كير ستارمر وحزب العمال: هل تقترب بريطانيا من رئيس وزراء جديد؟
تقدير موقف
حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن
تمهيد:
بعد أقل من عامين على توليه رئاسة الحكومة، يبدو موقع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فقد كشفت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة عن تراجع حاد في شعبية حزب العمال، وأطلقت موجة اعتراضات داخلية غير مسبوقة، دفعت قرابة مئة نائب من الحزب إلى المطالبة باستقالته أو تحديد جدول زمني لرحيله. ومع استقالة أربعة وزراء من الحكومة، ثم استقالة وزير الصحة ويس ستريتينغ من منصبه الوزاري، بات الحديث عن معركة قيادة داخل حزب العمال أقرب إلى الواقع السياسي منه إلى مجرد تكهنات إعلامية.
ورغم أن آليات إطلاق سباق القيادة تتطلب إعلان 81 نائباً عمالياً دعمهم الرسمي لمرشح منافس، فإن استقالة ستريتينغ رفعت مستوى الضغط على ستارمر، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل الحزب واتجاهه السياسي، لا سيما في ظل تزايد الأصوات التي ترى أن أزمة العمال تتجاوز شخص ستارمر نفسه إلى أزمة رؤية اقتصادية وسياسية أعمق.
في التحليل:
أولاً: أندي بورنهام… المرشح الأوفر حظاً:
يبرز عمدة مانشستر الكبرى أندي بورنهام بوصفه المرشح الأقوى لخلافة ستارمر. وتكمن أهميته في كونه من الشخصيات القليلة داخل حزب العمال التي ما تزال تحظى بشعبية انتخابية مستقرة، مع بقائه ضمن التيار الوسطي للحزب، وهي معادلة نادرة في السياسة البريطانية الحالية.
سبق لبورنهام أن شغل مناصب وزارية في السنوات الأخيرة من حكم حزب العمال قبل خروجه من وستمنستر عام 2017 ليتولى منصب أول عمدة منتخب لمانشستر الكبرى، وهو المنصب الذي فاز به ثلاث مرات، ما أكسبه لقب “ملك الشمال”، كما أبقاه بعيداً عن الأزمات التي لاحقت حكومة ستارمر.
سياسياً، ينتمي بورنهام إلى الوسط التقليدي داخل الحزب؛ فقد أيد حرب العراق عام 2003، وانضم إلى “أصدقاء إسرائيل” داخل حزب العمال عام 2015، كما سبق أن وصف إسرائيل بأنها “ديمقراطية ذات تاريخ في حماية الأقليات وتعزيز الحقوق المدنية”، وهاجم حركة المقاطعة (BDS) واعتبر وعد بلفور “تجسيداً للقيم البريطانية”.
لكن مواقفه شهدت تحولات تدريجية، خاصة بعد تصاعد الحرب على غزة، إذ انشق عن موقف قيادة الحزب ودعا إلى وقف إطلاق النار، إلى جانب عمدة لندن صادق خان وزعيم حزب العمال الاسكتلندي أنس سروار.
اقتصادياً، طرح بورنهام نموذجاً يسميه “الاشتراكية الصديقة للأعمال”، يقوم على التمثيل النسبي، والملكية العامة للخدمات الأساسية مثل المياه والطاقة والنقل والإسكان، مع بناء توافقات سياسية طويلة الأمد تسمح بإعادة الاستثمار والإنتاج. ويرى مراقبون أن هذا الطرح يمثل محاولة للخروج من الإرث النيوليبرالي الذي طبع بريطانيا منذ عهد مارغريت تاتشر.
ثانياً: ويس ستريتينغ… عودة البليرية
في المقابل، يمثل ويس ستريتينغ الجناح البليري التقليدي داخل الحزب. وقد اعتُبرت استقالته من الحكومة تمهيداً مباشراً لدخول سباق القيادة. ويُعرف ستريتينغ بقربه من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كما تلقى تبرعات مالية من جهات مرتبطة بها، وسبق أن وصف الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بأنها “تشتيت للجهود الدبلوماسية”.
اقتصادياً، يعكس ستريتينغ عودة واضحة إلى “البليرية”، وإن بصورة أقل تماسكاً من الناحية الفكرية والبرنامجية. فهو يعارض التوسع في الإنفاق العام والضرائب المرتفعة، لكنه لم يقدم حتى الآن بديلاً اقتصادياً متكاملاً، وهو ما يعد نقطة ضعف رئيسية في لحظة تتصاعد فيها المطالب داخل الحزب بإعادة صياغة النموذج الاقتصادي البريطاني.
ثالثاً: أنجيلا راينر وتحول المزاج داخل الحزب:
أما نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، ذات الخلفية القريبة من تيار جيريمي كوربن، فقد تبنت موقفاً لافتاً بدعمها أندي بورنهام، ووجهت انتقادات مباشرة لقيادة ستارمر، مطالبة بتغيير اقتصادي وسياسي حقيقي “يجعل الناس أفضل حالاً”، معتبرة أن الحزب يواجه “ربما فرصته الأخيرة” لاستعادة الثقة الشعبية.
ويعكس هذا الموقف تحوّلاً أوسع داخل الحزب، حيث بدأت قطاعات كبيرة من نواب العمال ترى أن الأزمة الحالية ليست أزمة قيادة فقط، بل أزمة مشروع سياسي واقتصادي بالكامل.
رابعاً: الأزمة الأعمق… غياب المشروع:
تجمع تقديرات متزايدة داخل الإعلام والنخب السياسية البريطانية على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في شخصية ستارمر، بل في افتقار حزب العمال إلى رؤية اقتصادية مقنعة. فقد فاز الحزب في انتخابات 2024 بأغلبية برلمانية واسعة، لكن من دون مشروع متماسك لإصلاح الاقتصاد البريطاني أو معالجة أزمات النمو والإنتاج والاستثمار.
وفي هذا السياق، دعت مجموعة تضم أكثر من مئة نائب يساري داخل الحزب إلى تبني “إطار اقتصادي جديد” يقوم على تقليص التشدد المالي، وزيادة الاستثمار العام، وإعادة النظر في النموذج الاقتصادي القائم، الذي بات – وفق تعبير بعض النواب – “غير صالح للاستمرار”.
كما ساهم صعود حزب الخضر واستمرار التأثير السياسي والمعنوي لتيار جيريمي كوربن في تعميق أزمة حزب العمال، خصوصاً بين الشباب والناخبين التقدميين الذين باتوا ينظرون إلى قيادة ستارمر باعتبارها متخلية عن الهوية الاجتماعية التقليدية للحزب من دون أن تنجح في بناء بديل وسطي مقنع. وقد استفاد الخضر من هذا الفراغ، لا سيما في قضايا المناخ وغزة والعدالة الاجتماعية، ما عزز الانطباع داخل الحزب بأن الأزمة تتعلق بغياب مشروع سياسي واقتصادي واضح أكثر مما تتعلق بشخص القيادة وحده.
كما تصاعدت الدعوات إلى تجاوز “الحذر المالي البليري” الذي هيمن على الحزب لعقود، باعتباره لم يعد قادراً على التعامل مع تحديات بريطانيا الحالية، من ضعف النمو إلى أزمة الخدمات العامة واتساع الفجوة الاجتماعية.
الخلاصات:
* تعكس أزمة كير ستارمر تصدعاً متزايداً داخل حزب العمال بين التيار الوسطي التقليدي والتيارات المطالبة بتحول اقتصادي أعمق.
* تبدو استقالة ويس ستريتينغ مؤشراً جدياً على اقتراب معركة قيادة داخل الحزب، حتى وإن لم تُستكمل إجراءاتها الرسمية بعد.
* يبرز أندي بورنهام باعتباره المرشح الأوفر حظاً، مستفيداً من شعبيته المحلية وابتعاده عن إخفاقات الحكومة الحالية، مع تقديمه خطاباً اقتصادياً أكثر مرونة تجاه تدخل الدولة.
* تمثل الأزمة الحالية صراعاً على هوية حزب العمال بقدر ما هي صراع على القيادة، بين استمرار النهج البليري أو الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر تدخلاً وعدالة اجتماعية.
* تتزايد القناعة داخل الحزب وخارجه بأن سقوط المحافظين في انتخابات 2024 لم يكن تفويضاً لمشروع ستارمر، بل تعبيراً عن الرغبة في إنهاء حكم المحافظين فقط.
* تشير التطورات إلى أن بريطانيا قد تكون مقبلة ليس فقط على تغيير محتمل في القيادة، بل على نقاش أوسع حول إعادة صياغة النموذج الاقتصادي والسياسي البريطاني بعد عقود من السياسات النيوليبرالية.