لماذا تتدهور علاقات واشنطن-مسقط؟ ترامب يهدد بـ”تفجير” عُمان

تقدير موقف – مركز تقدم للسياسات، لندن

تقديم:
يمثّل تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسلطنة عُمان رأس جبل الجليد الذي يشوب علاقات البلدين منذ بداية ولايته الحالية في البيت الأبيض. ويأتي التهديد ليُضاف إلى حالات تجاهل وتباعد سجّلها المراقبون بين العاصمتين، لا سيما منذ اندلاع الحرب الأخيرة الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فما الذي يقف خلف تراجع علاقات لطالما وُصفت بالتاريخية والتقليدية والممتازة بين البلدين؟

أولاً: المعطيات:
• في السابع والعشرين من مايو 2026، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً دولياً كبيراً خلال اجتماع للحكومة حين هدّد بـ”تفجير” عُمان إذا لم “تتصرف” كما ينبغي في سياق التوترات حول مضيق هرمز. وجاء ذلك رداً على تقارير عن مناقشات بين إيران وعُمان حول فرض رسوم أو إدارة مشتركة للمرور في المضيق، إذ قال ترامب: “المضيق مياه دولية، ولن يسيطر عليه أحد… وعُمان ستتصرف مثل الجميع، وإلا سنضطر إلى تفجيرهم. إنهم يفهمون ذلك”. وأثارت هذه التصريحات صدمةً لأن عُمان حليف تقليدي للولايات المتحدة.
• في خلفية هذا التهديد، سلسلة من التحركات الدبلوماسية. ففي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من أبريل 2026، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مسقط في أول زيارة خليجية له بعد اندلاع التصعيد الأمريكي الإسرائيلي في الثامن والعشرين من فبراير 2026، والتقى السلطان هيثم بن طارق ووزير الخارجية بدر البوسعيدي، وناقش الأمن في مضيق هرمز والمياه الخليجية وجهود إنهاء النزاع مع واشنطن، مؤكداً أن الوجود العسكري الأمريكي يزيد من انعدام الأمن، وداعياً إلى إطار أمني إقليمي خالٍ من التدخلات الخارجية.
• في ملف العلاقة المباشرة مع واشنطن، زار وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي واشنطن في السابع والعشرين من فبراير 2026، أي بعد انتهاء جولة مفاوضات إيرانية أمريكية في جنيف وقبل يوم من بدء الحرب، والتقى نائب الرئيس جي دي فانس. ودافع في مقابلات إعلامية أمريكية عن الدبلوماسية، معتبراً أن صفقة السلام ممكنة، وأعرب بعد الضربات عن أسفه، مؤكداً أن الحرب ليست من صنع إيران. وقد اعتبرت تحليلات أمريكية أن مواقف الوزير العماني غادرت موقع الحياد وبدت منحازة لطهران ومدافعة عن الطرف الإيراني، ما أغضب الإدارة الأمريكية.
• أما الخلفية البنيوية لهذا التوتر، فترتبط بتغييرات أعقبت وفاة السلطان قابوس في يناير 2020. فبينما حافظ السلطان هيثم بن طارق على “الحياد الإيجابي”، شدّد على التوازن مع إيران مع تراجع في الانفتاح على إسرائيل. ففي عهد قابوس، ساهمت عُمان في عهد الرئيس باراك أوباما في تنظيم قناة تفاوض أمريكي إيراني في مسقط كانت وراء التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، كما استضافت زيارة نتنياهو عام 2018. أما في عهد السلطان هيثم، فرفضت عُمان الانضمام لاتفاقيات إبراهيم، وسُجّلت قرارات برلمانية عام 2023 متشددة تجاه إسرائيل، مع تأكيد البوسعيدي على الرضا بالمستوى الحالي دون تطبيع كامل.
• تُضاف إلى ذلك ترجيحات بأن واشنطن استاءت من اشتباه بوجود طرق تهريب بين عُمان وجماعة الحوثي في اليمن، وتقديم مسقط خدمات لطهران للالتفاف على العقوبات. وأخيراً، ورغم تعرّض عُمان (ميناء صلالة وميناء الدقم) كبقية دول الخليج لقصف أثناء الحرب على إيران، لم تتهم البيانات العمانية إيران، فيما أعلن المرشد مجتبى خامنئي أن إيران ليست وراء قصف عُمان وتركيا، متهماً إسرائيل بالمسؤولية.

ثانياً: التحليل:
– التهديد بوصفه عرضاً لأزمة بنيوية لا حدثاً عابراً:
لا يمكن قراءة تهديد ترامب بـ”تفجير” عُمان حدثاً منفصلاً أو زلة لفظية، بل بوصفه التعبير الأكثر فجاجة عن تراكم توترات بنيوية سبقت الحرب الأخيرة. فالعنف غير المعهود في الخطاب الأمريكي تجاه حليف تقليدي، وفي ملف لا يتجاوز مناقشات تنسيقية نفتها مسقط رسمياً، يكشف أن المسألة أعمق من مضيق هرمز ذاته. فالمضيق هو المناسبة لا السبب، والسبب الحقيقي يكمن في تحول جوهري في موقع عُمان من المنظومة الأمريكية في المنطقة.
– اصطدام المشروعين: التطبيع مقابل الحياد.
يكمن جوهر الأزمة في اصطدام مشروعين متعارضين. فترامب يقود مشروعاً يقوم على اعتبار التطبيع مع إسرائيل معياراً لقياس ولاء دول المنطقة، وقد بلغ هذا المنطق ذروته في وصفه التطبيع بأنه “إلزامي”. وفي المقابل، تتمسك عُمان بعقيدة الحياد ورفض التطبيع الكامل، وهو ما يجعلها في نظر إدارة ترامب خارج الاصطفاف المطلوب. وبهذا، فإن استياء واشنطن من مسقط ليس استثناءً، بل تطبيقاً لمنطق عام يقسّم المنطقة بين مَن ينخرط في مشروع التطبيع ومَن يتحفظ عليه.
– تراجع الوساطة العمانية وإعادة توزيع الأدوار:
من أبرز التداعيات الاستراتيجية لهذا التدهور تراجع دور الوساطة العمانية التقليدية الذي شكّل لعقود رصيد مسقط الأهم في علاقتها بواشنطن. فمع فقدان عُمان لثقة الإدارة الأمريكية، انتقلت أدوار الوساطة في الملف الإيراني إلى قنوات بديلة، أبرزها القناتان الباكستانية والقطرية. وهذا التحول لا يمسّ عُمان وحدها، بل يعكس إعادة توزيع للأدوار الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب، إذ تكافئ واشنطن من يصطف مع مشروعها وتُقصي من يتمسك باستقلاليته، ولو على حساب علاقة تاريخية ممتدة.
– أبعاد إضافية: التهريب والالتفاف على العقوبات.
تتقاطع مع البعد السياسي أبعادٌ أمنية واقتصادية تعمّق الأزمة، تتمثل في اشتباه واشنطن بوجود قنوات تهريب بين عُمان والحوثيين، وخدمات يُرجَّح أن مسقط تقدّمها لطهران للالتفاف على العقوبات. وأياً تكن دقة هذه الاشتباهات، فإنها تكشف أن واشنطن باتت تنظر إلى عُمان لا بوصفها وسيطاً محايداً، بل طرفاً يميل إلى المحور الإيراني، وهو تحول جذري في الإدراك الأمريكي لدور السلطنة.

ثالثاً: الخلاصات
**يكشف تهديد ترامب بـ”تفجير” عُمان، رغم تأكيد مسقط احترامها للقوانين الدولية وعدم وجود خطط لتغيير قواعد المرور في المضيق، عن أزمة بنيوية عميقة في العلاقات تتجاوز ملف هرمز الذي كان مناسبة التهديد لا سببه الحقيقي.
**تعتبر واشنطن أن عُمان غادرت موقع الحياد التقليدي، وبدت من خلال مواقف وزير خارجيتها منحازة لطهران وداعمة للمواقف الإيرانية، وهو ما حوّل الإدراك الأمريكي لدور السلطنة من وسيط محايد إلى طرف مائل للمحور الإيراني.
**يمثّل تحول العقيدة الدبلوماسية العمانية بعد وفاة السلطان قابوس المفتاح الأعمق للأزمة، إذ انتقلت عُمان من “حياد إيجابي” يخدم الطرفين إلى “توازن” أكثر ميلاً نحو طهران وتحفظاً تجاه إسرائيل.
**يكمن جوهر التوتر في اصطدام مشروع ترامب التطبيعي، الذي يعتبر التطبيع معياراً للولاء، بعقيدة عُمان الرافضة للتطبيع الكامل والمنضوية تحت قرارات برلمانية متشددة تجاه إسرائيل منذ 2023.
**تعمّق الأزمةَ اشتباهاتٌ أمنية واقتصادية تتعلق بقنوات تهريب مرجّحة بين مسقط والحوثيين، وخدمات للالتفاف على العقوبات الإيرانية، عزّزها امتناع عُمان عن اتهام إيران بقصف موانئها رغم تعرضها له كبقية دول الخليج.
**يضع هذا التدهور عُمان أمام معادلة دقيقة: فالحفاظ على عقيدتها المستقلة يصطدم بمنطق الاصطفاف الذي تفرضه إدارة ترامب، فيما يهدد الرضوخ للضغط الأمريكي برصيدها التاريخي بوصفها وسيطاً محايداً، وهو رصيد بنته على مدى عقود ويصعب استعادته إن فُقد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.