لجنة الخارجية والأمن الإسرائيلية تقرع طبول الحرب فيما القرار في واشنطن

أمير مخول – مركز تقدم للسياسات.

تقدير موقف:

تقديم: في الثامن والعشرين من أبريل، انعقدت جلسة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي، وقدّمت فيها ممثلة شعبة الاستخبارات العسكرية إحاطةً حول تطورات الساحتين الإيرانية واللبنانية. وما أُفرج عنه بعد المراجعة الرقابية العسكرية يستحق قراءة متأنية، ليس فقط لما يكشفه بل لما يوحي به من أولويات ورسائل موجّهة.

– الملف اللبناني: توظيف المعلومة سلاحاً سياسياً:
أبرز ما أتاحته الرقابة العسكرية للنشر هو التأكيد على أن “حياة الرئيس اللبناني جوزيف عون في خطر بسبب المفاوضات التي يجريها لبنان مع إسرائيل في واشنطن على مستوى السفراء”. وهذا الكشف لا يمكن فصله عن سياقه؛ فمنذ إعلان ترامب وقف إطلاق النار، روّجت التقديرات الإسرائيلية لاحتمالات تصاعدية في العلاقة مع بيروت، من اتصال هاتفي بين عون ونتنياهو برعاية أمريكية إلى لقاء محتمل في واشنطن. غير أن الأمرين لم يتحققا نظراً للموقف اللبناني الرسمي على أعلى مستويات القرار، فردّت إسرائيل بتصعيد عسكري مكثف طال مناطق واسعة من لبنان بما فيها بيروت، قبل أن يُوقفه قرار أمريكي مباغت فرضه ترامب على نتنياهو دون تنسيق مسبق.

في هذا الإطار يأتي تأكيد اللجنة على أن الهجمات على بيروت غير واردة حالياً تماشياً مع الموقف الأمريكي، فيما أشارت الإحاطة إلى وجود مصادقة قائمة على استهداف تهديدات بعينها حين تتشكّل، مع وصف نزع سلاح حزب الله بأنه هدف استراتيجي بعيد المدى لا يندرج ضمن أولويات المرحلة الراهنة. وهذا الموقف يتقاطع مع ما صرّح به قائد المنطقة الشمالية في الجيش أمام رؤساء البلدات الحدودية، من أن نزع السلاح لا يمكن إنجازه بالأدوات العسكرية وحدها، بل يستلزم أفقاً سياسياً مع دور محوري للدولة اللبنانية. وما يستوقف المراقب هو أن التصريحات المسرَّبة من اللجنة بشأن تهديد حياة الرئيس اللبناني تصبّ موضوعياً في تأجيج الاحتقان الداخلي اللبناني وتغذية بيئة الاقتتال الأهلي.

– الملف الإيراني: تماسك النظام ذريعةً للتصعيد:

جاء تأكيد شعبة الاستخبارات على أن مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة مخالفاً لما أوحت به تقديرات سابقة من أنه فارق الحياة أو يرزح في حالة حرجة جراء إصابته خلال استهداف والده المرشد الأعلى. والمقولة السياسية الكامنة وراء إبراز هذه المعلومة واضحة: النظام الإيراني لا يزال منتظماً ومتماسكاً وله عناوين قابلة للاستهداف. وهنا يتجلى التباين الجوهري بين الموقفين الإسرائيلي والأمريكي؛ فحكومة نتنياهو ترى ضرورة استهداف هذه العناوين والتخلص منها، فيما يميل ترامب إلى التفاوض مع النظام، ولا سيما بعد اغتيال علي لاريجاني الذي كان يُشكّل حلقة الوصل الأهم في قناة التفاوض الأمريكية مع طهران. ووفق المنطق الإسرائيلي، فإن الإبقاء على النظام يمنحه فرصة إعادة ترميم مشروعيه الصاروخي والنووي، وأن تقويضه وتفكيك الدولة هو وحده الكفيل بالقضاء عليهما.

وتتصل بهذا الملف تقديرات شعبة الاستخبارات بشأن الترميم الجزئي للمنظومة الصاروخية الإيرانية، إذ تُشير إلى أن هذه المنظومة شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الحرب وبات التصدي لها أكثر صعوبة؛ فقد ارتفعت نسبة الصواريخ المصيبة لأهدافها من 5% في بداية الحرب إلى نحو 27% حين أعلن ترامب وقف إطلاق النار. وهذه المعطيات تُقدَّم إسرائيلياً مسوّغاً لتجديد الحرب، وفي الوقت ذاته مصدراً للحذر منها، فيما يُحيل الجيش القرار النهائي إلى المستوى السياسي محمّلاً الحكومة مسؤوليته كاملاً.

– التوتر المؤسسي: الجيش والحكومة:
يندرج ما سبق في سياق توتر متصاعد بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي. فقد أعلن نتنياهو ووزير الأمن كاتس أنهما أمرا الجيش بالتصعيد في لبنان، غير أن التقديرات الإعلامية والأمنية رجّحت أن هذا التصريح يستهدف في آنٍ واحد إرضاء القاعدة الانتخابية وتحميل الجيش مسؤولية أي إخفاق في تحقيق أهداف الحرب، بما يُبرّئ ساحة المستوى السياسي من تداعياتها. والمفارقة أن المستوى السياسي ذاته لا يملك ترف تجاهل القيد الأمريكي الذي بات يُحدد سقف الخيارات العسكرية الإسرائيلية.
أما امتناع رئيس الأركان الجنرال أيال زمير عن حضور جلسات اللجنة لأكثر من شهرين فيعكس احتكاكاً أعمق جذوراً؛ إذ يعود إلى الإطاحة برئيس اللجنة السابق يولي أدلشتاين الذي كان يتوافق مع قادة الجيش في مسألة تجنيد الحريديم لتعويض النقص في القوى البشرية البالغ نحو اثني عشر ألف جندي. وقد عيّنت حكومة نتنياهو الرئيس الحالي بيسموت بالتحديد لمواءمة موقفه مع الحكومة والدفع نحو إسقاط قانون الخدمة العسكرية المعدّل الذي قد تتهاوى الحكومة بسببه. ولم يخفِ قادة الجيش تحفظهم على المشاركة في جلسات اللجنة، محتجّين بتسريبات ممنهجة من ممثلي حزبي بن غفير وسموتريتش وتوظيفهم للتقديرات الاستخباراتية السرية لأغراض سياسية ضيقة. وقد وافق زمير في نهاية المطاف على المثول أمام اللجنة في جلستها المقررة في الثاني من مايو.

خلاصة:
ثلاثة استنتاجات تحضر في قراءة ما جرى:
أولها أن ما أُفرج عنه من جلسة اللجنة لا يعكس بالضرورة روح مداولاتها السرية، بل يبدو تعبيراً منتقى عن أولويات رواية حكومة نتنياهو لا عن جوهر تقديرات الجيش.

وثانيها أن اللجنة قرعت فعلياً طبول الحرب مع علمها المؤكد بأن قرار التصعيد او الحل، أمريكي بامتياز وليس إسرائيلياً، مما يوحي بأنها تسعى إلى بناء رواية ضاغطة على واشنطن لتبنّي الموقف الإسرائيلي، في حين تربط الإدارة الأمريكية فعلياً بين الملفين الإيراني واللبناني في إطار تسوية شاملة.

وثالثها أن التصريحات المتعلقة بتهديد حياة الرئيس اللبناني جراء المحادثات مع إسرائيل خطيرة بذاتها ولا يجوز التقليل من شأنها، إذ قد تنطوي على نوايا لتوريط لبنان في اقتتال داخلي يُفكّك الدولة ويُعيد رسم المشهد بما يخدم الأجندة الإسرائيلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.