لماذا استدعى ترامب اجتماع نيويورك الخليجي؟
تقدير موقف: مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
يُعدّ اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقادة دول مجلس التعاون الخليجي ووزراء خارجيتها في نيويورك أبرز محطة دبلوماسية في المرحلة الراهنة. فقد طلبته واشنطن لإعادة الوصل مع شركاء قلقين من توجهاتها الأمنية في المنطقة. ويُنتظر أن يرسم الاجتماع مسار الخيارات الأميركية في الحرب مع إيران والموقف الجماعي من تطورات اليمن. وتكتسب نتائجه وزناً إضافياً لانعقاده قبل يومين من القمة الأميركية الصينية.
المعطيات:
التسلسل الزمني للوقائع:
– مارس 2026: تساءل ترامب عن جدوى تحمّل بلاده عبء حماية مسارات الطاقة في الخليج. ثم بحث البنتاغون تقليص الانتشار العسكري في الكويت والسعودية ودول خليجية أخرى، ونقل أعباء الدفاع إلى الشركاء.
– سبتمبر13: سُئل ترامب عن الاجتماع الخليجي–الإيراني المرتقب في عُمان، فقال إنه “لا يهمه” وإن الأمر متروك للدول الخليجية. في المقابل، نظرت أوساط أميركية بتحفظ إلى أي ترتيب ملاحي يمنح طهران صلاحيات أوسع أو عائدات من الرسوم.
– سبتمبر14: أُرجئ اجتماع صلالة بين إيران ودول خليجية والعراق، وكان مخصصاً لبحث ترتيبات مضيق هرمز. عزت مسقط التأجيل إلى “الحرص على التوافق”. أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي فقال إنه جاء بطلب سعودي.
– سبتمبر17: أرسلت الخارجية الأميركية دعوات أولية للاجتماع. ويتركز النقاش على تصور واشنطن لاستراتيجية ما بعد الحرب، بما قد يشمل احتواء إيران وتوسيع الترتيبات الإقليمية.
– سبتمبر20: أعلن ترامب أن واشنطن على تواصل دائم مع الحوثيين، وأنهم وافقوا على عدم اعتراض السفن الأميركية (والإسرائيلية بحسب رويترز).
– سبتمبر21: أفادت “نيويورك تايمز” بأن ترامب ألغى في اللحظة الأخيرة غارات على الحوثيين كانت طائراتها قد حُمّلت بالذخائر. وجاء ذلك رغم طلب سابق من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التدخل لوقف تقدم الجماعة قرب باب المندب. وفي اليوم نفسه، اتصل ترامب برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي دون أن يتعهد بدعم عسكري مباشر.
– سبتمبر22: يعقد ترامب الاجتماع لبحث المرحلة التالية من الحرب مع إيران وخطة “اليوم التالي”. وقال إنه أمام “قرار كبير” ويريد الاستماع مباشرة إلى القادة الخليجيين، في وقت يوازن فيه بين القضاء التام على النظام الإيراني والعودة إلى التفاوض.
– سبتمبر24: موعد قمة ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن.
– مواقف الدول الخليجية:
– السعودية: تتعرض لهجمات حوثية على منشآتها النفطية ولحصار بحري معلن. كما تستهدف ميليشيات عراقية مدعومة من إيران خط أنابيب شرق–غرب الذي يتجاوز هرمز. وتصف مصادر ذلك بأنه أخطر تهديد أمني واسع النطاق منذ حرب 1991.
– الإمارات: كثفت التواصل مع طهران، واتفق الجانبان بحسب مصدر رسمي على ضرورة طي الصفحة. لكنها حذّرت من أن إعادة بناء الثقة قد تستغرق عقوداً، وأن الحوار يجب أن يقترن بالردع.
– الكويت والبحرين: تتحملان، مع قطر، كلفة إغلاق هرمز عبر اضطراب التجارة والطاقة.
– قطر: تبقى وسيطاً رئيسياً بين واشنطن وطهران. غير أن المتحدث باسم خارجيتها ماجد الأنصاري شكك هذا الشهر في فرص التوصل إلى اتفاق سريع، لأن إيران قادرة على احتمال حرب طويلة.
– عُمان: تواصل دور الوسيط البحري والأمني، وتتمسك بتفاهم ثنائي مع إيران حول الممرات رغم إلغاء اجتماع صلالة.
– التحليل السياسي:
تفيد مصادر خليجية بأن دول المجلس لا تريد أن ينفذ ترامب تهديداته القصوى إذا كان الثمن قصفاً انتقامياً على منشآتها وقواعدها. وفي المقابل، لا تريد تسوية تُبرم فوق رأسها تكرّس نفوذ إيران في هرمز أو تُطلق يد وكلائها في اليمن والعراق. لذلك تسعى إلى مخرج يحميها من توسع الحرب ومن تراجع الحماية في آن واحد، وتحدد له ثلاثة شروط:
– وقف إطلاق نار يشمل الوكلاء.
– حرية ملاحة من دون رسوم أو وصاية إيرانية.
– إبقاء مظلة أميركية كافية للردع.
وترى المصادر أن المنطقة، والسعودية تحديداً، تحتاج في ضوء تطورات اليمن إلى ضغط عسكري. وتقرأ تسلسل الموقف الأميركي، من رفض التدخل إلى إعلان التفاهم مع الحوثيين ثم إلغاء غارة جاهزة، على أنه فصل بين أمن الولايات المتحدة وأمن حلفائها. ويعزز هذا القلقَ الحديثُ الأميركي عن تقليص الوجود العسكري، إذ تعدّه المصادر إشارة في غير وقتها تصبّ في مصلحة طهران. ومن هنا ترجّح أن يحسم الاجتماع مصير الترتيبات الأمنية القائمة منذ 1991: إما استمرار معادلة الحماية والردع الأميركيين، وإما تراجعها إلى شراكات أضعف.
وتشير تحليلات أن انعقاد الاجتماع بعد أيام من إلغاء اجتماع صلالة يعيد ملف الصراع مع إيران إلى المظلة الأميركية. وتعتبر مصادر إسرائيلية اللقاء محطة مفصلية في تحديد خيار واشنطن بين التصعيد والمخرج الدبلوماسي، وفي حساب كلفة كل منهما.
وتلفت جهات بحثية إلى أن الصين مستورد رئيسي للنفط الإيراني وطرف في معادلة هرمز والأسعار. ولذلك فإن أي إشارة خليجية موحدة، سواء نحو تصعيد محسوب أو نحو تسوية مشروطة، ستدخل في مفاوضات ترامب مع بكين حول الهدنة التجارية والنفط والنفوذ في آسيا. وتعتقد هذه الجهات أن ترامب، المقيّد بحرب مكلفة وانتخابات وشيكة، يحتاج إلى غطاء سياسي وطاقوي خليجي قبل الجلوس مع نظيره الصيني.
خلاصة:
– يسعى ترامب من الاجتماع إلى تحديد حجم الخيار العسكري الذي يلوّح به، ومدى استعداد الخليج لتحمّل أعبائه، وحدود التسوية المقبولة خليجياً.
– يواجه ترامب موقفاً خليجياً غير موحد تجاه إيران، لكنه متقارب في رفض الخيارين الأقصيين: حرب مفتوحة تُدفع كلفتها على أرض الخليج، أو تسوية تتجاوز مصالحه.
– تمثّل الحلقة اليمنية الاختبار الأوضح لمصداقية الردع الأميركي، وتضع ترتيبات 1991 موضع مساءلة.
– يحدد الاجتماع للخليجيين اتجاه تحركهم: التصعيد في اليمن ومع إيران، أو المخارج الدبلوماسية التي تعمل عليها قطر وعُمان.
– تتجاوز نتائج الاجتماع الإطار الإقليمي، إذ ستتحول إلى أوراق على طاولة القمة الأميركية الصينية.