب تتّصل بصياغة النصّ.
– يأتي هذا التدخّل داعماً للمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة ومنقذاً لها، وممهّداً لاحتمال صدور وقفٍ شامل لإطلاق النار رسمياً عن لبنان وإسرائيل.
أخيراً، فإنّ تدخّل ترامب وفريقه، إلى جانب الوساطة القطرية والاتصالات الدبلوماسية الإقليمية، نجح في خفض التصعيد والعودة إلى قواعد اشتباكٍ تُبقي جنوب لبنان مسرحاً للعمليات العسكرية.