لجان المقاومة وتنسيقيات الاحياء السودانية : النشأة والتكوين والمستقبل

ذوالنون سليمان ، مركز تقدم للسياسات

غالبا ما تؤكد قيادات لجان المقاومة والتنسيقيات السودانية على ان لا هوية حزبية لها . رفضت تشكيل جسم قيادي يمثلها ، رفعت شعارا حاسما ” لا مفاوضة ولا مساومة ” قبل خروج المكون العسكري من المشهد السياسي .من هي هذه اللجان والتنسيقيات ومن يقف خلفها ؟، هذا ما تحاول الورقة الإجابة عليه .

البدايات والتكوين:

تتكون لجان المقاومة من مجموعات شبابية حديثة السن من الجنسين، عملت داخل الأحياء السكنية و منشرة في كل مدن وقرى السودان ، ساهمت بدور رئيسي في إسقاط نظام البشير والتأثير علي مجريات الأحداث السياسية في سودان ما بعد زوال حكم المؤتمر الوطني .ظهرت لجان المقاومة في منتصف العام 2012 ، كرد فعل على سياسة نظام البشير الأمنية التي نجحت في إبعاد جمهورها عن الاحزاب والقوي السياسية والحيلولة دون تنظيمها لاي حراك جماهيري مؤثر يهدد وجودها سواءً كانت منفردة او متحالفة . الأمر الذي جعل اليسار السوداني والحزب الشيوعي تحديدا يبدع فكرة المقاومة الشعبية المحلية عبر مجموعات صغيرة داخل الأحياء تقوم بتنظيم وتنفيذ مواكب محدودة داخل نطاق سكنها بولاية الخرطوم بدلًا عن التظاهرات المركزية التي كان يسهل قمعها والسيطرة عليها . حققت هذه الاستراتيجية نجاحات ملموسة في تبنيها لقضايا الشارع ووجدت تجاوبا كبيرا وإقبالا خصوصًا من الشباب الغير المنظمين سياسيًا ، الذين صاروا يتنافسون في تأسيس لجان في كل أحياء مدن السودان وإقامة الفعاليات المناوئة للسلطة من أجل إحداث التغيير .وصل حراك الشوارع الخلفية والاحياء المفقرة لأوجه في بداية العام 2019 وباتت هذه اللجان احد اهم أدوات الثورة في كل مدن السودان متربعة علي واجهة المشهد السياسي بفاعلية وجودها ومقدرتها الكبيرة على التعبئة و تنظيم المظاهرات والحشد ،ليتوج نضالها بإسقاط نظام البشير بسلاح المقاومة السلمية وفرض حكومة شراكة انتقالية بين المكون العسكري وتحالف قوي الحرية والتغيير وفق بنود الوثيقة الدستورية في أغسطس ٢٠١٩ .
التحول الى معارضة للمكونين العسكري والمدني :

علي الرغم من محاولات حكومة الفترة الانتقالية بأجهزتها وأطرافها المختلفة لاحتواء لجان المقاومة وتجيير نشاطها لصالح شراكتها الهشة والتي كانت محل شك وريبة لدي قطاعات واسعة من الشارع، احتفظت اللجان بخصوصيتها، وحولت نشاطها من الاداء السياسي للنشاط الخدمي.
مثل انهيار الشراكة بين المكون العسكري و تحالف قوي الحرية والتغيير الشريك المدني والحاضنة السياسية للحكومة، فرصة جديدة لإعادة لجان المقاومة في الاحياء والشوارع دورها القيادي المركزي للحراك الشعبي، وأصبحت عنوانا لما يعرف اليوم بالمعارضة الجذرية لكل النظام السياسي بشقيه العسكري والمدني ، في وقت تراجعت فيه شعبية ومكانة كل الكيانات السياسية و المهنية والمدنية (تجمع المهنين وقوي الحرية والتغيير ومبادرة المجتمع المدني ) التي شاركت في السلطة وحظيت بامتيازاتها علي حساب لجان المقاومة .

تجددت أزمة الثقة بين الجماهير والقوي السياسية مرةً أخري تزامناً مع تجدد فشلها في تبني شعارات الشارع السوداني وتحويلها الى برنامج عمل وطني يعكس مصالح الشعب المطحون بالأزمة الاقتصادية الخانقة والتضخم والبطالة والفساد، كما توسعت الهوة بين أطراف تحالف قوي الحرية والتغيير المتكونة من الاحزاب والحركات بسبب الخلاف على كيفية إدارة مراحل الانتقال والحكم الديمقراطي والتعاطي مع المؤسسة العسكرية بما فيها الحكومة الانتقالية التي انتهت بقرارات القائد العام للجيش في ٢٥ أكتوبر من العام الماضي.

ترتب على هذا الوضع، صعود لجان المقاومة للواجهة مرة أخري وسحب الثقة وشرعية التمثيل من تحالف قوي الحرية والتغيير بمكوناته المختلفة. اتجه أعضاء لجان المقاومة غير المتحزبين لتنظيم لجانهم والانتقال بها من مرحلة القيادة الجماعية الافقية لمرحلة الهيكلة التنظيمية ذات التراتبية التنظيمية، وذلك عبر مؤتمرات البناء القاعدي التي تبدأ من الاحياء وتنتهي بتنسيقات المحليات، برزت هذه الرؤية بعد اكتمال قناعتهم بضرورة وجود رؤية سياسية وشكل تنظيمي يتيح لهم التعاطي مع العملية السياسية، لأنهم عرفوا بالتجربة أن تحالف قوي الحرية والتغيير تمثلهم كشعارات فقط و لا تعبر عنهم كواقع وهذا ما انتج في منظورهم الأزمة السياسية الراهنة .

العلاقة بين لجان المقاومة والقوي السياسية
في العلاقة الملتبسة والمتشككة بين اللجان والقوى السياسية ، استمرت اللجان في مختلف المناطق والاقاليم السودانية في تحميل القوى السياسية مسؤولية الفشل في إنشاء النظام الديمقراطي، واجهاض مشروع الثورة في التغيير والحرية والعدالة والسلم ، لكن ذلك لا يعني البتة ،عدم وجود تاثير للأحزاب السياسية وقواعدها وانصارها في اللجان والتنسيقيات ، بشكل يجعلها ذات تأثير ملموس علي نشاطها لصالح أجندة أحزابهم او التوقف عن محاولة السيطرة علي لجان المقاومة وتوجيهها لخدمة معاركهم السياسية الداخلية أو تعزيز نفوذ بعضها المرتبط بالسلطة وجهاز الدولة . لهذا، حشدت كل القوي السياسية كوادرها في لجان المقاومة مستفيدة من عدم وجود هيكلية تنظيمية رأسية واضحة لها ومن مرونة شروط عضويتها المتمثلة في السكن والإقامة وعدم الانتماء لتنظيم النظام السابق. تقاسمت القوي السياسية نفوذ التأثير علي لجان المقاومة دون السيطرة المطلقة عليها وفق توزيعات ثقلها السياسي المناطقي وإمكانيات ادواتها الإعلامية في تشكيل الراي العام وخلق موقف شعبي مضاد للمكون العسكري .
بصرف النظر عن إدعاءات القوي السياسية حول لجان المقاومة ، يمكننا تبين تأثير بلمس وتحديد رموز معروفة لكل من الحزب الشيوعي وحلفائه في الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو وحركة جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور ، وذلك بالنظر الى التطابق في الموقف السياسي الرافض تماما للحوار مع المكون العسكري واي دور له في الحياة السياسية السودانية .كما يمكن ملاحظة وجود تمثيلي متواضع للتجمع الاتحادي والمؤتمر السوداني والبعث وعدد من رموز العمل الاجتماعي التطوعي في السودان وأصحاب المبادرات الإنسانية مع اختفاء كامل لحركات الكفاح المسلح الموقعة علي اتفاق السلام في جوبا .

الوضع التنظيمي وتحديات الهيكلة:

أشتهرت لجان المقاومة بعدم وجود هيكل تنظيمي داخلي أو نظام أساسي معين يدير وينظم نشاطها أو يحدد علاقتها مع اللجان الأخرى ، متخذة من القيادة الافقية الجماعية ، آلية لإدارة مهامها المحصورة في التعبئة وتنظيم المواكب ونشاطها الخدمي في الأحياء مثل حملات النظافة وصيانة المدارس ومساعدة حكومة الفترة الانتقالية في توزيع الغاز والخبز إبان الأزمة .تعتمد اللجان في التواصل والتنسيق بينها ومع جمهورها علي مواقع التواصل الاجتماعي وذلك من خلال إنشاء صفحات خاصه علي الفيسبوك لإعلان النشاط الثوري وتنسيق الدعوات للمواكب والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية .
بعد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ ، اتجه أعضاء لجان المقاومة غير المتحزبين لتنظيم لجانهم والانتقال بها من مرحلة القيادة الجماعية الافقية لمرحلة الهيكلة التنظيمية ذات التراتبية التنظيمية ، وذلك عبر مؤتمرات البناء القاعدي التي تبدأ من الاحياء وتنتهي بتنسيقات المحليات ، برزت هذه الرؤية بعد اكتمال قناعتهم بضرورة وجود رؤية سياسية وشكل تنظيمي يتيح لهم التعاطي مع العملية السياسية ، لأنهم عرفوا بالتجربة أن تحالف قوي الحرية والتغيير تمثلهم كشعارات فقط و لا تعبر عنهم كواقع وهذا ما انتج في منظورهم الأزمة السياسية الراهنة .

بدأت المؤتمرات القاعدية في عدد من أحياء العاصمة وتم اعتماد عدد من المكاتب . هذه الخطوة تواجهها تحديات كبيرة أهمها تراجع مناخ الحريات وتنظيم النشاط السياسي وتكالب الاحزاب والقوي السياسي علي لجان المقاومة للحيلولة دون تطورها سياسيًا وتنظيميًا حتي لا يفقدوا رافعتهم التنظيمية ضد السلطة .
لجان المقاومة وتنسيقية لجان المقاومة، الافاق والمستقبل :

مع مطلع العام الجديد ، تم الإعلان عن هيكل تنظيمي للجان المقاومة السودانية بقيادة نجلاء سيد أحمد . الجدير بالذكر أن هذا الاسم هو الذي ابتدر عمل المقاومة داخل الأحياء السكنية واعلن عن نفسه بشكل رسمي في نهاية ٢٠١٧ ، وهو من ضمن الأجسام الموقعة علي ميثاق تحالف قوي الحرية والتغيير قبل ان ينسحب منه احتجاجًا علي المشاركة في الحكم . تتكون غالبية عضويتها من خلفيات يسارية التوجه ، وبالرغم من تاريخيته الا إنه اصبح صاحب تاثير قليل مقارنة بتنسيقية لجان المقاومة صاحبة التأثير المتعاظم علي الحراك الجماهيري بعد سقوط حكم البشير ومحل الصراع بين الأحزاب السياسية لدورها المحوري في هذه المرحلة . وهي بلا هيكلية سياسية، و تجري محاولات من داخلها وخارجها لبنائها تنظيميا حتي يكون لها دور في قيادة المرحلة الانتقالية .

تعتمد تنسيقية لجان المقاومة علي الإعلام الاجتماعي والشعبي المباشر في تنظيم أنشطتها ، وفي التشبيك بين التنسيقات الاخري في الأنشطة ذات الطابع المركزي .

لا زالت لجان المقاومة تحافظ علي سلمية حراكها علي الرغم من إزدياد وتيرة العنف ضدها واستهداف ناشطيها بالتصفية والاعتقال ،بالإضافة لعدم وجود قيادة مركزية تسيطر علي ردود أفعال عضويتها ، هذا الوضع قد لا يستمر طويلًا ، خاصةً بعد ظهور أجسام فرعية منها مثل لجان المقاومة غاضبون وملوك الاشتباك ، تتكون من شباب يافعين في مقتبل العمر ، نشاطهم يتمحور حول حماية المواكب والتعامل مع القنابل المسيلة للدموع التي تطلقها الأجهزة الأمنية والعسكرية ، وإنشاء المتاريس وحمايتها ،هذه الاجسام ظهرت كرد فعل لعنف السلطة ضد المتظاهرين المدنيين . ووفقًا لإحصاءات موثوقة من اللجنة المركزية لأطباء السودان ،فقد قتل 71 متظاهر بإصابات مباشرة في الرأس والصدر ، وأصيب أكثر من 2200 على يد القوات النظامية خلال الاحتجاجات منذ 25 أكتوبر 2021 حتي 17 أغسطس ، إلي جانب اعتقالات لحظية تعرض فيها المتظاهرون للأذى البدني والنفسي ، جميع الضحايا من لجان المقاومة ، هذه الإحصائية لا تشمل ضحايا الفترة السابقة ، الامر الذي يضع شعار سلمية الحراك علي المحك في ظل تعويل المجلس السيادي علي الحلول الأمنية وعدم توحد القوي السياسية أمام برنامج عمل وطني يؤهلها لانتزاع زمام المبادرة ورسم البدايات الصحيحة للأزمة الوطنية الشاملة.

الخلاصة :

تعتبر لجان المقاومة وفق دورها المحوري في الحياة العامة ، أحد الروافد الحيوية في عملية البناء الديمقراطي السلمي والاستقرار السياسي ، لما تمتاز به من خواص تجعلها مؤهلة للعب دور وطني إيجابي وذلك للوعي الكبير الذي يمتاز به عضويتها وإيمانهم بالديمقراطية وقيمها ، يقع علي كاهل أطراف العملية السياسية مسؤولية التوظيف الايجابي للجان المقاومة والمساعدة في تأهيلها للعب دور الشريك المرئي في عملية الانتقال الديمقراطي عبر خلق المناخ الملائم لاستكمال تطورها كنموذج فريد لمقاومة السلمية الشمولية وإحداث التغيير وذلك عبر المساعدة في بناءها تنظيميًا وتوفير المناخ الملائم لعقد مؤتمراتها القاعدية وتطوير مهاراتهم وصقلها عبر تنظيم ورش عمل و دورات لرفع مقدراتهم وتهيئتهم للمشاركة في برامج الانتقال و البناء الوطني . وذا ما استمرت لازمة السياسية في المراوحة وانسداد افاق التوافق الوطني بين كل المكونات ، فان البلاد ستكون مفتوحة على دورات جديدة من العنف ، قاعدته ستكون من جمهور وقواعد لجان المقاومة والتنسيقيات ،ليس هذا وحسب بل قد يفضي الحل الأمني والعسكري للازمة ، الى حلول خطرة ليس اقلها ، تقسيم البلاد الى دويلات متصارعة على الأرض والثروة ، وهو ما يهدد ليس الامن السوداني وانما لامن الإقليمي برمته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.